أكثر ما استفزني في رسالة الرئيس التي بعث بها «كُتَابُهُ» الى الشعب الجزائري، بمناسبة إحياء اليوم الوطني للمجاهد، هي الاتهامات الخطيرة التي وجهها هؤلاء الى الراحل «شادلي بن جديد»، حينما كتبوا أن «القدر شاء أن تعثّر مسيرة الجزائر المستقلة هذه الطموحة والواعدة جراء تدهور رهيب لسوق النفط في الثمانينيات وجراء أخطاء ارتكبت في توجيه البلاد حتى وان ارتكبت من طرف مسؤولين ذوي ماضٍ ثوري مشهود لا غبار عليه وذوي نوايا حسنة لا يرقى إليها الشك».

أن نطلق الرصاص على سيارة الإسعاف، ونذكر مساوئ موتانا، ونتهم من سبقنا أنهم سبب فشل برامجنا، وليس بسبب اتباع سياسة عرجاء، كل هذا لا يليق بأشخاص أوكلت لهم مهام كتابة رسائل الرئيس، الذي لا أظنه أنه قرأها أصلا .

عندما قرر بوتفليقة الترشح لخوض غمار الانتخابات الرئاسية سنة1999، تحدى الشعب الجزائري مخاطبا إياه أنه إذا رفض تزكيته (الشعب) لمنصب رئيس الجمهورية، سيتركه يعيش في رداءته التي ألفها وألفته طوال السنين الماضية. دشن «بوتفليقة» حملته الانتخابية، بإطلاقه لثلاثة وعود فضفاضة، ما زال» الشياتون» و«المتزلفون» يتشدقون بها في كل فرصة أتيحت لهم.

أول هذه الوعود هو إخماد نار الفتنة والقضاء على الإرهاب وتجفيف منابعه، والمضي قدما نحو تطبيق قانون السلم والمصالحة، غير أنه وبعد أكثر من 16 سنة من توليه سدة الحكم، اكتشفنا أن الإرهاب تطور وأخذ منحى آخر, فغير القبعة والأشخاص فقط, ليلبسها إرهابيو المال الفاسد ولصوص النظام الذين أفرغوا خزينة الدولة وأصبحوا يتحكمون في رقابنا مثلنا مثل الأموات، يوجهوننا في أي اتجاه أرادوه، أما الفتنة فقد بلغت مداها في عهده وما أحداث غرداية الجريحة ببعيدة .

ثاني وعود الرئيس تمثلت في إنعاش الاقتصاد الوطني والارتقاء به إلى مصاف الدول التي نهضت من ركودها مثل تركيا وماليزيا، وهنا لا يتطلب الأمر الاعتماد على الخبراء الاقتصاديين والمحللين لندرك الحالة المزرية التي آل إليها الاقتصاد الجزائري، فقد اعتمد الرئيس خلال عهوده الأربع على مداخيل المحروقات بنسبة 97 بالمائة ليصل بعد 16 سنة من «الحكم الراشد» إلى 98 بالمائة من هذه الطاقة التي انهارت أسعارها وبدأت تنفد, ولم يعد باستطاعة الحكومة شراء السلم الاجتماعي, وبدأت بوادر الأزمة الاقتصادية تلوح بظلالها في الأفق.

فمنذ أيام فقط، تحدثت مصالح الأمن بالأرقام عن سخط الجبهة الاجتماعية، فقد أفادت قيادة الدرك الوطني أن «المواطنين لا يزالون يعبّرون عن سخطهم احتجاجا على مطالبهم ذات الطابع الاجتماعي المرتبطة بحياتهم اليومية، إما باللجوء إلى التجمع عبر الطرقات والشوارع، أو شن الإضرابات». وقد أوردت قيادة الدرك هذا التشخيص ضمن حصيلة لنشاطات وحداتها للثلاثي الثاني من السنة الجارية. علما أنها المرة الأولى التي تتحدث فيها عن اضطرابات الجبهة الاجتماعية ضمن بيان علني.

نعم، لقد وصلت الأزمة في الجزائر الى أبلغ مما كان يتصوره أشد المتشائمين، فبعدما تربع بوتفليقة على عرش الرئاسة والخزينة ممتلئة، سيرحل ويتركها خاوية على عروشها.

أما آخر وعد قطعه على نفسه هو إعادة الكرامة للمواطن الجزائري وتغيير صورته في الخارج، غير أن جملته الشهيرة التي تركت صداها عند كل الجزائريين «ارفع راسك يا با!»، قد تحولت بقدرة قادر من النقيض إلى النقيض لتصبح «طلع سروالك يا وزير!»، بعدما بهدلنا أعضاء حكومته في المطارات الغربية، حينما راود الشك المسؤولين الغربيين بسبب الزيارات المتتالية لهؤلاء الوزراء لعواصمهم قضاء مآربهم الشخصية وشراء العقارات الفاخرة بأموال الشعب الجزائري.

و تبخرت وعود الرئيس، لكنه صدق في تنبؤاته، فها هو سيخرج من قصر «المرادية» ليتركنا نقبع في رداءتنا كما وعدنا من قبل .

تلكم هي وعود الرئيس، فأين أنتم يا «كُتَاب» الرئيس؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد