مما ورد في موضوع صحافي نشره موقع قناة الجزيرة، في الحادي عشر من أبريل (نيسان) 2019 بعنوان «من حضرة الترابي إلى السقوط.. ثمانية محطات في مسيرة عمر البشير»،

أن عمر البشير ما كان يخفي انتماءه للتيار الإسلامي، كما أن الانقلاب الذي قاده في 30 يونيو (حزيران) عام 1989، ضد حكومة الصادق المهدي، قد دعمه الإسلاميون.

ويُعتبر البشير أحد تلاميذ المفكر الإسلامي الراحل حسن الترابي، ولفترة طويلة كان السودانيون يقولون، إن البشير رئيس في النهار وتلميذ منضبط في الليل، وإن الترابي هو الحاكم الفعلي للبلاد.

وبعيدًا عن سرد التفاصيل، أقول: إن البشير جاء إلى الحكم على ظهر دبابة عسكرية مغلفة بغلاف فصائلي، حيث لاقى انقلاب البشير دعم الجبهة القومية الإسلامية في السودان، برئاسة الترابي. إذًا نحن أمام مُنْقَلِبٍ ما كان يُخفي توجهه الفصائلي، وأيضا نحن أمام رجل تلقى الدعم من أكبر الفصائل وأكثرها انتشارًا، ألا وهو فصيل الإخوان المسلمين. وبرغم ذلك فعنوان حقبته فقط «الخيبة والفشل» بل لقد زاد البشير عن غيره، حيث إن في عصره انقسمت السودان وتقسَّمتْ. ودعك من الحديث عن الصدام الذي وقع بعد ذلك، حيث انقلب المنقلب على المؤيد، ثم انقلب المؤيد على المنقلب، لأن هذه الأمور تُعد من السنن الفصائلية.

وبناء على هذا، هل تتدبر الفصائل – كل الفصائل، قديمها وجديدها – هذا الدرس لتتعلم؟

هل هم على استعداد لأن يفهموا أن الأزمة أزمة عقيدة وأفهام، لا أزمة حكومات وحكام؟ وإن كنت لا أقلل من مثالب الحكام والحكومات. ولكن الخطر كل الخطر يكمن في تحميل الدين ما هو منه براء، وأن يوصم أهل الإسلام بالسذاجة والغباء. فمن قرأ في تاريخ تلك الفصائل سوف يجد أن ممارساتها تنطبق تمامًا مع ممارسات الحكام. فقط الحكام يلعبونها سياسةً خالصةً باسم الدولة، وربما بشيء من الاحترافية. أما الفصائل فتلعبها باسم الفصيل مصبوغة بالصبغة الدينية.

ثم، هل تستطيع تلك الفصائل والقائمون على إدارتها أن يخرجوا على العالم ليحدثوه عن دورهم، في إثارة رياح التغيير التي اجتاحت بعض البلدان العربية؟ وأقول، فقط هي الشعوب العربية التي لم تجد من يحمل قضيتها، لقد أثبتت التجربة المعاصرة أن الشعوب في الغالب هي التي تقود، وهذا على المستوى العام لا فيما يخص دولة السودان وحدها.

وبسبب ما تشهده دولة السودان من أحداث، قرأت في كتاب «الحركة الإسلامية في السودان» لمحمد بن المختار الشنقيطي. ولقد وقفت على بعض فقراتٍ، ربما فيها توصيف للحالة التي نعيشها الآن. ولسوف أنقل منها ما يلي.

(لقد أدرك الدكتور عبد الله النفيسي حكمة الانفتاح على المجتمع الذي تبنته الحركة السودانية، والفرق بينها وبين حركة الإخوان بمصر في هذا المضمار، فقال: استطاعت الحركة في السودان أن تبلور تكنيك الانتقال من حركة صفوية حزبية تنظيمية مغلقة، تمثلت «بالإخوان المسلمين» هناك، ما بين الأربعينات والستينات، إلى حركة جماهيرية جبهوية مفتوحة، تتمثل اليوم1989 بالجبهة الإسلامية القومية التي استطاعت أن تفرض وجودها في السودان، تارة في المعارضة، وأخرى في الحكم، وأخرى كقوة مرجحة في مجلس الشعب.

وفي كل الأحوال كقوة اجتماعية تأسست في قاع الحركة الاجتماعية اليومية في الشارع السياسي السوداني.

في المقابل، نجد أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر لم تزل تتمسك بالصيغة الصفوية الحزبية التنظيمية المغلقة، من خلال نفس التشكيل الإداري لهيئاتها المرشد العام- مكتب الإرشاد- مجلس الشورى منذ الثلاثينات حتى الآن. أضف إلى ذلك أن هذه الجماعة نظرا لعجز الصيغة الحركية – لا المنطق الأيديولوجي – لم تستطع أن تبلور أدوارها كمعارضة، أو أن تستثمرها سياسيًا كما ينبغي.

وإن كان تحالفها مع الوفد والعمل في الثمانينات يعد رقمًا إيجابيًا في رصيد أدائها السياسي.

وقد استمر هذا الانفتاح الجزئي في التسعينيات، وإن كان عجز البناء القيادي وقصور الرؤية الاستراتيجية لا يزالان يقيدانه.

-وأقول: إن كان الإخوان في السودان أفضل من الإخوان في مصر. فعلينا أن نقارن ما بين أوضاع البلدين.

ويقول عمر عبيد حسنة، في كتابه مراجعات في الفكر والدعوة والحركة، وهذه الفقرة أيضًا من كتاب الشنقيطي: إن من أمراض الحركات الإسلامية ما دعاه تخليد فكر الأزمة مما جعل مواصفات القيادة ومؤهلاتها مواصفات شخصية أفرزتها الأزمة، من عدد سنوات السجن، والاعتقال، والمطاردة، والمواجهة، والثبات، دون حرية القدرة على اكتشاف المؤهلات والصفات الموضوعية للقيادة في كل عصر ومصر.

 كما لاحظ، حسنة، أن من الإصابات الخطيرة التي لحقت بالحركات والتنظيمات الإسلامية: عجزها وعدم قدرتها على استنبات قيادات متجددة ومعاصرة بالقدر المأمول، تضمن القدرة على التواصل، وغالبا ما تتوهم أن المحافظة على استمرار القيادات – حتى ولو أصبحت عاجزة – نوع من الوفاء. الأمر الذي جعلها تتجمد وتتحنط، ووتكلس، وتتحول لتقتات بتاريخها، وإنجاز القادة السابقين. وقد نسيت هذه الحركات أن الثبات إذا كان واجبًا، فإن التغيير ضرورة.

وأخيرًا أكرر الدعوة لأتباع تلك الفصائل، فكروا وسوف تقفون على الحقائق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد