هم أتباع الرسل ورواد التغيير وصُناع الحضارة وعُمار الأرض هم الأكثر قدرة على العطاء، هم الشباب.

نستطيع أن نستقرئ مستقبل الأمة إذا نظرنا إلى شبابها وهمومهم واهتماماتهم، هذا لأن الشباب هم عماد النهضة الحضارية في كل الأمم. لذا فإن الهزيمة النفسية للشباب تجعلها كما لو كانت شيخًا عجوزًا دار عليه الزمان فبلغ من الكِبَرِ عِتيًا وأصبح لا يقدرُ على شيء، يكتفي بالنظر والتعليق على ما يدور حوله من أحداث ولا يَسعه – شاء أم أبى – إلا أن يرضى، والأشد من ذلك أن يقرر مصير الأمة من هم ليسوا من أبنائها ويصدق فيها قول جرير في ذم وهجاء خصومه (بنو تيم)

وَيُقْضى الأمْرُ حينَ تَغيبُ تَيْمٌ … وَلا يُسْتَأمَرُونَ وَهُمْ شُهُودُ

الأمم بصفة عامة تمتلك مقدرات متنوعة، منها ما هو عسكري واقتصادي ومنها ما يتعلق بموارد الطبيعة والجغرافيا، ولكن تتفاوت قيمة كل هذه المقدرات صعودًا وهبوطًا، ويتربع فوق كل هذه المقدرات الموارد البشرية وخاصة الشباب.

ومع أن الأغلبية العُمرية من أبناء الأمة من الشباب، وتمتلك الأمة تاريخًا حافلًا من الشباب القدوات الذين آثروا همومها على أنفسهم وحياتهم، فأهمهم وضعها فقاموا وأعدوا أنفسهم حتى استطاعوا أن يقدموا لها شيئًا من العز والتمكين، فكان منهم العلماء والقادة والدعاة والسياسيين والحكماء. واستطاعوا مجتمعين أن يذودوا عن ثغورها قدر المستطاع فتحولت على أياديهم الفرقة إلى الوحدة والهزيمة إلى النصر، وسادت الأمة قرونًا من الزمان، وبلغ حكمها ما بلغ من الأرض، وأصبحت مترامية الأطراف حتى وصلت سيادتها إلى قلب أوروبا.

وأذكر هنا قول الشاعر عبدالرحمن العشماوي في رثاء حالها الذي تغير إلى الهوان بعد الإكرام

نُسـبى ونُطرد يا أبي ونُبادُ … فإلى متى يتطاول الأوغادُ

وإلى متى تدمي الجراح قلوبنا … وإلى متى تتقرح الأكبادُ

ولست هنا للبكاء على أطلال الأندلس أو الأقصى وبورما أو على أمجاد الأمة المسلوبة منها بغفلتها، فليس البكاء من شيم الرجال والقادة، كما أنه لا يُعيد مجدًا ولا يبني حضارة، ولكن السؤال الذي راودني كثيرًا هو مَــن لمشاكل أمتنا؟ بالتأكيد هم الشباب المخلصين من أبنائها. ومِن هنا يكون السؤال الثاني: لماذا هذا التباين الشديد بين واقع شباب الأمة وما يُفترض أن يكونوا عليه؟!

بالعودة إلى الشباب الذين أُشفق عليهم حقيقة من كم الضغوط وأنهم في الحقيقة ليسوا بسبب مباشر في هذا الواقع الأليم، لكنه فُرض عليهم فرضًا فنشأوا في وقت لا يُهتم فيه بالتعليم والصحة والبحث العلمي والتخطيط . فأصبح النوابغ من أبناء الأمة في مقدمة اهتماماتهم البحث عن هجرة حتى ينجو من آفة الحياة الروتينية التي تجعله يدور في فلك الحياة اليومية، وبالكاد يستطيع أن يؤمن قوت يومه هو وأولاده.

كما أني لست من أنصار نظرية المؤامرة التي تقول أن كل هذا بترتيب أعداء الأمة، الذين يريدون منها أن تظل دائمًا مُهانة، فمن الطبيعي أن يحيك لك عدوك مؤامرات ولكن ليس من الطبيعي أن تستسلم لها أنت! يجب أن تقاوم وتحافظ على أغلى ما تمتلك من المقدرات ولا تتركهم فريسة لليأس منزوعي الوعي والفكر والفهم.

المشكلة الرئيسية في الشباب العربي عامة والمسلمين منهم خاصة، هي فقدان الطموح واضمحلال الهدف، فقد وُلِدُوا في ظل وقت تعاني فيه الأمة من تراجع حضاري رهيب في كافة الميادين سياسي واقتصادي وعسكري، ومع الأسف تراجع أخلاقي، كما أن صعوبة الحياة المادية في بعض البلدان العربية يجعل أبناءها أقصى أهدافهم الرحيل للعمل في دولة مجاورة غنية، حتى يحيا حياة كريمة وأما مَن يعلوه في الطموح فيكون طموحة الهجرة والعيش في بلد يشعر فيها بآداميته ويحترم فيها كإنسانِ.

وفي الحقيقة لا يستطيع أحد أن يلوم هؤلاء الشباب على هذه الأهداف فهي أهداف مشروعة، ولهم فيها كل الحق وقد تكون في وقت من الأوقات جهادًا في سبيل الله، ولكن أن يكون هذا هو – فقط – دورك في الحياة في وقت تُنكأ فيه جراح الأمة من كل حدب وصوب، وقت تحتاج الأمة فيه إلى كل من يسعى لبنائها فربما نكون بحاجه إلى إعادة ترتيب أولوياتنا من جديد، وتحديد مُراد الله من خلقنا جميعًا.

إن الواقع ليس سوداويًا لهذه الدرجة، فيوجد نماذج رائعة من الشباب العربي المسلم على المستوى الفردي الذين استطاعوا أن يقوموا دون ثغور الأمة إلى جانب حياتهم اليومية وهذا ما نبحث عنه، سأكتب عن بعضهم تباعًا ممن قضوا للقاء ربهم ساعين للنهوض بأمتهم فهم كثيرون في كافة الميادين يحملون هم الأمة على أكتافهم، يؤرق أعينهم، يُدركون مُراد الله مِن خلقهم وأن لهم دور في هذه الحياة لن يقوم به أحد غيرهم. هؤلاء هم من يخشاهم عدونا فيغتالهم حتى لا تنتشر روحهم في جسد الأمة -المريض- فتحييه بعض الشيء.

وإذا طالعنا كتاب «مائة من عظماء الإسلام غيروا مجرى التاريخ» لكاتبة المؤلف الفلسطيني الشاب جهاد التُرباني، نجد أنه لاقى رواجًا كبيرًا في أوساط القُراء وهذا ليس إلا لأننا في الحقيقة في ظمأ شديد إلى البطولة الحقيقة وليس البطولة الورقية الوهمية، البطولة التي يتغير معها حال الفقراء واليتامى والمساكين ويسود بها العدل ويأمن بها الخائفون. البطولة التي يتغير بها ميزان هذا العالم – الظالم – لمن ليس معه قوة حتى وإن كان على الحق.

إن الأحلام والأهداف والطموحات مثل الزوجة والسيارة والبيت أو حتى الحياة الكريمة، ليست أحلامًا تافهة بالعكس فهي حق مشروع شرعًا وعرفًا وتكون في سبيل الله إن كانت لكفاية نفسك وأهل بيتك وهي الأساس السليم لبناء الأمة إن صح بناؤها، لكن هذا ليس حدود إمكاناتك وطاقتك وقدراتك فلا تستصغر نفسك فقد خُلقنا لنكون عبيدًا لله أسيادًا في هذا الكون نقوم بمراد الله منا، ووُهبنا من القدرات ما يُعينُنا على ذلك.

إنني هنا أشد على يديك بيدي وأقول..

إن الأمة قد سلكت طريق البناء ولن تعود وستُبنى هذه الحضارة وسيتغير هذا الواقع المؤلم، فقد مرت الأمة بأشد منه في تاريخها وحُوصِرَت من أعدائها وتلك سنه الله في الكون لمن كان يفقه، وإن الله قادر على أن ينصرها ولكن حاشاه أن يغير سنته في الكون، فإن التغيير والبناء لا يكون إلا بجهد البشر واجتهادهم، لذا نحن لسنا مأمورين بتحقيق النتائج نحن فقط مأمورون بالسعي والاجتهاد.

في النهاية هذا آوان المسئولية الفردية، فاحرص على ما ينفعك، لأن ما ينفعك يرفعك، احرص على إدارة حياتك جيدًا وعلى دراسة نفسك حتى تعلم مواطن قوتها وضعفها وعلى صُحبة طيبة وعمل طيب وزوجة طيبة وهدف تحيا من أجله تجعله مشروع حياتك، وتذكر دائمًا أن (صاحب الغاية لا يُعدم الوسيلة).

وليكن لك قدوة معاصرة، ليس بالضرورة أن يكون عالم دين أو عالم فيزياء أو فلك وغيرها وهذا مهم جدًا وطيب، لكن نطلب منك أن يكون لك روح وهمة مثل همة عبدالرحمن السميط وعلي بنات رحمهما الله ورضي عنهما، نطلب منك أن تكون الجندي المجهول الذي يجهله الناس ويكفيه أن يعلمه رب الناس.

حتى وإن كنت عاملًا صغيرًا في مصنع فلك دور، أو كنت مزارعًا مثل كثير من آبائنا لا تملك إلا أن تحرث الأرض كل صباح فلك أيضًا دور، يكفيك أن تربي شبابًا يدرك قيمته ويسعى للعلو في الدنيا والآخرة وتعلمهم أن رأس مالهم هو أعمارهم وأعمالهم، فليكن على حذر ولا يضيع رأس ماله فيما لا يُفيد، فكل الذين غيروا التاريخ كانوا ثمرة تربية طيبة ومنبت طيب.

الثغور كثيرة ولن يقوم بها إلا الشباب إن أدركوا عِظم قدراتهم وأدوارهم، فقم في أي الثغور شئت وأحببت وأر الله من نفسك خيرًا واحرص على أن تكون قائدًا مُبدعًا يغير واقعًا، وأعيذك بالله من أن يتسلل اليأس إليك فتقعد مع القاعدين.

اعلم يا فتى أن المقومات الحقيقة للشباب الناجح تكمن في دينه وعلمه وشجاعته، وفهمه لنفسه وتدريبه على تطوير مهاراته وقدراته، ولا تكمن أبدًا في عرقه ونسبه أو جمال وجه وحلو لسانه.

نحن الشباب قادة الأمة وأملها وأساس نهضتها وبناة حضارتها، لذا قُم فاجتهد أنت على موعد مع البناء قم فإن هناك مَن ينتظرك، قم لا تستصغر نفسك فلك شيء في هذا العالم يجب أن تُضيفه، قم واغتنم شبابك قبل هرمك، قم يكفينا أعذار وما قد فوتنا من الأعمار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات