المتابع لحال المجتمع المصري، يكاد يقسم غير حانث بعدم وجود استحقاق انتخابي هام مثل انتخابات الرئاسة عقب أشهر قليلة من الآن ذلك الوضع غريب للغاية فمازال المواطن المصري يعانى بشدة من عزوفه الاختياري عن الإنتخابات البرلمانية الأخيرة؛ مما أدى لإفراز برلمان ضعيف أصبح دوره الأساسي مناقشة وإقرار القوانين التي تقدمها الحكومة غاضا الطرف عن الفساد المستشرى في أواصر مؤسسات الدولة متجاهلا تلك العدالة الاجتماعية التي ثار من أجلها ملايين المصريين منذ سنوات قليلة، وبقليل من التتبع للأرقام والإحصاءات، نجد أن ذلك العزوف بدأ عقب الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حيث شارك فى الانتخابات ما يقرب من 25 مليون مواطن، ثم تقلص العدد إلى ما يقرب 15 مليون مواطن في انتخابات مجلس النواب، على الرغم من أن انتخابات مجلس الشعب عقب ثورة 25 يناير شهدت حضورا جماهيرا طاغيا تجاوز 30 مليون مواطن.

وللأسف فإنه من المتوقع أن يستمر ذلك الانخفاض الحاد في الإقبال على الصندوق في الانتخابات الرئاسية القادمة لتقترب نسبة المشاركة من نسبة المشاركة في انتخابات ما قبل الثورة، وهنا يتبادر إلى الأذهان 3 أسئلة هامة كالتالي:

أولا لماذا يعزف المواطن المصري عن المشاركة الانتخابية؟

الأمر يتعلق بإحساس المواطن المصرى بعدم أهمية صوته، بل إن شئت الدقة بعدم أهميته شخصيا لدى صناع القرار، فنتيجة الإنتخابات القادمة محسومة من الآن، وأي مرشح قوي يطرح نفسه، فسيواجه بتهم التخوين والعمالة، وستعمل أجهزة الإعلام الداعمة للنظام على تشويهه واختلاق الأكاذيب لاغتياله معنويًا، لذا لا مجال لوجود منافس قوي للرئيس السيسي، حتى الأحزاب السياسية التي من المفترض أن تسعى للوصول للسلطة لطرح رؤيتها أو على الأقل تسعى لتقويم أخطاء النظام الحكام – حتى تلك الأحزاب – أعلنت تأييدها القاطع للرئيس السيسي، قبل حتى أن يعلن هو عن رغبته الترشح للانتخابات القادمة، فتقريبا كل الأحزاب المعروفة – باستثناء حزب النور الذى مازال على موقفه من عدم تأييد أي مرشح قبل فتح باب الانتخابات ومقارنة المرشحين وبرامجهم وشعبيتهم – قد وقعت وبصمت للرئيس السيسى ونظامه على بياض، إذًا فلماذا أكلف نفسي عناء المشاركة الانتخابية، وكلنا نعلم نتائجها مسبقا؟!

ومما لا شك فيه أن عزوف المواطن المصري عن الانتخابات ما هو إلا عرض لمرض خطير، ألا وهو شلل الحياة السياسية في مصر، ومن باب الإنصاف فحالة الشلل تلك بدات منذ الانتخابات الرئاسية السابقة، ففي كوميديا سوداء لا تحدث حتى في جزر الموز يتقدم مرشحان للرئاسة؛ فيحل أحدهما أولا باكتساح ويحل المرشح الآخر ثالثا.. نعم ثالثا عقب الأصوات الباطلة التي كان عددها أكثر مما حاز حمدين صباحي من أصوات، وهذا يقودنا إلى السؤال الثاني:

هل يريد النظام انتخابات تنافسية ومشاركة شعبية كثيفة؟

على الرغم من حرص النظام بشدة على التأكيد على أهمية مشاركة المواطنين فى الإنتخابات إلى أن ذلك الإدعاء يتبخر تماما إذا ما قورن بأفعاله، وبقليل من التأمل يتضح بجلاء أنه ليس من مصلحة النظام إقامة انتخابات تنافسية تشهد مشاركة شعبية كثيفة، وذلك لعدة أسباب لعل أبرزها:

1- اقتناع النظام بعدم قدرة الشعب المصري على اختيار حكامه، ولا بقدرته على ممارسة الديمقراطية  في تلك المرحلة على الأقل، وبذلك أقر كاتم أسرار مبارك اللواء عمر سليمان رحمه الله.

2- ما يتعرض إليه الوطن من تهديدات إرهابية ومخاطر اقتصادية يستلزم أن تكون كل المؤسسات على قلب رجل واحد، وهذا لا يتأتى إلا من خلال رجل ينتمي لأقوى مؤسسة مصرية مؤسسة الجيش، وبالتالي لا مجال لانتخابات تنافسية ينحاز فيها جزء من الشعب للمرشح المنافس لمرشح المؤسسة العسكرية، فهذا قدح في المؤسسة العسكرية نفسها.

3- مقصلة الانتخابات تمثل الهاجس الأكبر الذى يدفع الحكومات في الدولة الديموقراطية لبذل أقصى ما تملك من جهد لإرضاء المواطن، فالكل يتنافس في الانتخابات ويعرض برامجه والحزب الناجح سيشكل الحكومة، وسيصبح تحت المجهر حتى موعد الانتخابات التالية، فإما أن يوفي بعهوده بمكافحة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ودفع عجلة الاقتصاد أو سيعاقبه الشعب بإقصائه في صندوق الانتخابات، وفي دولة ترتوي مؤسساتها من نهر الفساد، ويتم اختيار مسئوليها وفق معيار الثقة، لا الكفاءة تصبح مقصلة الانتخابات تهديدا خطيرا لابد من التعامل معه بدهاء، وأفضل وسيلة للتعامل مع ذلك التهديد  هو تهميش العملية الانتخابية برمتها أن تصبح عملية ديكورية الهدف منها التفاخر بأن لدينا انتخابات وصناديق فقط لا غير، أما أن تصبح تلك الصناديق معبرة عن صوت الشارع، فهذا يضر كثيرا بمؤسسات الدولة ورجال أعمالها.. وهذا يدفعنا للسؤال الثالث والأخير:

ماذا ينبغى علينا أن نفعل؟

هنا يظهر بجلاء معدن الشعب المصري الذي دأبت الأنظمة عبر عقود على ترسيخ صفتي السلبية والفرقة في أواصره، حتى أصبح كالجينات تتوارث من جيل للجيل التالي، ستلاحظ بجلاء فئات عريضة من المجتمع تصر على مقاطعة الانتخابات اقتناعا منها بأن هذا السلوك هو عقاب للنظام الحاكم، بل وتهاجم وتخون كل من يشارك ويدعو للمشاركة في التصويت، طريقة عجيبة في التفكير طالما أثبتت فشلها، معاقبة أي نظام تكون عبر التصويت الكثيف بحيث تتضاءل فرصة التلاعب بالصندوق، ويدرك صانعو القرار أن لهذا الشعب كلمة وقرارا، وليس مجرد أناس بسطاء يعيشون على هامش الحياة لا يتلتفون إلا للقمة العيش ومباريات الكرة، فسواء كنت داعما للرئيس عبد الفتاح السيسي، وترى أنه لابد أن يستمر ليحصد ما زرع ويجني ثمار جهده، أو كنت معارضا له، وترى أن الفرصة لابد أن تعطي لغيره لتحسين الأوضاع الاقتصادية والسياسية وتحقيق العدالة – سواء كنت هذا أو ذاك – فلابد أن تشارك في الاستحقاق الانتخابى القادم، وتثبت أن لك صوتا وأنك رقم في المعادلة، معادلة مستقبل مصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد