بعد أن انتهت أعمال مؤتمر «اليونسكو» في جامعة كوينزلاند بأستراليا في عام 2010، صدر إعلان الحق في الوصول للمعلومات. وأكد الإعلان الذي صدر بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، على أن ضمان الحق في المعلومات هو عنصر حاسم في اتخاذ القرارات المستنيرة، والقدرة على المشاركة في الحياة الديمقراطية وتعزيز الشفافية والمساءلة. واعتبر أن هذا الحق هو أداة قوية لمكافحة الفساد، وتمكين الشعب وتقوية المجتمع المدني، ودعم وترسيخ المساواة بين جميع الفئات في إطار المجتمع.

كل هذا الحديث رائع نظريًا، لكن عند التطبيق على أرض الواقع تثور مسألة هامة: هل يكون الحق في المعلومات والحصول على الأخبار مباحًا على غاربه؟ أم تتدخل الحكومات لضمان عدم تضليل الشعوب ونشر معلومات مغلوطة تثير الاضطرابات وتستقطب الشعب وتشعل الفتنة (من وجهة النظر الرسمية على الأقل)؟

فحرية الصحافة والإعلام هي الميزة التي تتمتع بها وسائل «الميديا» في مقابل الالتزام بمسؤوليتها الاجتماعية في ضمان تماسك المجتمع وحمايته من التخريب، فهل إذا شاب عمل الإعلام نشر بعض المعلومات المضللة، أو استغلال مصادر مشبوهة أو موجهة، يكون من حق الدولة فرض قيود واتخاذ خطوات لوقف تلك الأعمال المنافية للمسئولية المجتمعية؟ وهل يوجد ما يسمى بـ«القيود المعقولة» على حرية الصحافة؟ أم تلتزم السلطة الرسمية الحياد، وتترك الحرية تعالج نفسها بالوسائل الديمقراطية ووعي الشعوب؟ فوضع قوانين لمكافحة الأخبار الكاذبة قد يكون أمرًا شديد الخطورة، حيث أحد مواضع الخلاف الدائم بين السلطات الرسمية والإعلام هو حول تعريف مصطلح الأخبار الكاذبة.

هذه التساؤلات تضمنتها فكرة دراسة حديثة من مركز «بيو للبحوث»(1) (Pew Research Center)، حيث طلب الباحثون من المشاركين في الدراسة الاختيار بين اتخاذ الحكومة الأمريكية إجراءات لتقييد الأخبار الكاذبة عبر الإنترنت، وبطرق قد تؤدي في ذات الوقت إلى تقييد حرية الأمريكيين في الحصول على المعلومات، أو حماية هذا الحق حتى لو كان ذلك يعني الموافقة على نشر معلومات خاطئة.

كانت نتائج الاستطلاع حاسمة، فحوالي ستة من كل 10 أمريكيين يقفون بقوة إلى جانب حماية حرية المعلومات، وقال 58% من المشاركين إنهم يفضلون حماية الحرية في الوصول للأخبار ونشرها عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي «السوشيال ميديا»، حتى لو كانت بعض هذه المعلومات والأخبار كاذبة، بينما ذهب حوالي 38% من المشاركين إلى تأييد إتخاذ الحكومة الأمريكية بعض الخطوات للحد من المعلومات الكاذبة والمضللة، حتى لو أدى ذلك للحد من حرية الوصول للمعلومات والأخبار.

لم تترك الدراسة – التي نشرت في 19 أبريل (نيسان) 2018 – الأمر ينتهي عند ذلك الحد، فطرحت سؤالًا جديدًا حول شركات التكنولوجيا التي يمتلكها القطاع الخاص، وهل يمكن أن تكون بديلًا مدنيًا، وتخويلها حق منع المعلومات المضللة من الوصول إلى الجماهير؟ وكانت المفاجأة أن نفس النسبة تقريبًا (56%) من المشاركين في الاستطلاع أكدوا على موافقتهم لشركات التكنولوجيا باتخاذ خطوات وإجراءات تقييدية لمنع المعلومات الخاطئة، حتى لو أدى ذلك إلى الحد من حرية الناس في الوصول إلى الأخبار والمعلومات ونشرها، على اعتبار أن القطاع الخاص يرعى مصالحه المالية أكثر من مواقفه السياسية، بينما الحكومات يغلب عليها التحرك السياسي أكثر، بينما ذهب 42% إلى حماية الحريات مطلقًا، وعدم تمكين الشركات والحكومات من التضييق عليها، حتى لو نشرت معلومات مضللة، معتبرين أن الحكومات، أو الشركات الخاصة، كلاهما لا يمكن ائتمانه على الحرية.

كان الشباب والأعلى تعليمًا هم الكثرة الغالبة على مؤيدي الحرية غير المقيدة، كذلك كان كبار السن الأكثر تعليمًا هم الأبعد عن تفضيل الرقابة الحكومية مقارنة بأولئك من ذوي التعليم الأقل، وهي نتيجة مشابهة تقريبًا لمعظم ما يحدث حول العالم. ففي المنطقة العربية، ووفقًا لدراسة قامت بها جامعة نورث ويسترن الأمريكية(2) حول استخدام الميديا في الشرق الأوسط في عام 2015، كانت فئة غير المتعلمين وذوي التعليم المنخفض والأقل جودة تؤيد الثقة في وسائل الإعلام الجماهيرية (الإعلام الرسمي)، أو التي تشرف الدولة على ما ينشر فيها. كذلك الحال بالنسبة لكبار السن في الدول العربية الذين أظهرت الدراسة أن لديهم ثقة أكبر في وسائل الإعلام الحكومية، وتأييدًا غالبًا لفرض القيود على الإعلام، وخاصة على السوشيال ميديا.

المغالطات والقصص المفبركة تلعب دورًا كبيرًا في الحياة السياسية، وكثير من الصراعات في العالم تستخدم الإعلام كأحد أهم وسائل الحرب. والأخبار الكاذبة يتم تصميمها بالأساس لخداع الشخص المستهدف، وسواء كانت على صفحات جريدة ورقية، أو موقع على الإنترنت، أو صفحة فيسبوك، أو تويتر؛ فالهدف يكون التشويش على الحقائق وتضليل الرأي العام، أو صنع رأي عام مضاد لا يعي ما يحدث في الحقيقة. والمبشر في الأمر أن الدراسات التي استهدفت التعرف على حجم انتشار الأخبار الكاذبة اكتشفت أن قاعدة المتابعين والقراء لمواقع نشر الأخبار المفبركة، يساوي 10% فقط من حجم قراء مواقع الأخبار الحقيقية(3).

وفي العالم الغربي والدول المتقدمة عمومًا، يثمن الناس عاليا مسألة الدقة في الأخبار، ويربطونها بالثقة في مصادر ووكالات الأنباء التي تنشر المعلومات وتوفرها. وحسب المعهد الأمريكي للصحافة(4) فإن 85% من الأمريكيين يصفون تحري الحقيقة في الأخبار؛ بأنه عامل أساسي هام جدًا، وأحد الحقوق المدنية اللازمة للثقة في المصدر الخبري، لكن هذه النسب تكون في المجتمعات ذات جودة التعليم المرتفع، وانتشار الثقافة المؤيدة للحرية، وهما الضمانتان الحقيقيتان لحرية المعلومات والأخبار، ووسيلة جيدة لفرز الغث من السمين.

أما في مجتمعاتنا العربية والشرق أوسطية ذات القدرات التعليمية والثقافية المنخفضة، فيجب أن يكون إرساء التوازن بين حرية نشر الحقيقة ومنع التضليل هو مهمة للمجتمع المدني، قبل أن تتدخل السلطات الرسمية. فالعلاقة بين المجتمع والإعلام ومدى احترامها، هي المؤشر على قدرة هذا المجتمع على أداء دوره في حماية حريته. فلا أحد يريد أن تتدخل السلطة لتقييد عمل الصحافة، ولا أن تصبح وسائل الإعلام على الطرف الآخر أداة دعائية لإغراق المجتمع في الجهل واللامبالاة واليأس.


1- AMY MITCHELL, ELIZABETH GRIECO AND NAMI SUMIDA, Americans Favor Protecting Information Freedoms Over Government Steps to Restrict False News Online, PEW RESEARCH CENTER, APRIL 19, 2018.

2- Everette E. Dennis, Justin D. Martin, and Robb Wood, Northwestern University, MEDIA USE IN THE MIDDLE EAST 2015, CREDIBILITY OF NEWS MEDIA.

3- Is ‘fake news’ a fake problem?, By Jacob L. Nelson, Columbia Journalism Review , JANUARY 31, 2017.

4- The American Press Institute, A new understanding: What makes people trust and rely on news, 04/17/2016.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صحافة
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!