قرأتُ في أخبار المساء عن القرارات الرئاسية التي قام بها رئيس الجمهورية التونسية، قيس سعيد مساء يوم الأحد؛ وطربتُ كثيرًا لهذه السياسة الحاسمة. وتضمنتِ القرارات عزل رئيس الحكومة، هاشم المشيشي، وتجميد البرلمان؛ لمدة ثلاثين يومًا مع رفع الحصانة عن النواب بمجلس الشعب.

وعدتُ إلى الدستور التونسي الصادر عام 2014، والمصدق عليه من قِبل المجلس الوطني التأسيسي؛ فوجدت قراراته مستندة إلى الفصل (80). ونص المادة يُثبت بأن: «لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن، وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويُعلِنُ عن التدابير في بيان إلى الشعب».

وقيس سعيد طبق هذه البنود واستشار رئيس مجلس نواب الشعب، راشد الغنوشي، ثم أصدر بيانًا بهذه الإجراءات إلى الشعب التونسي. خوفًا على تونس الخضراء من تلك المخاطر التي قد تداهمها من جهات مختلفة مثل حكومة هاشم المشيشي المصابة بالخفقان واللامبالاة. ولعل الخطر قادمٌ من زعيم النهضة الذي سعى لبناء دولة عميقة؛ داخل المؤسسات التونسية بعدما توغل حزبه في العشر سنوات الأخيرة. ولم يعد مرغوبًا فيه هو وحزبه من قِبل الشعب التونسي، الذي فقد ثقته بالأحزاب السياسية واختار نهجًا سياسيًّا يُعدُّ بديلًا عن الأحزاب.

نعود إلى تحليل الأحداث مرةً ثانية، بعد القرارات الرئاسية التي بثها التلفزيون الرسمي التونسي. اختفى رئيس الحكومة المشيشي عن المشهد السياسي، بينما علَّق راشد الغنوشي:«هذا انقلاب والشعب سيحمي الثورة والدستور».

وبدأ الغنوشي الاعتصام أمام مقر مجلس النواب في ساعة متأخرة من الليل، ولم يستطع الدخول بسبب تواجد القوات الأمنية أمام المبنى ليلًا. وفي صباح يوم الإثنين نزل الجيش التونسي بأرض البرلمان فلم يستطع الغنوشي الدخول بسبب القرارات الرئاسية وإملاءات المادة 80، يبدو أن رئيس مجلس نواب الشعب لم يدرس هذه المادة بشكل جيد، فتجميد البرلمان لثلاثين يومًا يُفهم منه بأن البرلمان «ويعد مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة».

إذن كان الاعتصام أمام البرلمان مجرد استعراض سياسي للجماهير، فالمادة الموجودة في الباب الثالث من الدستور التونسي؛ السلطة التشريعية تؤكد بأن مقر البرلمان تونس «وله في الظروف الاستثنائية أن يعقد جلساته بأي مكان آخر من تراب الجمهورية». هذا منصوص عليه في الفصل 51.

إقالة رئيس الحكومة قرار صائب نظرًا للإخفاق الواضح في ما يتعلق بالملف الصحي التونسي، وضحايا الوباء، وارتفاع أعداد المصابين والوفيات.

بالإضافة إلى إخفاق وزير الصحة التونسي ببرامج اللقاح، وعمليات التلقيح التي لم تكن بطريقة سليمة، بل جرت بشكل عشوائي؛ بعدما بدأت في أول يوم من أيام عيد الأضحى المبارك.

كل هذا زاد من غضب الشعب. بالإضافة لعدم إقرار رئيس الحكومة بهذه الإجراءات الخطأ التي اتخذها وزير الصحة المعزول. لقد أدت هذه العوامل لإقالة رئيس الحكومة (هاشم المشيشي) بقرارٍ رئاسي أصدره (قيس سعيد) مساء يوم الأحد.

وتجميد البرلمان تضمن بعض الرسائل الموجهة إلى أعضاء نواب مجلس الشعب وإشعارهم، بالصلاحيات الرئاسية التي يخولها الدستور للرئيس، الذي استطاع بقرارٍ واحد إقالة رئيس الحكومة، وتجميد البرلمان؛ ومنع رئيس مجلس نواب الشعب وموظفيه من دخول المبنى.

ورئيس مجلس نواب الشعب، راشد الغنوشي، لم يعد مرغوبًا به من الشعب التونسي الذي اختبر سياساته خلال السنوات العشر الماضية بعد الثورة ولم تنهض تونس.

فهو وحزبه لم يعد مرحبًا بهما من  المعارضة؛ لذا التخلص منه ضرورة دستورية وسياسية، ولعله سيلعب بالورقة الشعبية فيما بعد ولكن تواجد القيادة العسكرية بجانب قيس سعيد، ربما يقلبان المسألة.

هذه القرارات لم تُعجب أنصار حزب النهضة، كما أن الوقفات الاحتجاجية لم تنل إعجاب أنصار قيس سعيد؛ ليحتدم الصراع بينهم أمام مقر مجلس النواب غداة يوم الإثنين بالعاصمة تونس.

وهذا مشهد يعكس قوة الأيديولوجية الحزبية التي تجعل المواطنين يكونون مخلصين للزعامات السياسية أكثر من إخلاصهم للوطن الذي يفرض حبه الدستور، وفيه تسمو مبادئ المواطنة.

وإلا كيف نُفسر رشقات الحجارة بين المواطنين التونسيين المنقسمين بسبب قرارات سياسية؟!

سؤال نحيله إلى المختصين والمراقبين للشأن السياسي، والمحللين السياسيين. وفيما يخص الشأن الدولي علق الاتحاد الأوروبي بأنهم يتمنون الاستقرار لتونس.

كما امتنعت المتحدثة باسم الخارجية الألمانية بوصف هذه القرارت بالانقلاب، والموقف نفسه صرحت به أنقرة التي ترفض الاعتداء على المسار الديمقراطي بدولة تونس الصديقة والشقيقة.

وبلمسات سحرية تمكن الرئيس قيس سعيد، من إقالة رئيس الحكومة ووزيري الداخلية والعدل، وتجميد البرلمان لمدة ثلاثين يومًا، ثم إعلان فرض حظر التجول لمدة شهر.

إنها سياسة جريئة فرضها الواقع السياسي التونسي، وهي صلاحيات دستورية استخدمها أستاذ القانون الدستوري ليتخلص من أعباء الحكومة.

بِطُرقٍ سياسية ذكية مطابقة للدستور أصبحت السلطة التنفيذية، والتشريعية، والقضائية في ثوانٍ في قبضة يديه، كما أتاح فرصةً ذهبية للجيش من أجل الانضمام في هذه اللعبة الجديدة.

هل ستتضرر مؤسسات الدولة التونسية بسحر الديمقراطية؟ التي ناضل من أجلها الشعب بثورة الياسمين؟ بعدما أسقطوا بشجاعة نظام زين العابدين وتمكنوا من صياغة دستور 2014؟

ربما تتوفر عندي الإجابة في الأيام القادمة. وقبل أن ألقي القلم من يدي اعترف بأن: التونسيين هم حقًا صُنَّاع «ثورات الربيع العربي».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد