إنها أكثر الجمل استعمالًا في قاموس السياسة العربية، تهتف الجماهير يحياة الزعيم عاش عاش في وضح النهار، وتتهامس بفرح شديد أخبار انقراضه في الليل: هل مات الرئيس؟ مات الرئيس! لا أعرف كيف يمكننا توصيف سيكولوجيا هذه الشعوب ولكنها على الأرجح شعوب تحاول الخلاص في الحالين، عندما جاء بوتفليقة رئيسًا للبلاد كان الجزائريون كأيتام صغار يقدمون قرابين تمامًا كخراف بني إسرائيل الضالة، هتف الصغار والكبار لمجيء هذا المخلص وحفظوا خطاباته العاطفية وقالوا: عاش الرئيس، عاش الرئيس، وقال لهم الرئيس (خلاص زمن الدموع والبكاء) و(لي فات مات) وأن الجزائر تولد من جديد، فصدق الأبناء أباهم الجديد وذهبوا للنوم باكرًا، الجزائريون لم يحبوه قط ولكنهم كانوا يريدون الخلاص من سنوات خداعات، سنوات مرت كأنهن قرون عجاف داميات، سنوات لا يعلم نيرانها إلا الله.

الجزائريون يعرفون جيدًا عبد القادر المالي الذي رابط طويلًا في الحدود الجزائرية المالية وقاده طموحه ومغامرته إلى قيادة الجيش وبعد ذلك وزيرًا للخارجية تذعن له جميع النخب والدول إذا تكلم، ولكننا إذا ما تطرقنا إلى مسيرته السياسية فسنجد أنه العقل المدبر للانقلاب على بن بلة وعلى الدولة المدنية ولهذا كان معروفًا منذ توليه للرئاسة أننا بصدد صناعة صنم جديد، كان الجزائريون يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ويعرفون قضايا اختلاسه للمال العام التي اتهم بها ما بين 1965 و1978 والتي وصلت الى حوالي 6 مليارات ولكن رغم ذلك هتفوا له وصفقوا لخطاباته لأنهم أرادوا العودة مرة أخرى الى الحياة، فكانو يقولون في أنفسهم بوتفليقة ولا الحريقة ويرددون ذلك على مسامع أبنائهم: نرضى بالسراب المهم أن لا نعود للعفن والجراد والخراب، هتفوا مره أخرى يعيش الرئيس ويعيش الشعب تحت جناحه وبين أضلاعه.

اليوم وقد مرت عشرون سنة كاملة على تلك المكيدة التي ابتسم فيها الشعب باكيًا وذارفًا دموع الهزيمة، وكبر الفتيان الذي لم يعرفوا من بوتفليقة إلا قضايا الفساد المالي من بنك الخليفة إلى الطريق السيار ووصولًا إلى الفساد الأعظم اختلاسات سونطراك، ورغم ذلك لم يهتم الفتيان الذين كبروا وراحو يبحثون عن الهوية في الأرض والذات عبر البحر لم يكن الوطن يعني لهم شيئًا، كل الأحلام تنام فوق البوطي والشالوتي وتستيقظ صباحًا في أوروبا أو لا تستيقظ أبدًا، في العشرين السنة الماضية مات طغاة وجبابرة كثيرون ولكن بوتفليقة كان تحت رعاية المرض، حماه من كل العواقب والمآلات ومهد له الطريق ليعدل الدستور ويغتصب الإرادة الشعبية، كل ذلك وهو الذي يعاني من كل الأمراض والأعراض، هي عبقرية الرجل، يعجز عن تحريك سبابته ولكنه يحرك وطنًا كاملًا بعقله وحكمته أو هكذا يصفه خليله ولد عباس.

الآن جاءت اللحظة التي لم يعد ممكنا للمرض أن يناور وللرئيس أن يحاور، يجب أن تطوى الجراح وتندمل الذاكرة  ويتجاوز الجزائريون محنة السنوات العشر الحارقة التي صنعت بوتفليقة وجعلته رئيسًا لأربع عهدات خاوية ومنحته القدرة على التشكل في كل عهدة من جديد، فكلما عانده الجزائريون وعابوه قال لهم بعينيه: جئتكم ذات ليلة والسكاكين لا تخجل ولا تنام، جئتكم وأنتم صيام بالنهار وبالليل فواجع قيام، جئتكم والأب يخاف من نفسه على نفسه وعلى أبنائه، أما الآن فقد آن لهذا الشعب أن يتخلص من هذا القيء ويهتف بكل قوة: يموت الرئيس، يحيا الشعب، تحيا الجزائر والخلود للشهداء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد