تعرف الصحافة بأنها مهمة المتاعب، وتعرف الصحافة بأنّها من وسائل الضغط وتوجيه الرأي العام، ويذهب بعض الفقهاء إلى تصنيفها بالسلطة الرابعة حيث يعود تاريخ استعمال واصطلاح هذا اللفظ إلى الإنجليزي “أدمونديورك” المتوفى 1797، وكان ذلك عندما اتجه إلى مقاعد الصحفيين في مجلس العموم البريطاني وهو يقول لهم أنتم السلطة الرابعة.هذا ما يبين الدور الكبير المنوط بالصحافة التي يرجى أن تكون نموذجية مثالية، تغطي الأحداث وتنقل الأخبار بأمانة لتقدم خدمة إعلامية هادفة ونبيلة. ويكثر في هذه الفترة الحديث عن الحياد الإعلامي والصحافة المحايدة والصحافة الملتزمة.

ونظرًا لتعلّق موضوع الدراسة بمجال العلوم الإنسانية، المعروف بنسبيته وتعقيداته، طرح هذا الموضوع اختلافـًا بين المحللين وأهل الاختصاص حول داع للحيادية في العمل الصحفي، وحول ناكر لها من جهة أخرى، وبين داع لضرورة الالتزام الصحفي في بعض الأحيان وهذا ما يجعلنا أمام إشكالية أساسية تتمحور حول موقع الحيادية والالتزام في الصحافة؟ وتندرج تحتها تساؤلات فرعية حول تأثير كل من الحيادية والالتزام على الصحافة، وهل يستطيع الصحفي المحترف التوفيق بين هذين العاملين أو يجب الفصل بينهما من أجل المواصلة في المسار الاحترافي والرقي بالأداء الاعلامي والصحفي للمؤسسة خصوصًا والصحافة عمومًا؟

يعتبر الصحفي محترفـًا، كل صحفي يمارس مهامه في إطار مؤسسة إعلامية تربطه بها عقد، عليه بعض الواجبات والالتزامات وله بعض الحقوق، لكن إذا أردنا الابتعاد عن التعريف الاصطلاحي للصحفي المحترف واستشهدنا بتعريف  جون هوهنبرج فسنجد أنّ الصحفي المحترف”هو ذلك الصحفي الذي يتمتع بنزعة الشك العلمي، الذي كان ومازال السمة التي تميز الصحافة؛ لأنّه ليس بمقدور مؤسسة صحفية الاستمرار إذا كانت طبيعتها الهتاف والتهليل،إذا كانت طبيعتها الرضا والقناعة باستمرار الوضع القائم، هي بذلك فشلت  في التنبيه لنقائص المجتمع وعيوبه، يضاف إليه عنصر المصداقية الذي يدخل في كل ما يقوله الصحفي الذي لابد أن يكون محل ثقة الجمهور”.

أما الصحافة بحد ذاتها فيضيف  جون هوهنبرج:”الصحافة بأوسع معانيها هي حث على التغيير الذي يعتبر القانون الأول لها”،كما يقول ” أدولف أوكس” ناشر لجريدة نيويورك تايمز:”إنّ الصحافة مهنة لا تستميلها الصداقات ولا يرهبها الأعداء، وهي لا تطلب معروفـًا ولا تقبل امتنانـًا، إنّها مهنة تتغاضى عن المعرفة والتحيز والتعصب إلى أبعد الحدود، فهي مكرسة للصالح العام، وتتعامل بروح الإنصاف مع أصحاب المعارضة”.

وإذا انتقلنا إلى تعريف الحيادية فهي أن يقوم الصحفي بتغطية الأحداث ونقل الأخبار كما هي ودون الميول لطرف ما، أو ترجيح الكفة لدى أحدهم ودون إبداء الرأي، في هذا السياق تجدر الإشارة إلى مفهوم آخر وهو الموضوعية التي تعتبر من أهم مبادئ تحرير الخبر في المجتمعات الديمقراطية، ولتحقيق هذا المبدأ لا بد من البحث والتحقق في صحة الخبر، وهنا لابد أيضًا من التفريق بين عدم كفاية الموضوعية لأسباب خارجية عن الإرادة وبين التحريف المتعمد للخبر.

لكن حتى الموضوعية توصف بأنّها غير موجودة لأنّ فهم الصحفي وتحليله للأحداث هو فهم منحاز مثل انحياز أي قارئ لمقالة عند وقت قراءتها، حيث إنّ الصحفي سيختار في النهاية ما يعرضه وما سيحذفه لكن حسب سياسة وسائل الإعلام التي يعمل لها وللأحداث المحيطة بالحدث، كأن يكون في منطقة حرب أو تحث ضغط سياسي معين. والبشر يتواصلون بشكل يتم به توصيل المعاني بناء على عوامل اجتماعية ونفسية، إذ إنّ كل قارئ سيضع فهمه وتحليله الخاص للخبر لذلك فإنّ الموضوعية من جهة والانحيازية التي نعنى بها الالتزام من جهة أخرى هي من المشاكل الحساسة التي تمس هذا القطاع.

فيما يخص الالتزام هو كل ما يعني ويرتبط بالإيديولوجية والمنظومة الفكرية التي يستند عليها الصحفي في عمله، قد تكون هذه المعطيات والمؤهلات بالفطرة وتتفق مع وجهات النظر للمؤسسة الإعلامية، أو تكون مكتسبة ومصقولة فرضتها، أما ظروف مهنية أو اجتماعية أو علاقات غير رسمية، وفيما يخص الصحافة الملتزمة نميز نوعين: الصحافة الناقدة تهدف إلى تبيان العيوب والأخطاء، ونجد الصحافة المشجعة تقوم على المدح والإثارة لسياسة، عمل أو مؤسسة ما. أما المصداقية فهي تعتبر أيضًا أحد الشروط والعوامل الأساسية لنجاح المسار المهني وتقديم رسالة إعلامية تخدم المجتمع، وهي تعني المؤشرات التي تحدد صدق المضمون الصحفي من كذبه.

وتبقى الحيادية قضية أساسية في العمل الصحفي حيث يسعى الصحفي لتحقيقها قدر الإمكان، ويتطلب ذلك فصل الرأي عن الحقيقة وتحقيق النزاهة والتوازن بإعطاء الأطراف المختلفة فرصًا متكافئة لإبداء وجهات نظرها، وتنقسم وجهات الرأي حول الحيادية، بحيث يرى اتجاه أنه لا وجود لها حيث يقول عالم الأنتربولوجي اإدوارد هوك: “إن الثقافة قالب وضعنا فيه، فهي تسيطر على حياتنا اليومية بطرق عديدة” من هنا يبرز أنه حتى الثقافة تلعب دورًا هامًا في تغيب الحيادية.

من خلال ما سبق التعرض إليه،تبقى مسألة الحيادية والالتزام في الصحافة مسألة معقدة ومختلف فيها باختلاف طبيعة الباحث، المصالح، قناعات الصحفيين والمؤسسات الإعلامية. هذا ما يجعلنا أمام معادلة إعلامية ثلاثية الأطراف مجهولة ومتغيرة،أين يكون المجهول س هو الصحفي الذي يخضع لاعتبارات الضمير وأخلاقيات المهنةوالقناعة الشخصية، والمجهول ع الذي هو المؤسسة الإعلامية التي تنتهج سياسة أو منهجًا أو أيديولوجية تتغير حسب مصالحها لنصل إلى مجموع ص الذي يعتبر هو الآخر مجهولاً بين أن يكون صحافة حيادية أو ملتزمة أو تجمع بينهما.

في إطار هذه المعادلة الإعلامية المجهولة الأطراف يبقى الصحفي هو الطرف الأقوى والمهم لأن جوزيبفبوليتزر يرى أن الصحافة هي من أكثر المهن حاجة إلى أوسع المعارف وأعمقها.

وإذا اختار الصحفي الحيادية في عمله فهو مسئول عن ذلك، أما إذا اختار الالتزام والانحياز لتوجه مؤسسة ما، أيديولوجية أو فكر، فقد يتعدى الأمر الصحافة ليصبح شيئًا آخر يغلب عليه طابع المصلحة، لذا فعلى الصحفي أن يتحلى بقواعد المهنة وأخلاقياتها، فلا هو يقع في حيادية تامة تغيب رأيه ولا التزام موجه، ويجعل فوق ذلك كله المصلحة العامة، والغاية المنشودة للعمل الإعلامي والصحافة من أجل الرقي بالمجتمع والقطاع الإعلامي بصفة عامة، وآخر الكلام هي حكمة تقول: “الإنسان موقف والموقف اختيار والاختيار إرادة”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد