لقد دفع الربيع العربي وما تلاه من انقلابات وسيطرة الأنظمة العميقة على دول الربيع، وبعد أن أضحت تيارات الإسلام السياسي فيها ربما الخاسر الأكبر، إلى المفاضلة بين ثلاثة خيارات:

الخيار الأول: المواجهة وكانت عاقبته وخيمة. كما في مصر واليمن.
أما الخيار الثاني: الدخول في شراكات سياسية بعد إعادة صياغة رؤيتها وتحولها إلى العلمانية. كحركة النهضة التونسية، التي أفقدها هذا الخيار روحها وزخمها الإسلامي، ويظهر ذلك من خلال دعمها لقضايا تتعارض مع أدبيات ومبادئ الإسلام السياسي.

والخيار الثالث: الانسحاب من الحياة السياسية رسميًا والتحول إلى جماعات ضغط تأثيرية، تعمل في الفضاء السياسي العام من خلال إثارة الرأي العام للتأثير في سياسات معينة، والمشاركة في الانتخابات على صورة أفراد بمعنى عمل سياسي غير مباشر.

إن الطريقة التقليدية في ممارسة السياسة من خلال تأسيس وإعلان حزب سياسي، والسعي وراء السلطة هدفًا رئيسًا، والدخول في تحالفات سياسية، والوصول أخيرًا إلى سدة الحكم أو إقامة شراكة سياسية وتقاسم السلطة بين حزبين أو أكثر مرورًا بممارسة المعارضة للنظام الحاكم؛ أثبتت أنها ليست مجدية حتى لغير الأحزاب الإسلامية في عالمنا العربي.

فالحصول على السلطة عبر الانتخابات مستحيل وكأن الديمقراطية كذبة يضحك بها على الشعوب، وإقامة الشراكات السياسية مع السلطة وتقاسم السلطات يحتم على المشاركين تقديم التنازلات ما يفقد الأحزاب والمكونات كثيرًا من مبادئها وأساسياتها. ويدخل فيه ممارسة المعارضة للمنافسة للوصول إلى السلطة.

تمثل نظرية الإسلام السياسي مصدر قوة للأحزاب والمكونات الإسلامية؛ ذلك أنها تملك قاعدة وقبولًا ليس بمقدور غيرها من الأحزاب والمكونات الحصول على تلك القوة. إلا أن هذه القوة تراجعت مؤخرًا لأن الأحزاب التي تبنت الإسلام السياسي ودخلت المنافسة على طريقة العلمانية أعطت انطباعًا ونظرة لدى الشعوب أنها فاشلة، وتسببت في نفور الشعوب منها.

أثبتت الأحزاب والمكونات الإسلامية أن أداءها فاعل وكفؤ عندما تمثل جماعة ضغط؛ على أي شكل تنظيمي كانت؛ سواء حزبي معارض أو حتى جماعة غير سياسية لديها قدرة على توجيه الرأي العام وتحقيق أهداف إصلاحية أو إثارة الفوضى لتحقيق غاية ما.

فالقبول الذي تلقاه المكونات الإسلامية تفقده في حال كانت ضمن هيكل السلطة ولو شاركت بجزء بسيط.

ومع ما يقع من تبني استراتيجية ورؤية ضاغطة من مخاطر كالسجون والاغتيالات إلا أنها تحقق للمكونات والجماهير عدة مزايا أهمها:

1- قدرتها على توجيه السياسات المختلفة للحكومة، بحسب رؤيتها وأدبياتها.

2- الحصول على تأييد الرأي العام في غالب القضايا التي تتبناها نتيجة اكتسابها لقاعدة شعبية وتميزها عن التيارات التقليدية.

3- توفر قاعدة عريضة كانت ستقف عائقًا أمام الفساد؛ والابتعاد عن مشاركة الأنظمة في فسادها وتقليل قائمة المكونات الكثيرة والمتباينة مما يساهم في تضييق الفجوة المجتمعية.

4- إبعاد المكونات الإسلامية عن المشاركة في السلطة والحكم يمنحها حرية عدم التنازل لتحقيق أهداف سياسية. بالإضافة إلى منحها القدرة على ترك العلاقات المشبوهة مع الأطراف الخارجية، والحد من دوامة الصراع على المصالح في الداخل.

5- ضمان استمرارها لفترة أكبر مما لو كانت مشاركة.

6- التحول من مسار وطابع الأحزاب العربية؛ الذي رسمته الأنظمة؛ في تركيز الحزب على أهدافه الضيقة، وانتقاله إلى التركيز على تحقيق الصالح العام والذي تمثل التيارات المنعزلة سياسيًا جزءًا كبيرًا منه. وتمكين عدد كبير من العلماء والأكاديميين والشباب المنتج؛ من تحقيق ذلك بدلًا عن احتكار الحزب أو المكون لهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد