ورد في كتاب الخيارات الصعبة، لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، هيلاري كلينتون، قصة مثيرة تتعلق بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تقول: كان والد بوتين جنديًّا في الجيش الروسي، خلال اشتعال الحرب العالمية الثانية، وبعد فترة طويلة قضاها على الجبهة حصل على إجازة، ليعود إلى مدينته لينينجراد، والتي تُعرف الآن باسم «سان بطرسبرج».

 

فور وصول والد بوتين إلى الشارع الذي يقع فيه بيته، رأى شاحنة عسكرية محملة بجثث جمعت لنقلها إلى مقبرة جماعية، وذلك بعد أن قصفت قوات الحلفاء المدينة. وقف والد بوتين أمام الجثث المكشوفة، حزينًا متأثرًا، وأثناء نظره إلى هذا المشهد، رأى حذاءً يشبه حذاء زوجته، فتوجه مسرعًا نحو بيته للاطمئنان على زوجته، غير أنه لم يفعل ذلك، لأنه عاد مرة أخرى إلى الشاحنة ليتفحص جثة صاحبة الحذاء، فإذا بها زوجته.

 

أراد الرجل أن يدفن الزوجة دفنًا يليق بها، لذلك طلب أخْذ الجثة من الشاحنة حتى لا تُدفن في مقبرة جماعية، وخلال نقل الجثة إلى المنزل اكتشف أن زوجته لم تمت، وأنها ما زالت على قيد الحياة، غير أنها تتنفس ببطء وصعوبة، فحملها إلى المستشفى؛ فأُجرِيت لها الإسعافات اللازمة، وقد استعادت حياتها من جديد.

 

بعد عامين من وقوع هذا الحادث، حملت الزوجة ووضعت حملها، فكان المولود هو الطفل فلاديمير بوتين، الذي أصبح رئيسًا لروسيا بعد ذلك.

 

الرئاسة

  • في الثامن عشر من مارس (آذار) 2018، استطاع فلاديمير بوتين، أن يحقق فوزًا وُصِف، بالقياسي من حيث الأرقام، في الانتخابات الرئاسية الروسية، ليجلس على كرسي الحكم للمرة الرابعة.
  • بوتين، قيصر روسيا، رجل روسيا القوي. هكذا يوصف بوتين من حلفائه وأعدائه. وأنا أنقل هذا الوصف، رغم ما ارتكبه الرئيس الروسي وجيشه، من جرائم أدت إلى خراب ودمار وقتل وتهجير في سوريا العربية المسلمة. أفعل ذلك لنقف على الفارق ما بين مسلم يقود بلاده إلى التبعية، وغير مسلم يقود بلاده إلى النِّدِّيَّة.

 

  • في ديسمبر (كانون الأول) 1991، انقضَت مرحلة القطبية الثنائية التي كانت تقوم على السوفييت والأمريكان، ليدخل العالم في مرحلة القطب الأوحد، وذلك فور الإعلان عن زوال الاتحاد السوفيتي، أو «انهيار الاتحاد السوفيتي».

بعد الانهيار تولى بوريس يلتسن رئاسة روسيا، واستمر في الحكم حتى عام 1999، ولقد شهدت فترة حكمه انهيارًا آخر، من حيث انتشار الفساد والفقر، وذلك ما أدى إلى حالة من الضجر اجتاحت الأوساط الروسية، يعبر عن تلك الحالة مستوى شعبيته الذي واصل انخفاضه ليصل إلى 2%.

 

استقال يلتسن من منصبه عام 1999، مُرشِّحًا فلاديمير بوتين خلفًا له. فاز بوتين في الانتخابات الرئاسية التي أُجريت عام 2000، ثم أُعيد انتخابه فترة ثانية عام 2004، وفي عام 2008، لم يكن باستطاعته خوض السباق الرئاسي للمرة الثالثة، فدستور بلاده لا يسمح للرئيس بالاستمرار في الحكم أكثر من فترتين على التوالي. فلجأ بوتين إلى الحِيَل السياسية من خلال تبادل الأدوار مع تلميذه أو رفيقه ديمتري مدفيديف، الذي انتُخِبَ رئيسًا لروسيا عام 2008، في حين تراجع بوتين خطوة ليتولى منصب رئيس الوزراء، طيلة حكم مدفيديف، وهو الذي كان بالأمس القريب رئيسًا لروسيا.

 

في 2012، عاد بوتين مرة أخرى إلى الرئاسة بعد خوض السباق للمرة الثالثة، فتراجع مدفيديف خطوة ليتولى منصب رئيس الوزراء بعد أن كان رئيسًا للدولة.

 

  • لم يكن الوصول إلى الحكم فقط هو ما يشغل بوتين، كلا، فلقد سعى إلى تحسين أوضاع بلاده إداريًّا، من خلال تعزيز السلطة المركزية وإحداث التوازن في العلاقات ما بين أجهزة الدولة. وفي الوقت ذاته سار في طريق الإصلاح الاقتصادي ليحقق نموًّا اقتصاديًّا مستقرًّا، ولقد حقق في ذلك نتائج إيجابية، إذ زاد إجمالي الناتج المحلي لروسيا بنسبة 30%، مما أدى إلى انخفاض التضخم والبطالة، فانعكس بالتبعية على ارتفاع مستوى المعيشة ودخل الفرد. وأيضًا مد فترة الحكم في الدستور لتصبح ستة أعوام بدلًا من أربعة.

 

إعدام الشرق والطريق الثالث

 

  • اخترت نموذج بوتين لأناقش أمر الرئاسة في مصر والدول العربية، لقد اخترت النموذج الروسي تحديدًا لأنه يمثل نموذج التحدي الكبير، فبعد الانهيار الذي وقع عام 1991، لدولة كان يقال عنها يومًا أحد قطبي العالم، دخلت روسيا في مرحلة جديدة من مراحل الهزيمة والضياع استمرت قرابة الثماني سنوات هي فترة حكم بوريس يلتسن، ثم جاء بعد ذلك فرد واحد وهو فلاديمير بوتين، نعم فرد واحد، فكما نُسِبَ الفشل ليلتسن، فلا بد وأن يُنسب النجاح لبوتين الذي استطاع أن يحفر مكانة بلاده على صخرة السياسة العالمية من جديد.

 

فمنذ أسابيع قليلة وقف، فلاديمير بوتين، ليعلن مفاجأته للغرب وللأمريكان، من خلال الإعلان عن جيلٍ جديد من الأسلحة النووية، يشمل صاروخ كروز عابرًا للقارات لا يُقهر، وطوربيدًا نوويًا يمكنه التفوق على كل الدفاعات الأمريكية. هذا هو الحاكم الذي استبد وتشبث بالسلطة، بل لقد لجأ إلى الحيلة حتى لا يترك مفاتيح الحكم لغيره.

لقد استطاع بوتين أن يشق لبلاده طريق الندية، وليس طريق التبعية، ورغم أن الدولة مقهورة فاقدة للمقومات المعنوية، فإنه سار في أكثر من طريق، طريق التعامل مع الخارج، وطريق التعامل مع الشعب وشؤونه ثم المعارضة الداخلية ومطالبها، ثم طريق البقاء على العرش، وها هي روسيا قد عادت بعد الانهيار لتصبح أحد أهم اللاعبين المؤثرين في سياسات العالم المعاصر مرة أخرى.

 

أما نحن، فجميعنا يعلم أننا ننتقل من السيئ إلى الأسوأ، فما رحل نظام وحل محله جديد، إلا ويأخذنا الحنين إلى النظام السابق، رغم فساده وإفساده، نتيجة الصدمة التي نتلقاها بسبب التمادي في السير على درب التبعية المهينة، وبسبب المزيد من الخضوع للخارج وإذلال الداخل. وهذا هو الفارق، فبوتين وصل إلى الحكم من أجل الندِّية، لقد استطاع أن يُعَبِّد الطريق حتى صار بعض العرب وغيرهم حلفاءً له وأتباعًا، أما حكامنا فنراهم يتسابقون ويتنافسون في تقديم التنازلات من أجل الوصول إلى الحكم، فقط بهدف التبعية، وبالتبعية صار يستقوي بعضهم على بعضِ، وبالتبعية صار جميعهم يحتمي في مراكز القوة الإقليمية والعالمية. وإن في هذه التبعية أهم أسرار التخلف والتدهور والخضوع والذل الذي نعاني منه جميعًا في المنطقة العربية.

 

إن الطريقة التي يأتي بها الحاكم العربي تُجبره على أن يكون تابعًا خاضعًا لمراكز القوى الخارجية، وتكون نهاية حكمه في اليوم الذي يفكر فيه في الانتقال من التبعية إلى الاستقلال. ونتيجة لذلك، لا يجد الحاكم العربي أمامه سوى هذه الطرق للسير فيها، وهي طرق تختلف عن طرق بوتين في دلالتها.

  • أولًا، طريق الولاء لمراكز القوة العالمية، وإلا فزوال المُلك، والموت أنواع.

 

  • ثانيًا، طريق الخلاص أو احتواء المعارضة التي تظهر في الداخل رفضًا للممارسات الداخلية والخارجية، وهذا الطريق يستنزف طاقة النظام ومقدرات الشعوب، والجميع عرضة للظلم بسبب سوء السياسات والممارسات.

 

  • ثالثًا، الطريق الذي يهمله كل الحكام، وهو طريق الشعب، وهو الطريق الثالث، الذي لم يَسِر فيه أي حاكم عربي لانشغاله بالطريقين، الأول والثاني. ولا أدل على ذلك مما وصل إليه العالم ووصلنا إليه، رغم أننا نمتلك ما لايمتلكون. إن الأنظمة المتعاقبة أعدمت شعوبها، حتى وإن نبضت فيها أنفاس الحياة، والإعدام أنواع.

 

ومن هنا حملت الشعوب العربية عداءً وكراهيةً للأنظمة المتعاقبة وكل أجهزة الدولة، إنها الحالة التي أوصلت الشعوب إلى مرحلة التوحش في فقدان الثقة بحكامهم. لقد صار الحكام والشعوب كالزيت والماء لا يمتزجان، فما تتوق إليه الشعوب يتعارض مع ما يتوق إليه الحكام، وما تفكر فيه الشعوب عكس ما يفكر فيه الحكام.

 

  • عقود طويلة مرت على الأمة العربية الإسلامية، وما زالت تعيش في هذه الحالة البائسة، فحاكم مستبد مستسلم يتسلم المفتاح من حاكم مستبد مستسلم، وجيل يسلم راية الانبطاح والهزيمة والكراهية والضجر لجيل جديد، والعالم يتغير من حولنا تغيرات مذهلة مدهشة في كل المجالات والمناحي، من خلال السير في الطريق الذي أهمله المسلمون والعرب، وعلى رأسهم المصريون، وسوف أوضح ذلك في مقالات قادمة.

 

  • وأختم بهذه الأسئلة: هل يستطيع السيسي وكل رؤساء الجمهوريات العربية أن يفعلوا ما فعل بوتين؟ لا أقصد أن يفعلوا ما يجعل بلادهم قوية، لا، فهذه أمور ربما لا تشغلهم، وما أقصده هو أن يترك رئيس الجمهورية منصبه طواعية (وباتفاق مسبق)، فيتراجع خطوة ليتولى منصب رئيس الوزراء، ثم يسعى للعودة مرة أخرى إلى منصب رئاسة الدولة. هل يأمن أحد منهم أن يتخلى عن المنصب لأيام، وهو على وعد بالعودة؟ وهذا السؤال أيضًا للملوك والأمراء والسلاطين العرب، فإن القصور لا تخلو من الصراعات السياسية، لذلك فهم أيضًا ممن يسيرون في الركب.

 

  • هل في الحكام العرب، بوتين ومدفيديف، رغم الفارق الرهيب في العقيدة؟

 

حتمًا هناك مقدمات كثيرة قد أوصلتنا إلى هذه الحالة المتردية، وهي ما سوف أتعرض له في هذه السلسلة، إعدام الشرق والطريق الثالث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

بوتين
عرض التعليقات
s