لا ينفك رئيس جمهورية مصر يتحدث عن تثبيت أركان الدولة المصرية، باعتباره مهمة مقدسة لا مجال للتهاون فيها أو الحياد عنها. كررها الرئيس أكثر من مرة في أكثر من مناسبة قاصدًا لفت الانتباه إلى حالة التحلل المؤسسي التي أصابت جل مرافق الدولة في مصر، على مدار أكثر من نصف قرن. ما يقوله السيد عبد الفتاح السيسي يعد بحق بادرة طيبة فيما يتعلق بمصارحة الرأي العام عن حقيقة الوضع الداخلي في الدولة، وما يواجهها من تحديات بنيوية. إلي هنا لا يبدو هناك خلاف فيما يتعلق بتشخيص الداء وتحديد أبعاده. الأزمة الحقيقية تكمن في فهم الرئيس السيسي لحل معضلة التحلل المؤسسي في مصر من خلال مفهوم «التلصيم» لا إعادة الهيكلة، التي عادة ما يتفادها كل من جاء لسدة الحكم في مصر منذ ثورة يناير 2011 وحتى الآن. فإعادة الهيكلة، فضلاً عن كونها المخرج الوحيد للازمة المستفحلة في مصر منذ عقود، لن تتم إلا بتضحيات جمة وضغوط صعبة ستمارس على مؤسسات الدولة. الأمر في أحسن الأحوال لن يكون سوى إعادة بناء المؤسسات بالكامل لانتشالها من حالة التفكك والتراجع والهشاشة، التي كثيرًا ما نبه الرئيس السيسي نفسه إلى أنها من الممكن أن تؤدي لانهيار الدولة نفسها إذا ما لم يتم التعامل معها. معضلات إعادة الهيكلة لا تكمن فقط في تضخم الجهاز البيروقراطي، وارتفاع مستويات الفساد الإداري لدرجات مهولة. بل في إدارة مؤسسات الدولة ذاتها لضرورة إعادة الهيكلة، باعتبارها منجيًا لها من السقوط في دوامة التفكك والانهيار.

على الرغم مما يبدو عليه المصطلح من طابع تكنوقراطي، إلا أن إعادة الهيكلة لا يمكن تصنيفها علي أنها أمر فني يترك لمتخصصي الإدارة في الأجهزة الحكومية وهيئات التخطيط والحكم المحلي. ففي حالة مستعصية على الحل، مثل تلك التي في مصر يصبح الأمر سياسيًا في المقام الأول، ولا يتصور تركه في أيدي مسئولي الحكومة وحدهم من التكنوقراط. الأمر يحتاج إلى حكومة سياسية أكثر منها وزارة مهندسين وتكنوقراط لا يملكون سلطة صناعة السياسات العامة. إعادة الهيكلة في مصر تواجهها مجموعة من التحديات، أهمها هو إدراك رئيس الجمهورية أن الأمر يحتاج إلى تدخلات جراحية تستأصل أورامًا تفاقمت داخل جهاز الإدارة المصري، وتسليك شرايين البيروقراطية الحكومية كادت تسد من فرط الترهل والضيق. الأمر ليس تلصيمًا لكيانات تعفنت، ولا تثبيتًا لأركان تحللت، ولا حفاظًا على أجهزة شاخت وانحدر أداؤها إلى أسفل سافلين.

التحدي الثاني هو إقناع أفراد المؤسسات بضرورة إعادة الهيكلة وحتميتها باعتبارها أمرًا لا مفر منه، إذا أردنا بحق تجنب مصير ليبيا واليمن والصومال. انهيار الدول لم يعد خيالاً سياسيًا ولا رؤى أكاديمية تدرس على سبيل الفرض والتخيل، بل واقعًا حقيقيًا موجودًا لا مفر من مواجهته ومعرفة أسبابه بدلاً من التهرب منه هو واستحقاقاته. فلا إصلاح للمؤسسات بدون تعاون أفرادها، ولن يتعاون الأفراد إلا إذا اقتنعوا بجدوى الأمر وضرورته لهم هم قبل أي شيء آخر.

التحدي الثالث هو انتهاج سياسة المواءمات، وهي تلك التي يبدو أن الرئيس السيسي كان يقصدها حين أشار إلى ضرورة تجنب الصدام مع مؤسسات الدولة. إعادة الهيكلة تتطلب بالتعريف تغييرات جذرية في اللوائح والقوانين وأساليب العمل والهياكل التنظيمية. الصعوبة تكمن في القيام بكل هذا دون إحداث هزات عنيفة في جسد المؤسسات، تنحرف بها عن المسار المرسوم، أو تستعدي قياداتها ضد إجراءات الإصلاح، إذا ما مست مصالحهم المترسخة منذ عقود، أو أنماط الفساد المستشرية كبدائل مجتمعية لتعقد المسار الرسمي والقانوني.

وأخيرًا يكمن التحدي الرابع في تهيئة الرأي العام لإجراءات إعادة الهيكلة، من خلال فتح حوار مجتمعي مع قوي المعارضة ومنظمات المجتمع المدني، بدلاً من غلق المجال العام وإجراءات تأميم السياسة التي لم تتوقف منذ وصول السيد عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم في مصر في 8 يونيو من العام 2014. فتحديات إعادة الهيكلة في مصر لن تستطيع أي حكومة التكفل بها وحدها، ناهيك إذا كانت حكومة من التكنوقراط عديمي الخبرة السياسية أو الحزبية. في ظرف حرج مثل هذا يصبح الخيار الأمثل هو مد جسور التواصل مع المجتمع المدني؛ ليتحمل جزءًا من مسئولياته في هذا الصدد. فلا النظام السياسي وحده، حتى وإن اعتمد بشكل شبه كلي على دعم الجيش، قادر على الإتيان بإعادة الهيكلة بمفرده، ولا قبل له بهذا بحكم التكوين. فالمؤسسة العسكرية ليس من دورها، أو طبيعة تأهيلها الاضطلاع بمهام الرقابة والمحاسبة والحوكمة وتدعيم اللامركزية في الإدارة، ولا قادتها يتحلون بالقدرة على المواءمة، ولا التعامل مع مشكلات المدنيين من مختلف الإدارات الحكومية.

أن تعرف الداء فقط، لا يكفي لعلاجه، وصحة التشخيص لا تنبئ بالضرورة عن الشفاء. إن الاعتقاد بأن تثبيت الوضع الإداري والمؤسسي للدولة المصرية على حاله كما هو الآن، بحجة الحفاظ على تماسكها وسط محيط إقليمي مضطرب، وتجنب الصدام معها، لن يؤدي على المدى المتوسط سوى إلى مزيد من تردي الأداء وتدهور الأوضاع، مهما بدت القبضة الأمنية قوية ومتماسكة، ومهما ظن النظام أنه ما زال ممسكًا بمقاليد الأمور في البلاد. أعيدوا الهيكلة سريعًا يرحمنا ويرحمكم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد