بارتباك يقف المُجند المُهمل أمام قائده الذي يوشك أن يوقع عليه عقوبة لطالما حاول المُجند تجنبها باتباع أوامر قادته من أصغر صف ضابط إلى قائد وحدته الذي سيحصل على رتبة لواء عما قريب.

لحسن حظ المُجند أن قائده الرحيم فضّل إهانته على حبسه، ربما احتوت إهانته على لفظين نابيين، كان من الممكن أن يتظلم المُجند منها في الأوقات العادية، لكن لشعوره أن سلامة شهادة خدمته العسكرية على المحك، ابتلع اللفظين في صمت.

وإمعانًا في عقاب المُجند المُهمل سحب منه المهمة التي أهملَ فيها، وضيَّع في مقابلها امتيازات خاصة، وهي كتابة فصلين في رسالة دكتوراه العميد، ربما يذهب خيالك المريض إلى أن العميد – لا سمح الله – سخَّر مُجندًا في كتابة فصلين من رسالته على الكمبيوتر، كلا وحاشا أن يفعل ذلك، كل ما في الأمر أن المُجند كان مطالبًا بإعاداد الفصلين “من بابه”.

وطبعا إن ساورك القلق على مستقبل سيادته العلمي بعد أن سحب هذه الخدمة الوطنية من المُجند، فيجب أن أعلمك أنه لم يقدم على مثل هذه الخطوة قبل أن يجد بديلًا مناسبًا من “عساكر المكتب المستجدين” الذين يظنون أن مثل هذه الواجبات ستحميهم من غضبة كهذه ذات يوم، لكن هيهات.

دعني أذكرك – بالمرة – بذلك السؤال الذي لطالما راودك ولم تجد له إجابة فنسيته وهو كيف لرتب عسكرية كثيرة تحصل على العديد من الدرجات العلمية خارج تخصصهم العسكري برغم ضيق وقتهم، وبرغم معدلات درجاتهم في الثانوية العامة؟ ها أنت الآن عرفت الإجابة.

ليست هذه الصورة الوحيدة لعمليات السخرة للمُجندين أثناء فترة خدمتهم العسكرية، فهناك من يقوم بأعمال خاصة لقادتهم، وخارج حدود الميري، ذلك العُرف غير المكتوب، والذي يحكم الحياة العسكرية، فهناك مثلا من يُسخر لأعمال منزلية لدى قادة يستقبلون أسرهم في شاليهات متاخمة لوحدات عسكرية قريبة من البحر، فضلا عن خدمة القادة أنفسهم في مبيتهم العسكري تحت مسمى “متابعة” أو “سيكا”.

لعلك تذكر أيضا قضية سخرة المجندين التي بُرئ منها وزير الداخلية حبيب العادلي، في الحقيقة لا يسخر حبيب العادلي وحده المجندين في أعمال إنشائية من أجل أغراض شخصية، لكنه الوحيد الذي خضع لمحاكمة على فعلته هذه، عملاً بمبدأ “العجل لما يقع تكتر سكاكينه”، لكن الحمد لله فقد نجا العجل.

فعلى سبيل المثال هناك جمال – وهذا ليس اسمه – المجند الذي أخفى حقيقة مهنته كميكانيكي سيارات تجنبًا لتسخيره ضمن حملة الوحدة، أو لأي أغراض شخصية أخرى لقادته، اتخذ جمال هذا الموقف الحكيم بعكس مُجندين آخرين، نتيجة خبرة شخصية لأخيه الذي سُخر من أجل أعمال إنشائية لدى قائد وحدته أثناء خدمته العسكرية التي هرب منها لشعوره بالإذلال.

يحكي جمال لزملائه المستجدين بحسرة عن أخيه الذي ضاع مستقبله، فهو الآن متهرب من الخدمة العسكرية ومطلوب، ولا يستطيع السفر أو استخراج الكثير من الأوراق الرسمية، محذرًا من أن يكشف أحدهم عن مهنته الحقيقية.

والحقيقة أنه لو كانت تعلقت السخرة بفساد بعض القادة لكانت أهون من كونها عُرفًا متبعًا في المؤسسة العسكرية، ولو كان مجرد عُرف متبع لكانت أهون من كونها جزءًا معترفًا به ورسميًا ضمن الخدمة العسكرية.

هناك “عساكر الحملة” الذين يعملون على صيانة مركبات الوحدة المتهالكة تقريبا، والذين قد يضطرون إلى شراء قطع غيار على حسابهم الشخصي على سبيل الرشوة للحصول على إجازات ميدانية، أو تجنبا لأية عقوبات بسبب أعطال في المركبات التي في عهدتهم الشخصية.

وهناك “عساكر المزارع” التي يملكها الجيش ويتقاضى منها القادة أموالا بنسب من أرباحها دون أن يكون لهؤلاء المجندين أية مرتبات إضافية فوق ما يتقاضونه من الجيش (190 جنيهًا تقريبا)، بل ويعملون في ظروف غير آدمية وعدد ساعات طويلة ودون رعاية طبية.

وهناك من يقومون بأعمال السباكة والكهرباء والإنشاء وكثير من الأعمال غير القتالية داخل الوحدة العسكرية بل وخارجها في مشروعات الجيش التي يتغنى بها قادته ومجاذيبه، ودون أن تكلف ميزانية الدولة مليمًا كما يقولون، وكيف تُكلف الميزانية طالما العمالة مجانية والخدمات والأراضي المملوكة للدولة تحت سيطرة الجيش.

يبقى أن تعرف ما هو المشترك بين هؤلاء المجندين، وما الذي يجعلهم يقبلون هذه السخرة، ولماذا لم تسمع عن مثل هذه القصص من قبل؟ الإجابة واحدة على كل هذه الاسئلة وهي أن أغلب هذه الأعمال يقوم بها أصحاب مُدد الخدمة الأطول، أصحاب الشهادات المتوسطة والمتدنية، “عساكر المتوسطة والعادة” كما يحب أن يسميهم القادة، أصحاب النصيب الأقل دائمًا من التعليم والفرص والظروف الآدمية في حياتهم المدنية، الذين يقبلون بنفس الظروف تقريبًا في دول الخليج، بل وفي وطنهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد