قبل عام من الآن رحب النائب «محمد دحلان» برد محكمة جرائم الفساد قضية مرفوعة ضده؛ كونه عضوًا في المجلس التشريعي ويتمتع بحصانه برلمانية، لكن اليوم محكمة جرائم الفساد تحكم بسجنه ثلاث سنوات، وإعادة مبلغ 16 مليون دولار أمريكي من أمواله إلى خزينة السلطة الفلسطينية، على ما يبدو أن عامًا كان كافيًا لخلق حالة قانونية جديدة، جدار قانوني يحمي ويحصن قرارات الرئيس الفلسطيني «محمود عباس» الذي يحيط نفسه بفريق يجيد اللعب على وتر القانون، كانت البداية بتشكيل المحكمة الدستورية، في ظل حالة التشتت والانقسام، ومن ثم رفع الحصانة عن النائب دحلان، والعطن في قضية الحصانة كفل للمحكمة اعترافًا ضمنيًا بتشكيلها، بذلك يكون الرئيس قد كسب أولًا اعتراف المحكمة من المعارضين، وكسب سابقة قضائية، وحصن قرارته بحق أي معارض ضده، ما يفسر استخدامه للمؤسسات الرسمية لضرب خصومه المعارضين.

الخلاف بين دحلان والرئيس  لم يعدو خلافًا شخصيًا، حتى أخذ منحنى آخر؛ تحول لخلاف ذي صبغة حزبية، وتهم بالفساد، واختلاس أموال السلطة، وأنه مشارك في قتل الرئيس الراحل «عرفات» وقتل «صلاح شحادة» مؤسس كتائب القسام، وحسب استطلاع رأي أجراه مركز البحوث والدراسات السياسية الفلسطيني الأسبوع المنصرم، فإن نسبة الاعتقاد بوجود فساد في مؤسسات السلطة الفلسطينية تبلغ 76%. جاءت هذه الإحصائية في وقت كان فيه دحلان غائبًا عن المؤسسة الرسمية، الرجل بادر بشتى الوسائل، وكان الرد من قبل الرئيس، باستخدام الطرق الخبيثة؛ للزج به خارج الساحة السياسية الفلسطينية، وقتل طموحه السياسي. حدث هذا في مؤتمر فتح السابع أو كما سماه البعض: الإقصاء وقطع طريق عودة دحلان لأحضان حركة فتح، بعدما جاء الأخير بمبادرة رحبت بها الدول العربية؛ لإنهاء حالة الخلاف والانقسام الفلسطيني، لكن الرئيس لوح بورقة استقلال القرار الفلسطيني، وبفعل النكاية عقد مؤتمر الإقصاء.

وحسب مركز الدراسات المسحية فإن ثلثي الجمهور الفلسطيني يعتقدون أن حل الدولتين الذي يراهن عليه الرئيس الفلسطيني قد انتهى، وأغلبية الجمهور لا يثق في قدرة قيادة فتح الجديدة على تحقيق الأهداف المرجوة منها، وحوالي الثلثين يطالبون باستقالة الرئيس «عباس» أيضًا. أغلبية الجمهور الفلسطيني لا يعتبر أن مؤتمر فتح السابع إنجازًا بالشكل الذي تم الحديث عنه.

الرئيس الفلسطيني منهمك في حربه ضد صديق الأمس وعدو اليوم، ولا يفوت أي فرصة للانتقام منه، حتى ولو كان على حسب هيبة الحركة أو سمعة النظام السياسي، فهو لا ينظر لنفسه في مرآة الشعب؛ ليرى أو يسمع، لكنه يمارس الديكتاتورية السياسية منفردًا بالقرارات، والخصم التقليدي السابق يشعر بالانتعاش الآن؛ بسبب التناقضات الداخلية، لكن لو تحدثنا بحديث العموم (الشارع) بعيدًا عن النخبة السياسية، وسألنا سؤالًا: منذ متى استلم الرئيس الفلسطيني دوره كرئيس؟ الجواب بعد أحداث الانقسام، عندما تخلص من عبء غزة و«حماس»، ومنذ متى مارس الرئيس مهماته كرئيس فتح والمنظمة؟ عندما تخلص من دحلان.

المشكلة تعالج بمشكلة أخرى، ومأزق سياسي ذي طابع قانوني، استخدام المؤسسات القضائية للتخلص من الخصوم، وكأنها بالمعنى البلدي (مزرعة للوالد) ليس لأحد حق فيها، الآن أيًا كانت تهم دحلان، وأيًا كانت تهم الرئيس عباس، لا تؤخذ على محمل الجد، حتى ولو كان الأمر صحيحًا وواضحًا سيعتبره البعض نكاية سياسية فقط، جاء ذلك لقلة الثقة بين المؤسسات الرسمية، وتفرد الرئيس بالسلطة، والفجوة بينه وبين الشعب طيلة عشر سنوات.

إذا حكم على دحلان الآن، فلماذا لا يتجرأ أحد برفع دعوى ضد الرئيس، والنظر في أهليته، وتنظر الدستورية بالقضية، وتعتبرها سابقة أيضًا كغيرها، القانون الفلسطيني لا يسمح لغير الأعضاء برفع الحصانة عن أي نائب، والرئيس فعلها في ظل الجسم الحصين لقرارته، لكن ما السر وراء دحلان؟ وهل اتفاقية الإنتربول حقيقة في جوهرها أم هي لملاحقة دحلان؟ هل انتهت كل القضايا، ولم يبقى سوى دحلان؟ حررت القدس ونجحت المفاوضات وانتهى الانقسام ولم يبق سوى دحلان، على ما يبدو إنه إفلاس سياسي حقيقي، بعد فشل المفاوضات، وفي ظل عدم وجود أي بصيص أمل لإعادة إحياء عملية السلام وتفشي الاستيطان، كل ذلك دفع الرئيس إلى توجيه الأنظار نحو دحلان؛ تصديرًا للأزمة للخصم الدحلاني.

إحصاءات الأسبوع المنصرم للربع الأخير لعام 2016

60 % من الجمهور الفلسطيني  يرفضون، و30% يوافقون على قرار المحكمة الدستورية، التي تم تعيينها مؤخرًا، والذي يُعطي الرئيس عباس الحق في سحب حصانة أعضاء المجلس التشريعي. ترتفع نسبة رفض القرار في قطاع غزة إلى 64% وتهبط في الضفة الغربية إلى 57%..

تعقيبًا على إقالة الرئيس عباس لرئيس مجلس القضاء الأعلى، تقول نسبة من 57%: إنه لا يجوز للرئيس عباس إقالة رئيس مجلس القضاء الأعلى، وتقول نسبة 31% فقط: إنه يحق للرئيس عباس القيام بذلك. ترتفع نسبة رفض قيام الرئيس عباس بإقالة رئيس مجلس القضاء الأعلى إلى 65% في قطاع غزة وتهبط إلى 52% في الضفة الغربية. هذا إن دل فيدل على استخدام السلطة المفرطة ضد الخصوم المعارضين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دحلان
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد