في الوقت الذي وصلت فيه البلاد إلى هذه الحالة من انسداد الأفق السياسي، وذهبت ثورة يناير والأحلام الوردية التي صاحبتها إلى مكان مجهول، وتفرق شباب الثورة وتشتتوا، تتزايد كل يوم آهات المواطن المصري الكادح الذي وقع في بحر ليس له قاع، هو بحر الحياة الصعبة، تغالبه أمواج ارتفاع الأسعار، وتؤرقه عواصف رفع الدعم عن السلع، وقارب النجاة الوحيد هو دخل هذا المواطن الذي ما عاد يستطيع مقاومة هذه الأمواج والعواصف، وبنظرة يملأها الأمل يحاول هذا المسكين أن يجد شاطئ النجاة ليتخلص من هذه المعاناة المريرة، فهل منكم أيها السياسيون من يستطيع أن يقدم طوق نجاة لهذا الوطن.

ولعل الأمل يتجدد مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، كحدث مهم ومرتقب فتتهافت الأنظار وتشرئب الأعناق لترى وتستطلع الخبر، من يا ترى هذا الفارس الذي يهب لنجدة الوطن، هل يا ترى توحد شركاء الثورة وقدموا مرشحًا يمثلهم؟ هل يا ترى توحدوا وطالبوا بضمانات لسلامة هذه الانتخابات ونزاهتها؟ هل، هل…؟ للأسف لا لم يحدث؛ هذا فشركاء الثورة ما زالوا في غفلتهم يعمهون، ما زالوا في المستنقع البغيض الذي سقطوا فيه منذ أربعة اعوام، مستنقع تملأه الفرقة والانقسام ويا ليتهم على هذا فقط.

فمع الدعوات التي طالبت بعودة الفريق أحمد شفيق وترشحه للانتخابات الرئاسية، رأينا بعض المحسوبين على ثورة يناير يطالبون بالمطلب نفسها بلا تورية ويعلنون تأييدهم لترشح شفيق ودعمهم له ليتخلصوا من النظام الحالي فأين حمرة الخجل؟ بل إن بعضهم يرى أن جماعة الإخوان المسلمين ستؤيد الفريق شفيق وستدعمه بقوة؛ لتتخلص من هذا التضييق المفروض عليها من النظام الحالي ولتخرج من هذا النفق الضيق، وسار الحديث في هذا الأمر بين بعض شباب الثورة دربًا من دروب السياسية، وأن التنازل مشروع في سبيل الحصول على بعض المكاسب ولو كانت قليلة.

ولا عيب في ذلك، ولكن دعوني أسألكم أولًا، لماذا قمتم بالثورة على مبارك إذن؟ أليس الفريق شفيق أحد الأذرع القوية لنظام مبارك؟ ألا تمثل عودة شفيق على رأس السلطة عودة لنظام مبارك بكل رجاله وسياساته ومساوئه؟ لماذا سحبتم الناس خلفكم في ثورة راح فيها مئات الشهداء من البسطاء الذين نسجتم لهم أحلامًا وردية ضحوا في سبيلها بأرواحهم ثم تركتموهم في منتصف الطريق، لماذا سحبتموهم إليها طالما أنكم سترضون بالأمر نفسه في النهاية.

أيا معشر القوم أهذه نهاية جهدكم؟ أهذه عصارة فكركم؟ أهذه غاية أمركم؟ هل نفذ جهدكم وخاب فكركم و قل طموحكم فلم تجدوا حلًا غير هذا لتخرجوا به علينا! أين مصر الولادة؟ وأين أبناؤها البواسل الذين ملأوا الآفاق فكرًا وعلمًا وسياسة وأدبًا؟ ألم تجدوا منهم رجلًا حكيمًا قويًا تثقون في سياسته وحنكته تدعمونه وتقفون خلفه ليكون ممثلكم؟ أم أنكم ما زلتم تألفون التشتت وتحبون الانقسام، وبات كل قسم منكم يغني على ليلاه؟ فبين منتظر لعودة الشرعية التي يرى أنها ستعود يومًا بقدرة الله عز وجل دون أن يبذل أي جهد.

وكأن الله سبحانه وتعالى لم يأمرنا بالأخذ بالأسباب، و كأن السنن الكونية تغيرت من أجل رضوخنا وقلة حيلتنا؟ كفى عبثًا، فلا الشرعية ستعود بجلوسكم هكذا، ولا النظام سيذهب بتشرذمكم وتفرقكم، ولكن تجمعوا على الحد الأدنى من الأرض المشتركة، وابنوا عليها موقفكم القوي، ولا تنتظروا أن يحسم أحد منكم النجاح بمفرده؛ فلا الإسلاميون يستطيعون وحدهم ولا اليساريون يستطيعون وحدهم، وكلكم حاولتم فعل ذلك من قبل وفشلتهم وفي النهاية استأثر الذئب بالوادي وراح ينهب من خيراته، والخراف ما زالت متخاصمة ومشتتة في الصحراء لم تترك الفرقة والتشرذم، رغم علمها أنه بالوحدة فقط يستطيعون طرد الذئب فيا لحماقتهم إذا استمروا في تشرذمهم.

أنا لست ضد ترشح الفريق أحمد شفيق أو أي أحد غيره من المرشحين؛ فلهم كامل الحق في ذلك، لكني ألوم على من وقفوا يومًا في ميدان واحد وتقاسموا خبزهم وضحوا من أجل حلمهم بالعيش والحرية والعدالة، ثم فرطوا بحلمهم الجميل عند أول اختبار، فماذا تمثل أربعة أعوام في عمر الثورات؟ لا شيء؛ فالثورة الفرنسية مثلًا خلال سنوات طويلة مرت بتقلبات كبيرة حتى نجحت في تأسيس قواعدها القوية التي شيدت عليها حضارتها، أما نحن فلا ثورة أتقنا فنفعنا الوطن، ولا سكوتًا أحسنا فتركناه لمصيره الذي ربما لم يكن ليصل لهذه الحالة من التخبط والانحدار.

ولكن أقول لأبناء ثورة يناير الذين ينوون تأييد الفريق أحمد شفيق في انتخابات الرئاسة المقبلة، يجب عليكم أولًا أن تقدموا الاعتذار لمبارك على «خطأ» المشاركة في ثورة يناير التي أطاحت بنظامه؛ فالفريق شفيق هو أحد تلاميذ مبارك، فكيف تؤيدون التلميذ وتتمردون على الأستاذ؛ فالأستاذ أولى بالتأييد، ولا تنسوا أيضًا أبناء شهداء الثورة التي تنقلوها الآن إلى مثواها الأخير، وفكروا فيما ستقولونه لهم عندما يسألونكم لماذا استشهد آباؤنا.

فلا تقعوا في هذا الخطأ الكبير، وفكروا الآن كيف ستخرجون الوطن من محنته، فكروا في البسطاء والفقراء من أبناء هذا الوطن، ألا يستحقون منكم التوحد على هدف واحد، هو تغيير الوضع الراهن وإيجاد سبيل لتحسين حالة المعيشة في مصر؛ فالمطالبة بالحرية و الديمقراطية هو شيء مهم، ولكن أصبح هناك ما هو أهم عند الناس؛ فالرجل الذي يرى أطفاله ينامون ليلًا يتضورون جوعًا لا يجد ما يسد رمقهم، لا يمكن أبدًا أن ينتظر منكم حرية أو ديمقراطية، ولكنه ينتظر لقمة يضعها في فم أبنائه، والأرملة التي لا تجد شيئًا تدفئ به أولادها اليتامى في ليالي الشتاء الباردة لا تنتظر منكم سوى أغطية ثقيلة تحمي بها صغارها من البرد القارس.

فانهضوا من أجل هؤلاء وغيرهم، وابحثوا عن حلول من خارج الصندوق تستطيعون بها أن تقفوا وتحدثوا تغييرًا حقيقيًّا على أرض الواقع تغييرًا يلمس حياة الناس، ويخفف من ألمهم؛ فالقرار لكم إما أن تعلنوا مشاركتكم في هذه الانتخابات المقبلة إذا ضمنتم توفر شروط النزاهة والشفافية، وإما أن تطالبوا بالضمانات التي ترونها مناسبة لنزاهة الانتخابات؛ فأنا لست مع الذين يقولون إن التغيير لن يحدث بالصندوق، فكل طريق للتغيير يجب أن نسعى إليه، ولكن إذا لم تتوفر الضمانات الكافية يجب عندها أن تتخذوا موقفًا من هذه الانتخابات، وتكون لكم خطط بديلة للسعي وللنضال من أجل تحقيق حلم الوطن في العيش والحرية والعدالة.

واعلموا أنه لا بد أن تكون لكم كتلة سياسية قوية ومؤثرة تستطيعون بها أن تكونوا عنصرًا فاعلًا في المعادلة السياسية المصرية دون أن تقدموا تنازلات تندمون عليها أو تتمسكوا بأفكار وأحلام تجاوزتها الأحداث وطوتها الأيام، وتفرقكم أكثر مما تجمعكم؛ فانظروا الآن إلى الأمام وليتراجع أصحاب المصالح الشخصية إلى الوراء، وليتقدم أهل الخبرة والمعرفة والسياسة وليتناس كل منكم أيديولوجيته ولتندمجوا في إطار واحد وتحت راية واحدة هي علم مصر؛ فالفرص لا تتكرر كثيرًا؛ فالآن قد حانت ساعة الوحدة، حانت ساعة الوقوف بجانب المظلوم، حانت ساعة النهار، حانت ساعة الوطـــن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد