أمراء المؤمنين المتحكمين بالمؤمنين

في التراث الشيعي هنالك حديث جميل لطيف عن النبي مُحمّد أو عن الإمام الصّادق، قرأته قبل عِدّة أعوام، فلا أتذكر نصّهُ، لكن مضمون الحديث يقول: إنّ لقب (أمير المؤمنين) هو لقب خاص بالإمام علي فقط، ولا يقوله بعده إلّا من هو منكوح! إن صحّ الحديث أو لا، والواضح أنّه من أقاويل الشيعة لتسقيط خصومهم، لكنني أحسب المساكين الذين لقبّوا بلقب أمير المؤمنين بعد علي بن أبي طالب وفقًا لهذا الحديث، أي: صاحبنا هارون الرشيد، ويزيد، ومعاوية الأمويان ومن لفّ لفهم. ناهيك عن المسكين ملك المغرب الحالي.

كان أمير المؤمنين هارون الرشيد يُعضِّد دولته من خلال نسبة أحاديث للنبي، ولكي يزيد من حِدّة الصراع العلوي العبّاسي. مثلًا حديث النبي محمّد هذا كما ينقله أحمد أمين في كتاب هارون الرشيد. وما مضمونه أن النبي أخذ بيد العبّاس وعلي مرّة فقال يظهر من ظهر هذا رجل يملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما ملئت ظلمًا وجورًا، ويظهر من ظهر هذا رجل يملأ الأرض ظلمًا وجورًا.

وكان كُلً من العلويين والعباسيين يدّعون أن الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا هو من ظهر جدّهم. وهذا هو عمل الحكّام الذين من طراز هارون الرشيد، يعضّدون دولهم من خلال بث التدين وإثارة نزعات التأريخ وما يرتبط بذلك من نزاعات.

وحتى أننا نلاحظ سويةً سياسات الولايات المتحدة في بسط سيطرتها على دولة ما، حيث تقوم ببث العنف الديني أو الأيدلوجي مقابل أموال باهظه لزعماء المجتمع الدينيين. وهذا الذي حدث في العراق وأفغانستان مثلًا.

قال لي أحد الأصدقاء حينما كُنَا نتناقش سوية حول الدولة العلمانية، وكان من أهل السُنّة في سوريا، حيث أورد لي كلامًا إنشائيًا، قائلًا: إن الإسلام دين السلام، دين أوجد دولًا عظيمة، كانت تفتح عصور وتغلق عصور، وفي كل زمان ومكان تجد العدل فائض منها، فهي أمارة للمؤمنين عادلة وفق مبدأ الشورى، ولم تكن قصروية أو كسروية استنادًا إلى حديثٍ عن سيدنا عمر رضي الله عنه، حينما وجد الرسول يفترش حصيرة فبكى فقال النبي: إنها النبوة.. من بعد الآن لا كسروية، ولا قصروية!

والواضح أن أمارة المؤمنين تلك شبيهة بالكسروية أو القصروية، عكس ما يظنّ صاحبنا. فهي وراثة. ولم تحدث الشورى إلّا مرتين أو ثلاث أو أربع. أما الدول التي تعاقبت النبي محمد، كانت دول توسعية تحت لحاف الدين مقتديةً ببيزنطة مثلًا.

كان أمراء المؤمنين رضي الله عنهم يزجّون النّاس في الحروب، وكان أمير المؤمنين صاحب الجلالة والمقام يفتح بلادًا ويفرض الجزية على أهل الذمّة والكفّار ليتخم بطنه، هذه الحقيقة. وهذا ما جعل الانتقادات تطال الدين الإسلامي على أرض الواقع، وانتشار ظاهرة الإلحاد والزندقة في معظم الحواضر والمدن الإسلامية. فأهل الذمّة يدفعون أموالًا لأمير المؤمنين مقابل الإبقاء على حياتهم، وإلّا طارت رقابهم لأنهم كفّار والعياذ بالله!

إن أمير المؤمنين فعلًا هو الذي كان يقتدي بالنبيّ محمّد في مجالات مختلفة، كعمر بن الخطاب وابن عبد العزيز وعلي بن أبي طالب، ومن لف لفّ هؤلاء الأمراء العظام. يذكر أنّه كان في عهد خلافة أمير المؤمنين علي رجل تمّار اسمه ميثم، وكان ميثم هذا حينما يغيب عن عمله يجلس علي بن أبي طالب مكانه ليبيع التمر.

وهذا مثال تقرّب المسؤول من شعبه. وحدث لعمر بن الخطّاب ابنٌ شرب الخمر فجلده حتى مات. وهذا مثال شبيه بالمثال الذي ذكرته عن علي، فوضّح عمر للشعب أن ابنه شرب الخمر فجلده، وهذا القانون يسير على الجميع.

إنّ حُكّام اليوم، يتظاهرون أنهم مثل عمر أو علي، لكنهم في واقعهم هارون الرشيد ويزيد. فضاع زمن الأمراء العظام العادلين أمثال عمر بن الخطّاب وعلي بن أبي طالب.

ولا أظن أن الزمان سيجد رجلًا مثل علي أو غيره. فالتأريخ يعيد نفسه إلّا في هذا الشأن. فيبقى أمير المؤمنين يسرق بالمؤمنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات