التقلبات الحادة التي عاشها جيلنا المنكوب في السنوات العشر الأخيرة غيرت كثيرا من القناعات واللاءات حتى أضحينا لا نعلم من من القافلة سيسقط غدا ومن منهم سيلحق بالركب.

آلاف من الكتاب والإعلاميين يؤيدون التوريث ثم يأخذون صف مبارك إبان ثورة يناير، وما لبثوا أن امتطوا جواد الثورة الرابح بعد التنحي، ثم لم يراهنوا إلا قليلا على جواد الإخوان الذي علموا أنه يناطح عساكر لا قبل للإخوان بهم فأخذوا جانب العسكر وجملوا انقلابهم.

هذه شريحة من الكتاب والإعلاميين هي الأكثر وضوحًا وهي السمة الغالبة للأعلام المصري الموجه. قليلون هم من داروا مع الحق حيث دار ودفعوا الثمن غربة وسجنًا وقتلًا وتشريدا ونفيًا وما زالوا قابضين علي جمار الحق رغم الآلام.

أما النوع الثالث من المعارضة المستأنسة، صنف متفرد هو الصنف المؤيد تماما للحاكم ولكن مرتديًا عباءة المعارض الواسعة الفضفاضة، الكل يراها كذلك إلا هو، هذا المعارض الكرتوني،

يحسب نفسه من مجاهدي الكلمة وهو ما زال يرتع في الحديقة الخلفية للحاكم الفرد الصمد، كان وكانت أيام ينتقد الحاكم وهو يحتسي قهوة الصباح ثم يبيت ليلته بين أولاده في المساء، كان عامًا استثنائيا في بلادنا المحكومة بالدبابة والكلاشينكوف، يتدلى لسانه علي وريقات أعدها ليسب الحاكم في أدائه وإدارته وكينونته وربما في أهل بيته، وكلما ازداد حلم الحاكم ازداد طول لسانه وسال لعابه حتى لكأنما صيغت مفردات السباب بلعاب من حبر مصفى. ثم تدور الأيام ويأتي حاكم آخر علي دبابة مطهمة يسمع دب النملة، يحاسب عل كل جرة بقلم، أو كلمة بعلن، أو فكرة لا تستطيع أن تولد من رحم معاناة.

ماذا ستفعل أيها الكاتب الممشوق العبارة؟ الخطة (باء) دائما حاضرة في ذهنه اللامع، قلم ينثني ويتغنى لحاكم مريض بالعظمة ليلا ثم ما أن يدركه الصباح حتي يحاول أن يقنعنا أنه معارض صلد،

وأن نومه في فراش الحاكم بالأمس لوجه الله لا شهوة،  يَقتُل الحاكم فيلوم «خيال المآتة» الضحية، يَسرِق الحاكم فيسب هو جهاز المحاسبات، يبيع الحاكم الجزر فيدعي هو أن تيران وصنافير سعوديتان، يهاجم الأتراك عل خياراتهم الحرة لأنها لا ترضي حاكمه النصف إله، ثم حتى لا تذهب حمرة وجهه خجلا، يعبأ قلمه بالكثير من الفياجرا ويأخذ نفسا عميقا ويصيح في حدة:

يسقط نادي الزمالك، عاش النادي الأهلي، ثم يسب وزيرا أو وزيرين وربما رئيس الحكومة.

وأين الفياجرا يا «مان»؟ ربما احتاجها لشأن آخر، يشعر بها أنه رجل بعد أن يمارس هوايته كل صباح في الرقص كغانية، ثم يعود المسكين يمارس هواية السجود للحاكم والأكل على مائدته المطهمة بالدماء.

ما يبكيك أنه يقنع نفسه ويحسب أنه أقنع الآخرين من المصفقين أنه مناضل وهو لا يعدو أن يكون داعرا ينام في فراش كل حاكم يرتدي القبعة ويحمل السلاح. المعارضة الأليفة معارضة صنعت على عين النظام بفكر ستيناتي متخلف بنظرية (صافرة وعاء الضغط) الذي يسمح بتسريب بعض البخار منعًا لانفجار وشيك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المعارضة, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد