مقدمة

إن قصة نشر الخبر والمعلومة فكرة قديمة قدم الإنسان، إذ استعملت الرسائل المكتوبة بإشارات مختلفة وبأدوات متنوعة، وحاجة الناس إلى الاطلاع ومعرفة الأخبار وسماع كل ما هو جديد دفعت الإنسان إلى خلق أشكال للتواصل والاتصال، ويجمع المؤرخون أن الصين هي المهد الأول لنشوء الصحافة، ببساطة لأن الصحافة تحتاج إلى الورق، والورق من صنع الصين.

صحافة الخنادق هو عنوان هذه المحاولة لتتبع أخبار الصحافة من حيث هي نضال ومعاناة كذلك، والعنوان لا يمت بأي صلة لذلك المصطلح الذي أطلقه الصحافي روبرت فيسك تمييزًا للصحافيين الذين يركنون إلى الفنادق من أجل تحرير الأخبار، ويبقون بعيدين عن الميدان، كما أنه ليس ذلك المصطلح الذي يصف حياة المراسلين الصحافيين من جبهات القتال، والكثير من الروائيين الكبار عملوا مراسلين حربيين كالروائي همنجوي أرنست، وقد كانت تجربة مريرة استطاع بحسه الفني وقدراته الإبداعية تحويل تلك التجربة إلى روايات خالدة على غرار: رواية وداعًا للسلاح، ورواية لمن تقرع الأجراس، والمصطلح الذي بصدد الحديث عنه يشترك في هذا مع مكان التحرير، وهو الخندق.

من جهة أخرى فصحافة الخنادق تعكس ذلك التوجه الذي طبع الصحافة أيام عزها في بدايات القرن العشرين، حسب رؤيتي المتواضعة، إذ كانت الصحافة تعكس معاناة الناس، وتنقلها بكل أمانة دون تزييف ولا أيديولوجية، كما أنها كانت تعكس نوعًا من المشاعر الإنسانية.

وصحافة الخنادق من نوع الصحافة المليئة بالمشاعر الإنسانية الفياضة دون ألوان ودون مكياج، كما هو واقع اليوم؛ إذ صحافة اليوم تعكس التوجه السلبي، وتحمل الخطاب التيئيسي الذي يعدم الأمل، ويجعل الأحلام نوعًا من السذاجة، والذي يدفع القارئ إلى التفكير بالانتحار.

والمعروف أن تاريخ الصحافة حافل وعامر بالأحداث والمواقف الحزينة تارة، والظريفة منها تارة أخرى، وقد كان لوجود الصحافة في بدايتها وقعه الطيب على حياة الناس والمجتمعات، ولعله من بين الأحداث التي طبعت تاريخ الصحافة وطبعت حياة الخنادق على جبهات القتال هو ما اصطلح على تسميته بصحافة الخنادق.

فما هي هذه الصحافة وما جدواها والمميز فيها؟

مفهوم صحافة الخنادق

إنها التسمية التي أطلقت على الجرائد التي كانت تصدر إبان الحرب العالمية الأولى من جبهات القتال، محرروها من جنود الجبهات الأمامية للقوات الفرنسية وضباطها. ومما جاء في موقع ويكيبيديا تعريفًا لهذا المصطلح: «صحافة الخنادق هي عبارة عن مطبوعات صممها ونشرها جنود جبهات القتال وضباطها خلال الحرب العالمية الثانية، بدءًا من خريف 1914 ميلاديًّا، وذلك بعد أن هدأت جبهات القتال قليلًا واستقرت، وبدأت حرب المواقع».

كانت البداية من طرف جبهات القتال لجيوش الحلفاء (فرنسا والمملكة المتحدة وبلجيكا وإيطاليا)، أما في الجبهة المقابلة أين كانت تربض جيوش ألمانيا والنمسا، فقد جاءت المبادرة لإنشاء صحافة تهتم بشؤون جبهات القتال وأخبارها من طرف قيادة الأركان الألمانية، فاستفاد كل جيش من الجيوش الألمانية من جريدة أو منشور ذي جودة عالية يقوم عليه ضباط متخصصون ومكلفون بهذه المهمة فقط.

وهذا هو الذي صنع الفارق بين صحافة انطلقت بمبادرات شخصية محورها هو المعاناة وضراوة الحرب وقساوتها، وكانت صحافة تحكي يوميات المحاربين وبأقلامهم وبدون أي عائق، وبين مبادرة رسمية تحمل فكرًا وأيديولوجية رسمية لها خطوط حمراء وضوابط لا يمكن التعدي عليها.

دوافع صحافة الخنادق

ابتداءً من صيف 1914، استفحلت الرقابة على الصحف لدرجة كبيرة؛ فقد غدا منع النشر تفاديًا لإفشاء أسرار قد تفيد العدو، وتوقع البلبلة والاضطراب في الصفوف، وهذا المبرر هو الذي اتخذه البرلمان الفرنسي في ذلك الوقت من أجل منع نشر كل ما من شأنه أن يؤثر في الحالة المعنوية للجنود، وكان هذا يوم 4 أغسطس (أوت) 1914، ومع قانون 1849 الذي يسمح للسلطة العسكرية بمنع نشر أي نص أو منع أي اجتماع تراه يضر بالأمن الوطني، وجاء هذا القرار ليخلق رقابة شرعية على الصحف، وفي الوقت نفسه ألبسه ثوب الاتحاد المقدس والدفاع الوطني والواجب الضروري للدعاية، الأمر الذي سمح لبعض الصحف بملء صفحاتها بالأخبار عن جبهات القتال، وأطلقت شعارات الاحتفال بالوطني البطل، وهي بعيدة عن الحقيقة التي كان يعيشها الجنود داخل خنادقهم في مواجهة الموت.

الاختلاف وجد طريقه إلى النفوس، وسوء الظن سرى بين الصحافة المدنية وبين اهتمامات الجنود، فهؤلاء غير معترف بهم وغير مذكورين في جرائدهم، وغير مبالين بهمومهم وانشغالاتهم، وإذا ذكروا فبالكذب والزيف، وهذا التهميش والإقصاء دفع هؤلاء الجنود ساكني الخنادق إلى التفكير في إنشاء صحفهم الخاصة التي ستحكي يومياتهم على جبهات القتال، وتقول همومهم واهتماماتهم.

العناوين الأولى ظهرت ابتداءً من شتاء 1914 و1915، وكانت أهمها:

· Le poilu

· Le Petit Colonial

· L’Echo des Marmites

وكان لهذه العناوين الصدى الطيب والمفعول الذي دفع الآخرين إلى التفكير في إنشاء صحفهم، فأنشأت فيالق الجيش وكتائبه صحفهم الخاصة، وظهرت هذه الصحف والجرائد مكتوبة على الآلة الراقنة، أو مكتوبة باليد.

وكانت أهم العناوين التي ظهرت في تلك الفترة:

· Le Looping

· la mitraille

· face a face

· l’echo des gourbis

· le bochofage

خاتمة

عناوين الجرائد الصادرة في تلك الفترة من خنادق القتال توحي بذلك الانتماء للوحدة القتالية ولتواجدها، كما أن ذلك التنوع الذي ميز هذه الصحافة ساهم بالكثير في إبراز معاناة الحبر والخنادق، فنجد جرائد المجروحين والأسرى المسجونين، وجرائد للوحدات القتالية على الجبهة وجرائد البحرية والطيارين وجرائد للمدفعية وأخرى لجنود الهندسة وجرائد المشاة، وهو ما يعكس التنوع النوعي والتعدد المفيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد