ظلت البشرية فترة طويلة تسير بصورة اعتيادية ورتيبة وكانت كل مظاهر الحياة تقليدية وبطيئة. وسائل المواصلات مثلًا كان أسرع شيء فيها هو الحصان، وكان الإنسان يأكل من زرع يده وينتظر شهورًا حتى يخرج محصولًا ليأكله، وحتى الحروب كانت معتمدة فترة طويلة على السيف والرمح وغيرها من أدوات الحرب التقليدية. كان كل شيء في الحياة يوحي بالرتابة؛ الملابس، وسائل المواصلات، الاتصالات، الزراعة. تقريبًا كانت الحياة وكأنها ما زالت تحبو لم تتعلم المشي بعد.

ولكن مع قدوم الثورة الصناعية تسارعت عجلة الحياة بصورة كبيرة؛ فأصبح الإنسان يركب القطارات البخارية وبعدها السيارات والطائرات بدلًا من الجمال والحمير، وبعد أن كان يتصل بالعالم الخارجي بالحمام الزاجل والخطابات المرسلة أصبح يستخدم البرق والتليفون وأخيرًا المحمول والإنترنت. كل ذلك التطور أدى إلى تسارع عجلة الحياة بصورة رهيبة اختصر معها الوقت والمسافات، وأدت إلى سرعات رهيبة في توصيل أي شيء لأي مكان حتى الحروب ووسائل القتال تطورت؛ فبعد أن كانت القبائل قديمًا تسير بالشهور للقاء الأعداء أصبح الآن بمقدور الإنسان أن يبيد أعداءه بضغطة زر في ثوان قليلة لينطلق هذا الصاروخ أو تلك القنبلة لتبدأ حربًا قد لا تبقي ولا تذر.

ولكن الإنسان الذي اخترع من الأدوات ما أسرعت الكون من حوله لم يلتفت لأثر تلك السرعة عليه!

في البداية كان الإنسان سعيدًا جدًا بكل تلك الإمكانات التي امتلكها. فهو مثلًا لم يعد عليه بذل الكثير من الجهد للحصول على طعامه، ولم يعد عليه الانتظار كثيرًا حتى يتصل بمن حوله، كل شيء تغير؛ المسافات صارت أقرب وأصبح الإنسان مطلعًا على كل من حوله ماذا يفعل وكيف يفكر ويعيش ويتصرف. ولكن بمرور الوقت اتضح أن التكنولوجيا والتطور الهائل مثلما جلب معه السعادة في أشياء معينة فقد جلب معه التعاسة بنفس القدر! انظر إلى طعامك وقارنه بآبائك وأجدادك ستجد أن طعامك قد أصبح أغلبه مغذى بالهرمونات وقد حصد ولم ينضج بعد بسبب أن الفلاح لم يعد لديه الوقت الكافي ولا الصبر المطلوب فهو مطالب بجني المحصول بأسرع وقت لتسليمه للتجار في المدن ولذلك يستخدم الهرمونات التي تسرع نضج الثمار. مثال آخر انظر حولك إلى المباني الخرسانية وقارنها بتلك المباني القديمة التي كانت تتمتع بالجمال المعماري والراحة، وأيضًا المتانة التي أهلتها للعيش مئات السنين في الوقت الذي تنهار فيه المباني الجديدة بمعدل أسرع كثيرًا من القديمة. انظر إلى منتجات الثقافة من سينما وموسيقى وكتب وروايات وكل أشكال الثقافة، هل الآن أفضل أم حينما كان إيقاع الحياة أبطأ قليلًا مما كان يسمح لهؤلاء المبدعين باستخراج أفضل ما لديهم.

لقد أدت سرعة إيقاع الحياة بصورة رهيبة إلى مئات الكوارث منها هجرة الناس من الريف إلى المدن حيث التطور الرهيب والرزق الوفير بسبب سرعة إيقاع الحياة في المدن والتكنولوجيا الكبيرة الموجودة فيها، فبالتالي شكل ضغطًا كبيرًا على المدن وهجر الزراعة البطيئة إلى الصناعة سريعة الإيقاع، وفي النهاية نحن نخسر الزراعة ولا نربح الصناعة!

انظر إلى تأثير السرعة عليك أنت شخصيًا وقل لي كم فيلمًا في السنوات الأخيرة استمتعت بهم أو كم أغنية أو عملًا فنيًا أسعدوك؟ هل وسائل الاتصالات والسوشيال ميديا التي سرعت من رتم الحياة أضافت لحياتك الأسرية أم أثرت عليها؟

ألم يشعر الإنسان كثيرًا أن سرعة الحياة أصبحت تؤثر عليه اجتماعيًا وأصبح أسيرًا للتكنولوجيا نفسها التي اخترعها. فقد أصبح كل شيء بلا طعم؛ الأهل أصبحوا يتقابلون على فترات متباعدة بسبب المشاغل الكثيرة التي ظهرت بسبب سرعة إيقاع الحياة، فهناك من يعمل طوال اليوم حتى يستطيع توفير أموال لشراء ما لا يريده ولا يحتاجه بصورة ضرورية، وأصبح وقته كله مكرسًا للبحث عن المال وهو في النهاية يظل يلهث ويلهث طوال اليوم ولا يدري المسكين أنه يلهث وراء تعاسته! أكله أصبح سريعًا يأكل الوجبات السريعة الجاهزة لأنه لم يعد لديه الوقت الكافي كما كان في السابق، وينام قلقًا وأعصابه مشدودة لأنه مطالب بتحصيل أكبر كم من الأموال كي يجاري سرعة إيقاع الحياة التي حوله. فهو يعلم أن الحياة الآن كالقطار المسرع الذي ليس محطة انتظار وإنما عليك أنت اللهاث خلفه طوال الوقت فموبايلك الذي بين يديك الآن مثلًا لن يكون مناسبًا لك بعد عامين على الأكثر مثلما كان موبايلك الذي كان أقصى آمالك فيما مضى مناسبًا لك الآن، ولذلك عليك اللهاث في الحياة كي تحصل الأموال التي تستطيع بها شراء أحدث الموبايلات والملابس ومسايرة الموضة والسيارات ووو… مئات الأشياء التي تتحدث سنويًا وأنت كالمسكين تجري بسرعة وراء الحصول عليها رغم أنك في قرارة نفسك تعلم أنك لا تحتاج إليها ولكنك تنظر حولك فتجد الجميع في سباق سرعة من أجل الحصول على الأحدث والأجدد، وتجد أن القانون الوحيد المطبق على الجميع في هذه الأيام هو البقاء للأسرع!

نعم البقاء للأسرع أصبح هو قانون البشرية الحالي؛ فكل من تخلف عن ركب السرعة أصبح مصيره التخلف والجمود. فمثلًا شركة نوكيا ذلك العملاق الفنلندي (الذي كان عملاقًا) ظل سنوات عديدة مسيطرًا على سوق التليفونات المحمولة ولكن في لحظة ما قرر الاتكاء على ماضيه وعدم خوض سباق السرعة مع الشركات المنافسة. أين هو الآن؟ لقد تخلف كثيرًا عن الباقين وأصبح يصارع للبقاء بوصفه شركة عادية وسط حيتان السوق مثل أبل وسامسونج. هذا على مستوى شركة عالمية فماذا عنك أيها الإنسان التعيس الذي أصبح مجبرًا على الجري في هذا السباق المميت الذي لا يرحم أحدًا ولا تظن أنك وحدك من يعاني من سرعة الإيقاع المبالغ فيها، فبنظرة واحدة على المحلات الصغيرة والمتوسطة ستجد أنها مهددة بالانقراض لصالح سلسلة متاجر التجزئة الكبيرة التي سرعة إيقاع العمل بها وتوفير المنتجات لديها أسرع بكثير من المحلات الصغيرة والمتوسطة. مهن كثيرة قد انقرضت بسبب سرعة إيقاع الحياة المتزايد فالجرائد الورقية لم تعد لديها الشعبية السابقة وقاربت على الانقراض بسبب ظهور الإنترنت والسوشيال ميديا التي فاقتها سرعة في توصيل المعلومة، وأصبح انفراد أي جريدة ورقية بخبر ما هو من قبيل السخرية في زمن السوشيال ميديا، وبالتالي أصبح الكثير من الصحفيين مهددين بفقد عملهم بسبب سرعة إيقاع الحياة، وقس على ذلك أغلب المهن اليدوية التي تراجعت بسبب ظهور آلات وشركات سبقتها في سباق السرعة المميت. المشكلة الكبرى أن الجميع يسابق الجميع وأغلبهم لا يعلمون لماذا يلهثون ويتسابقون وإلى أين تتجه البشرية! فإذا سألت أحدهم لماذا تحرص على شراء أحدث الأجهزة وتصر على تحديث موبايلك وملابسك فلن تجد إلا إجابة واحدة؛ أنه لا يريد أن يبدو متأخرًا عن أقرانه وزملائه في أي شيء، أي إنه بدون أن يشعر يريد مجاراة سرعة الإيقاع الخاصة بهم ودخول سباق السرعة المميت.

ولكن ماذا بعد كل هذا اللهاث والسباق، إلى أين تتجه البشرية وهل تستطيع البشرية أن تبطئ من سرعة إيقاعها مرة أخرى؟ أعتقد أن البشرية تسير نحو الأسوأ؛ فالتكنولوجيا المتزايدة كما أنها تحمل الراحة واليسر للبشرية كما يبدو إلا أنها في باطنها العذاب والتعاسة بعينها، فبسبب ذلك السباق المحموم والتسارع الرهيب أصبح الإنسان يخترع كل يوم من الآلات السريعة التي تطرد كل يوم آلافًا من البشر من سوق العمل، وأصبحت البطالة تتزايد كل يوم، وبسبب أن الشركات الكبيرة لديها الموارد الأكبر القادرة على الفوز في سباق السرعة فبالتالي الشركات الصغيرة وبالتالي الدول الصغيرة سوف تتحطم تمامًا في هذا السباق، وسيكون البقاء للأسرع فقط والقادر على مواكبة التكنولوجيا، وبالتالي في النهاية سوف يعيش نسبة قليلة من البشر في سعادة بينما القسم الأكبر ستكون التعاسة مصيره بلا شك. وبالنسبة للسؤال الرئيسي وهو هل تستطيع البشرية إبطاء سرعة إيقاعها مرة أخرى، فالإجابة ستكون نعم بكل تأكيد. فالدول الكبرى حينما رأت أن التنافس على حيازة الأسلحة النووية والسباق فيها سيكون مصيره فناء الأرض سارعت إلى منع انتشار تلك الأسلحة بل والتخلص منها إن أمكن، وهذا يعني إبطاء سرعة حيازة الأسلحة النووية وتطويرها، وإن طبق هذا المثال على جميع مظاهر الحياة فسوف نسعد جميعًا، ولكن لا تظن أن الأمر بهذه البساطة فالدول والمنظمات الكبرى لا تهتم إلا بمصلحتها، وإذا انتظرت حتى يهتموا بمصلحتك أنت فسوف تنتظر كثيرًا، ولذلك عليك أنت أن تبدأ في إبطاء سرعة إيقاعك شخصيًا. لا تدخل في سباق السرعة مع من حولك في تتبع أحدث خطوط الموضة أو تغيير سيارتك وموبايلك وملابسك. يكفيك أن تكون سعيدًا بأبسط مظاهر الحياة وحاول أن تترك جو المدن السريع ولو أيامًا وخذ إجازة واخرج إلى الريف، أو عش حياة الطبيعة ساعات في الصحراء أو الأماكن الهادئة. كن اجتماعيًا وقابل أحبابك وأهلك وأقرباءك ولا تجعل النمط السريع يفرض نفسه عليك بأدواته من فيس بوك وسوشيال ميديا التي قتلت السعادة بداخلنا. إن وجدت مزرعة بجوارك صاحبها لا يستخدم الهرمونات ولا يستعجل ثمرته فساعده بأن تشتري منه وتشجع غيرك على ذلك، وحاول أن تشتري من المحلات الصغيرة حتى تحافظ على توازن الحياة وابتعد عن السلاسل الكبرى فربما تكون سعادتك في إسعاد ذلك الشخص المسكين الذي يبحث عن رزقه. ابنِ بيتك بالطرق القديمة التي كانت تتميز بالجمال المعماري ولا تجارِ من حولك في سرعة بناء بيت أسمنتي كريه، باختصار لا تسابقهم. حاول أن تستخلص سعادتك الشخصية بعيدًا عن سباق السرعة المميت فأنت بذلك تنقذ الكوكب من مصيره المجهول الذي ينطلق إليه بأقصى سرعة.

[c5ab_facebook_post c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.facebook.com/Hazemdirection/videos/10154476516575425/” width=”” ]

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد