أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، من على منصة الأمم المتحدة بتاريخ 26 سبتمبر (أيلول) الماضي أنه سيدعو لـ«انتخابات عامة» فور عودته إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأكد أن من يسعى إلى إفشالها «سيتحمل المسؤولية أمام الله والعالم والتاريخ». وأعاد الرئيس تأكيد رغبته في إجراء الانتخابات في اجتماعه في رام الله المحتلة بأعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح، في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الفائت. ولقطع الطريق على المشككين، كرر الرئيس إعلان رغبته مجددًا في اجتماع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، في الثالث من الشهر  نفسه في رام الله، في وسط الضفة الغربية المحتلة.

وعقب تصريح الرئيس، عقدت لجنة الانتخابات المركزية بتاريخ 13 أكتوبر، في مقرها في البيرة اجتماعًا مع ممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني، وأعلنت اللجنة على لسان رئيسها «جاهزيتها» لعقد الانتخابات. ومن ثم باشرت اللجنة فورًا التشاور مع فصائل الشعب الفلسطيني، وتوجه السيد حنا ناصر رئيس لجنة الانتخابات المركزية إلى قطاع غزة، للقاء مسؤولي حركة حماس، التي تسيطر على قطاع غزة منذ العام 2006، والتي سارعت بإعلان «استعدادها» للمشاركة في انتخابات شاملة، تشمل الرئاسة والمجلس التشريعي بشكل متزامن، وانتخابات المجلس الوطني، بحسب ما نقل موقع «الجزيرة نت» بتاريخ 28 أكتوبر 2019. وبذلك يكون أبناء الشعب الفلسطيني قد توزعوا على فريقين لإجراء انتخابات: إما «#جاهزين» لإجراء انتخابات عامة، وإما «#مستعدين» لانتخابات شاملة.

وقبل أن يحسم المرء موقفه ويقرر فيما إذا كان مع الـ«#مستعدين»، أم مع الـ«#جاهزين»، أعتقد أنه من الأحرى أن نتساءل، هل حقًًا يمكن إجراء الانتخابات من الناحية التقنية؟ إن الجواب عن هذا التساؤل يدفعنا للبحث في الأساس القانوني الذي تقوم عليه الانتخابات. ويبدو هذا التساؤل مُلحًا في ظل الشكوك التي أثارها عدد من المراقبين، والذين عبروا عن تشاؤمهم من إجراء الانتخابات.

إن الانتخابات الفلسطينية تخضع من الناحية القانونية للقرار بقانون رقم (1) لعام 2007، الصادر بتاريخ 2 سبتمبر من العام نفسه، والذي ألغى صراحة في مادة (119) كل ما سبقه من قوانين منظمة للانتخابات، خاصة تلك التي صدرت في عهد السلطة الوطنية الفلسطينية. وكان من أبرز ما نظمه القانون في مادة (2) هو الدعوة للانتخابات. وقد نص القانون على أن الدعوة للانتخابات تصدر بمرسوم من الرئيس قبل ثلاثة أشهر من انتهاء مدة ولاية الرئيس، أو مدة ولاية التشريعي.

والحق أن مدة ولاية الرئيس منظمة بموجب قرار بقانون الانتخابات الصادر عام 2007، والذي ينص في المادة (3) على أن مدة ولاية الرئيس هي أربع سنوات، ولكن هذه المدة جرى تجاوزها من زمن بعيد، فقد انتخب الرئيس في 9 يناير (كانون الثاني) 2005، وكان من المفروض حسب القرار بقانون أن تنتهي هذه المدة بعد أربع سنوات، أي بتاريخ 9 يناير 2009، ولكن ظروف الانقسام، والمناكفات الحزبية، والعراقيل الصهيونية حالت دون الانتخابات. ومما زاد حسابات الولاية الرئاسية تعقيدًا، هو القرار الذي أصدره المجلس المركزي الفلسطيني بتاريخ 24 أكتوبر 2008، وعين بموجبه الرئيس عباس في رئاسة السلطة حتى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. وبما أن الدولة لم تقم بعد، وليس هناك موعد منظور في الأفق القريب لقيامها، فإنه من الصعب تحديد تاريخ انتهاء ولاية الرئيس، لمراعاة إصدار مرسوم قبل ثلاثة أشهر من انتهائها، وذلك لعدم ارتباطها بتاريخ محدد.

أما مدة ولاية المجلس التشريعي الفلسطيني، فقد جرى حله بقرار المحكمة الدستورية العليا، الصادر في 12 ديسمبر (كانون الأول) 2018، في الطلب رقم (10) لسنة (3) قضائية. وقد حددت المحكمة الدستورية العليا في قرارها، الذي حلت بموجبه المجلس التشريعي الفلسطيني مهلة ستة أشهر لإجراء الانتخابات التشريعية. ولكن مهلة الستة أشهر انتهت بتاريخ 12 يونيو (حزيران) 2019، بعد انقضاء المهلة المذكورة في قرار المحكمة. وبالتالي تعد الدعوة للنتخابات بعد هذا تاريخ 12 يونيو مخالفة لأحكام القضاء، وقابلة للطعن فيها، بموجب المادة (106) من القانون الأساسي الذي نصت على أن “الأحكام القضائية واجبة التنفيذ والامتناع عن تنفيذها أو تعطيل تنفيذها على أي نحو جريمة يعاقب عليها بالحبس، والعزل من الوظيفة”. وليس هذا فحسب، فإن أي إنتخابات تجري بموجب هذه الدعوة التي تشوبها مخالفة للقانون والقضاء، قد تكون عرضة للطعن من قبل أولئك الذين لن يحالفهم الحظ بالفوز، بإدعاء أن الإنتخابات تمت بناءاً على دعوة باطلة قانوناً وقضاءً.

وما دمنا في سياق الحديث عن الإنتخابات التشريعية، فلا بد من الأشارة إلى أن الدعوة للإنتخابات التشريعية الثانية تمت بموجب مرسوم رقم (5) لسنة 2005، وبمعزل عن الإنتخابات الرئاسية، التي جرت بموجب مرسوم رقم (10) لسنة 2004. ولكن يجدر بنا الملاحظة أن المرسوم رقم (5) لسنة 2005 نص على “إعتبار إنتخابات رئيس السلطة…وإنتخابات أعضاء المجلس التشريعي…مترابطة لدورة واحدة بالرغم من عدم تزامنهما”. ولم يأتِ هذا النص عبثاً، بل تنبع أهميته من محاولته التوافق مع قانون الإنتخابات رقم (13) لسنة 1995 النافذ في حينه، والذي نص في مادة (2) على أن «تجري انتخابات رئيس السلطة الوطنية وأعضاء المجلس الفلسطيني في آن واحد». وهذا يعني أن فصل الانتخابات التشريعية عن الرئاسية، غير جائز من الناحية القانونية، ولكن المشرع الفلسطيني، حاول أن «يلملم» مخالفة المرسوم لقانون الانتخابات بإدراج هذا النص في متن المرسوم.

وأما بعد إلغاء القانون رقم (13) وتعديلاته صراحة بالقرار بقانون رقم (1) لسنة 2007 المذكور أعلاه، فقد أصبحت الانتخابات التشريعية – كما الرئاسية– محكومة بنصوص هذا القرار بقانون الأخير. وجدير بالملاحظة أن القرار بقانون المذكور نص في المادة (116) على «تجري الانتخابات الرئاسية القادمة بالتزامن مع أول انتخابات تشريعية تجري بمقتضى هذا القانون». ومحل الشاهد هنا هو أولًا: ضرورة التزامن بين الانتخابات التشريعية والرئاسية، ثانيًا: إن أول انتخابات تشريعية تجري بموجب هذا القرار بقانون هي الانتخابات التشريعية التي أعلن عنها الرئيس في سبتمبر من على منصة الأمم المتحدة، والتي أعلن فريق من أبناء الشعب الفلسطيني أنهم #مستعدين لخوضها، بينما أعلن أخرون أنهم #جاهزين للمشاركة بها.

ولكن ما يقطع الطريق على جهوزية هؤلاء، واستعداد أولئك، هو ما نشرته صحيفة دنيا الوطن بتاريخ 14 أكتوبر 2019، نقلًا عن السيد هشام كحيل المدير التنفيذي للجنة الانتخابات المركزية، حول نية الرئيس عقد الانتخابات التشريعية أولًا، على أن تتبعها الانتخابات الرئاسية بعد ذلك بثلاثة أشهر، مما يعني وقوع مخالفة لصريح نص المادة (116) المذكورة أعلاه، فيما لو عقدت الانتخابات بهذه الطريقة. وهو ما قد يجعل تنظيمها وإجرائها ونتائجها حرية بالطعن بالبطلان أمام القضاء الفلسطيني.

وقد يجادل أحد الـ #جاهزين أو الـ #المستعدين بأن عدم التزامن بين الانتخابات التشريعية والرئاسية ليس ضروريًّا، وأنه متفق عليه بين الفصائل، مما يعني أن هناك أغلبية تؤيد الفصل بينهما، وتجيز عقد كل منهما على حدة. والحقيقة أن هذا الرأي مخالف للوقائع والقانون من جهتين: أولاً: من ناحية الوقائع، فقد شهدت الفترة التي تلت الانقسام الذي وقع في عام 2007، أن عدم التزامن بين الانتخابات التشريعية والرئاسية سبب كثيرًا من اللغط حول تاريخ انتهاء مدة ولاية الرئيس. فقد رأت حركة «حماس» أن ولاية الرئيس تنتهي في يناير 2009، أي بعد أربع سنوات من تاريخ انتخابه، بينما رأت حركة فتح، أن قانون الانتخابات ينص على تزامن الانتخابات التشريعية مع الرئاسية، مما يعني امتداد مدة ولاية الرئيس عامًا آخر حتى انتهاء مدة ولاية التشريعي في يناير 2010، وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في آن واحد. أما من الجهة الثانية، فإن نص المادة (116) من النظام العام الذي لا يجوز مخالفته ولو اتفقت كل الفصائل على ذلك. وبالإضافة إلى ذلك، فإن النص المذكور يعد نصًّا دستوريًّا من ناحية الموضوع، لتعلقه بتنظيم سلطات الدولة، وهو ما لا يمكن لأي إتفاق فصائلي أن يلغيه أو يعدله، إلا بالطريقة المنصوص عليها في القانون.

وليس هذا فحسب، فقد قررت المحكمة العليا بصفتها الدستورية في الطعن رقم 1/2012 المقدم من السيد عبد الجواد صالح أن اتفاق الفصائل الموقع في العاصمة القطرية، والمعروف باسم «اتفاق الدوحة»، والذي نص على تولي الرئيس عباس رئاسة الوزراء بالإضافة إلى مهامه الرئاسية، «يخرج عن مفهوم التشريع المنصوص عليه في القانون الأساسي»، وبالتالي لا يجوز له أن يخالف أو يعطل أو يعدل نصوص القانون، وهو ما ينطبق أيضًا على اتفاق الفصائل بعقد الانتخابات التشريعية بفارق زمني «ضئيل» عن الانتخابات الرئاسية، كما ورد على لسان الناطق باسم لجنة الانتخابات المركزية، ونشر في صحيفة القدس العربي بتاريخ 30 أكتوبر 2019. وجدير بالقول إن اتفاق الفصائل في الدوحة خالف المذكرة الإيضاحية للقانون الأساسي المعدل لسنة 2003، تمامًا كما يخالف اتفاق الفصائل الحالي نصوص القرار بقانون الناظم للانتخابات المزمع إجرائها. وأن هذه المخالفة تجعل اتفاق الفصائل عرضة للطعن أمام القضاء الفلسطيني، الذي ربما يقرر فسخه أو إبطاله لمخالفته نصوصًا قانونية تحمل الصفة الدستورية من ناحية الموضوع.

ولذلك، فإنني أدعو الإخوة الـ«#جاهزين» والإخوة الـ«#مستعدين» لإجراء الانتخابات إلى بعض التروي؛ لإفساح المجال للسادة صناع القرار للعمل على تذليل هذه العقبات القانونية التي أشير إليها في هذا المقال، أو في أي مكان آخر قبل التوجه للانتخابات؛ خشية أن يكون بعض المتربصين «»#جاهزين» أو «#مستعدين» لإطاحة نتيجة الانتخابات، إن لم تأت على مقاسهم أو هواهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد