تعلمت أن كل شىء له ثمن، أية راحة، فرحة، أو هدف عليه ضريبة ندفعها من شقاء وقلق وتعب وسعي ومال، وفقدان أشياء أخرى فى المقابل، ولكن هل لكل هدف ثمن حقًا؟

حديث الناس المشتعل عن الأسعار وفجورها مؤخرًا بعث في نفسى تساؤلات عدة، خاصة وهم يقولون قولهم الشهير «كل حاجة بتغلى ماعدا البنى آدم بس هو اللى بيرخص»، ما يدهشنى حقًا هو ترديدها ببساطة ويقين، هل تدرك فعلًا معنى أن يرخص الإنسان؟

الإنسان الذى يبني ويهدم، يرشد ويضيع، يفقه الطريق ويتوه، ينحرف ويستقيم، يصنع الآلات ويسيِّرها، يكتشف، يعلم ويجهل، يروى ويُجدب أرضًا، يقتل ويقيم حياة، كل هذا يرخص!

معنى أن يرخص الإنسان حقًا هو أن تصبح المنتجات والسلع لها قيمة أعلى من قيمته، أى تهون حياته وصحته لأن الدواء أغلى من قدرته المادية، ويموت جوعًا؛ لأنه لا يستطيع الحصول على قوته، وشبر الأرض يستحيل ذهبًا لا يساوى ذرة من ترابه، وهذا ما نراه فى سوق العقارات، والأنفاس تتحول إلى عوادم تخرجها سيارة فارهة ليستنشقها؛ لأنه بعدما فقد غذاءه ودواءه ومسكنه أُلقى في الشارع كالكلاب الضالة، ومعنى هذا كله أن يفقد كرامته على رأس القائمة، فيعيش ذلًا وقهرًا، وباختصار رخص الإنسان معناه الجحيم فى الأرض بالنسبة للمواطن العادى والفقير طبعًا! والمقولة صادقة، ولكنى أستنكر البساطة التي تقال بها، فكيف تحدث الفظائع ونعتاد عليها بهذا الشكل البليد؟ نحن نعيش فى واقع مريض مجنون وظالم، كيف تنقلب الموازين الإنسانية تحت ثقافة التسعير؟

التسعير هو أن تضع لأى شىء ثمن وتفكر هل تقدر عليه أم لا، والسعر ينبع من فائدة الشيء وندرته، فإن لم تتسع قدرتك الشرائية أو ما تستطيع تقديمه كثمن فأنت أرخص من هذا الشيء، وهذا له منحنى آخر، وهو أنك لا إراديًا تدرج نفسك ونفسى وأي إنسان تحت مظلة التسليع، فنحن مجرد سلع رخيصة الثمن ليس لها قيمة عالية أو تواجدها نادر والطلب عليها متزايد حتى ترتفع أسعارها وقيمتها، فالمعروض منا أكثر بكثير من المطلوب فضلًا عن أننا لسنا بالجودة المطلوبة لنصنع شيئًا قيمًا أو ثمينًا.

هل أدركت مدى وقاحة المفهوم وحقارته؟ وإن فكرنا بمنطق التاجر وأردنا رفع سعرنا ونكون ذوى قيمة فلنكن أفرادًا يمكنها صنع الثمين باحترام العمل ونردع أصحاب المصالح والمنتفعين لأجل مصلحتنا الكبرى.

وأرى أيضًا أننا فى ظل التسليع خسرنا انتماءنا أيضًاـ وهذا واضح فى البلادة التى يعمل بها الناس والتكيف البادى على عيونهم إزاء أى فساد يساهمون فيه أو يقع عليهم بلا حتى أدنى اعتراض أو رفض أو محاولة للتصليح، ويتضح أيضًا في حالة اليأس التى نعيشها جميعًا.

ولا ألقى لومًا ولا عتابًا ولا أسرد كلامًا فقد مفهومه من كثرة تكراره، وإنما أشير إلى تأثير البعد الاقتصادى على النفوس والحياة العامة ونظرتنا أصلًا لبلدنا، ويمكنك رفض أى سلعة يكون سعرها أعلى من قيمتها الحقيقية، فلهفتك عليها وإصرارك على الشراء لا يرفع من ثمنها فقط، وإنما يخفض من سعرك أنت أيضًا، مع تغليف رفض السلع خيالية الأسعار بالانتاج لنجد البديل الواقعى الذى يمكن الاعتماد عليه، وذلك يحتاج إلى قرار جماعى ورغبة حقيقية فى انتشال أنفسنا الورطة الجماعية التى سقطنا فيها، وتلك رغبة مختفية تمامًا.

الإنسان لا سعر له؛ لأنه أغلى وأعلى من أى تسعير أو تسليع، ثمة أشياء لا تقدر بقيمة؛ حيث إننا إذا أدرجناها تحت قيم السوق الصارمة نكن ظالمين وباخسين لها وأولها كرامتك، ارفض ما يمكن رفضه، ولا ترضى بثمن يحنى جبهتك، أتفهم ما أقصد؟ لا أتحدث عن رفض ثمن السلع فقط بالطبع!

أنت إنسان ولست سلعة…

فاطمة ماضى

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد