يومًا بعد يوم تزاد مطالبات شرائح كبيرة من الشعب الفلسطيني وقياداته وهيئاته ونوابه، لرئيس السلطة محمود عباس بالرحيل الفوري عن كرسي السلطة الذي ما زال يسيطر عليه بالقوة ويتمسك به رغم انتهاء ولايته القانونية منذ أكثر من أربع سنوات وبلوغه سن الـ84 عامًا، لم تتوقف الدعوات له بضرورة ترك منصبه فورًا والإعلان عن ضرورة إجراء انتخابات فلسطينية شاملة وعامة.

تمسك الرئيس محمود عباس بمنصبه كرئيس للسلطة الفلسطينية في ظل الرفض الشعبي من استمراراه في هذا المنصب، يعكس حالة من الاستغراب الشديد لدى أوساط كثيرين ويثير تساؤلات حول تمسكه بهذا المنصب رغم انتهاء ولايته وكبر سنه.

«إذا طُلب مني ترك منصبي سأتركه خلال دقيقة» كلمات أدلها بها السيد الرئيس قبل يومين خلال مقابلة تلفزيونية بثت على القنوات الفضائية بالصوت والصورة، وأعتقد أنها لن تتعدى الاستديو الذي جلس فيه، إلا أنه لم يمر سوى 24 ساعة على تصريحه حتى خرجت النائب نجاة أبو بكرة عن كتلة فتح في المجلس التشريعي خلال مقابلة أجرتها معها صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تطالبه بضرورة ترك منصبه كرئيس للسلطة بهدوء والدعوة لانتخابات رئاسية وتشريعية.

ولم تقتصر المطالبات على النائب أبو بكر حديثـًا فقد سبقها كثير من المطالبات، فبتاريخ  8/12/2012 طالب النائب في المجلس التشريعي إسماعيل الأشقر الرئيس محمود عباس بالرحيل فورًا عن قيادة السلطة، بعدما أصبح يشكل فتنة بين أبناء الشعب الفلسطيني.

27 مايو 2014 أرسل عميد الأسرى الفلسطينيين كريم يوسف فضل يونس «57 عامًا» من قرية عاره في المثلث الشمالي داخل الأراضي المحتلة عام 48، رسالة إلى رئيس السلطة محمود عباس طالبه فيها بالرحيل وكان عنوانها «ارحل كفاك عبثـًا».

٢٣ حزيران ٢٠١٤، الكاتب الفلسطيني الدكتور سيف دعنا، أستاذ علم الاجتماع والدراسات الدولية، جامعة ويسكونسن، طالب الرئيس محمود عباس بالرحيل، من خلال مقال نشر له بعنوان «محمود عباس.. ارحل» وقال له: «ارحل وخذ منسقيك الأمنيين وميليشياتك ومفاوضيك الكبير منهم والصغير، ارحل».

19،سبتمبر2015 شهدت مدينة بيت لحم مسيرات جماهيرية حاشدة، طالبت الرئيس محمود عباس بالرحيل فورًا، وذلك بعد يوم من اعتداءات الأجهزة الأمنية في مدينة بيت لحم على المشاركين في مسيرات نصرة المسجد الأقصى، وهتف المتظاهرون في المسيرة العفوية وهي مصورة بالفيديو: «يلا ارحل يا عباس»، «يسقط يسقط حكم العسكر»، : «يا عباس يا عميل الأمريكان».

21 سبتمبر 2015 ،خرجت مجموعات شبابية فلسطينية تمثل شريحة الشباب في المجتمع الإسرائيلي طالبوا برحيل عباس فورًا عن كرسي السلطة، وذلك ضمن حملة شبابية نظمها مجموعة من طلبة الجامعات على مفترق الأزهر بغزة، حملت اسم «ارحل يا عباس».

وقال المنظمون والقائمون على الحملة، أن هذه الحملة تأتي بعد تعرض المسجد الأقصى المبارك للاعتداءات المتكررة أمام صمت الرئيس عباس، وإهماله لقطاع غزة.

سيادة الرئيس، برنامجك الانتخابي الذي أعلنته جاء تحت أربعة عشر عنوانًا وللأسف لم تعمل بواحدة منها:-

– أولها التمسك بالثوابت الوطنية، وقد فرطّت بها منذ اللحظة الأولى التي تقلدت بها رئاسة السلطة، وتتباهي بالتنسيق الأمني الذي وصفته بالمقدس مع الاحتلال الإسرائيلي.

– تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية وتفعيل مؤسسات منظمة التحرير، وكنت سببًا رئيسيًا يوم أن تنكرت لنتائج الانتخابات التي فازت فيها حركة حماس عام 2006 بأغلبية ولم تسلم السلطة، وكنت عنوانًا لمرحلة انقسام بغيض ما زلت ترفض إنهاءه ودفع استحقاقاته، كما ترفض عقد الإطار القيادي لمنظمة التحرير ليضم الكل الفلسطيني وتصر على الاستفراد بكل شيء.

– وقف العدوان الإسرائيلي بكافة أشكاله، وأنت من وقفت متفرجًا صامتًا في محطات كثيرة أمام الجرائم التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والقدس، بل تهاجم وتلاحق وتعتقل كل من يقاوم الاحتلال، ويتبنى برنامج المقاومة.

– التمسك بخيار السلام، عن أي سلام تتحدث وأنت تفاوض منذ 20 عامًا بكبير المفاوضين وكانت النتيجة صفر كبير، هو ما حصدته من خيار السلام.

-العلاقات القومية والدولية، واستنهاض طاقات الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، فعلى صعيد العلاقات القومية والدولية، فلم تترك سفريةً خارجية إلا وقمت بها، في حين شعبك محاصر في غزة يعاني الأمرين، لكن «البريستيج» فوق كل شيء، أما شعبك واستنهاض طاقاته، فشعبك في غزة يموت وقد همشته بفتحه وحماسه وجهاده وشعبيته وبكل الأشكال والوسائل وبشكل متعمد، وشبابه يواجه مصيرًا مجهولاً للأسف.

– الدفاع عن القدس الشريف، أي دفاع تتحدث عنه وأنت أحبطت بأجهزتك الأمنية أكثر من 200 عملية مقاومة ضد قوات الاحتلال والمستوطنين الذي يدنسون القدس والمسجد الأقصى صباح مساء.

– حرية الأسرى والمعتقلين، عن أية حرية تتحدث وأنت تتوسل قادة الاحتلال بالإفراج عن أعداد بسيطة من الأسرى ذوي المحكوميات البسيطة، وتهاجم سياسة المقاومة صباح مساء في إبرام صفقات تحرير الأسرى ذوي المحكوميات العالية، وصفقة وفاء الأحرار التي أبرمتها حركة حماس مع إسرائيل ليست عنا ببعيد.

– بناء دولة القانون والمساواة، عن أية دولة تتحدث وأنت لا تتعدى سوى رئيس سلطة حكم ذاتي وقد وقعت عليها بيدك، وكنت أحد المفاوضين عليها قبل مجيء السلطة للأراضي الفلسطيني، ومطلوب منك أن تؤدي دورًا وظيفيًا أمنيًا بامتياز، وعن أية مساواة تتحدث وأنت تهمش شرائح كبيرة من المجتمع الفلسطيني كان آخرهم شريحة المعلمين وترفض إنصافهم ومساواتهم بغيرهم من الموظفين.

– مواصلة مسيرة الإصلاح، «الإصلاح» كلمة لا مكان لها في قاموس سلطتك سيادة الرئيس، ومن الذي لاحق نائبًا منتخبًا يوم أن كشف الفساد ونادى بالإصلاح قبل أسابيع قليلة.

سيادة الرئيس، أكتفي بما سلطت الضوء عليه في برنامج الانتخابي، لكن يؤسفني أن أقولها وبكل جرأة وقناعة ووضوح إن رئاستك للسلطة كانت من أسوأ محطة من محطات تاريخ شعبنا الفلسطيني، وفترة حكمك التي ما زالت قائمة هي انتهاك ومخالفة صارخة للقانون، ولم تكن إلا عنوانًا لمعاناة وعذابات شعبنا، وتاريخًا أصيلاً لضياع القضية الفلسطينية، ورمزًا للتنسيق الأمني الذي قدسته مع إسرائيل.

سيادة الرئيس، إذا كنت أصم الأذنين، ولم تسمع كل النداءات التي وجهت إليك، فإنك اليوم مطالب بتقديم تفسيرات لتصريحك الأخير الذي تعهدت فيه بمغادرتك للسلطة فور مطالبة أحد المسؤولين لك، وقد تم ذلك بالفعل على لسان نائب من نفس التنظيم الذي تقوده أنت، بل جاءت الدعوات من أكاديميين وكتاب وأسرى وشباب يمثلون عماد المجتمع.

سيادة الرئيس، هذه المرة، الدعوة وجهت لك بضرورة ترك منصبك عبر وسيلة إعلامية أمريكية، ومن شخصية فلسطينية اعتبارية منتخبة، تطالبك بالرحيل، وتقول لك كفى، وألف كفى، ومرّت ساعات لا دقائق وأنت تتجاهل هذه الدعوات؟!

سيادة الرئيس، قد يخطر ببال بعضهم أن دعوة النائب في المجلس التشريعي نجاة أبو بكر وكل الذين سبقوها، وأنا أضم صوتي لكل النداءات التي طالبتك بالرحيل لأنه بالفعل كفى، ما هي إلا دعوات قاصرة، وأن ما يجب فعله هو حل سلطة الحكم الذاتي التي ارتهنت بتعهدات تضر بمصالح شعبنا وقضيته وحقوقه وثوابته ومقدساته.

فإنني أدعم هذه الفكرة بكل قوة، وأقولها بكل صراحة، لقد بلغ السيل الزبى وطفح الكيل، فلم تعد هذه السلطة مغنمًا لشعبنا إلا لك ولبعض رموز هذه السلطة، وهي لا تعكس إلا صورة الاشمئزاز، فشعبنا ماضٍ في تحقيق أهدافه المتمثلة بنيل الحرية والكرامة والاستقلال.

وأخيرًا، أقولها ثانية، ارحل ولا تكن رئيسًا حتى الموت، فإن بقيت مصرًا على ذلك، فمعناه أن «عرق الحياء» فعلاً طق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رئيس
عرض التعليقات
تحميل المزيد