لم يكن انتخاب رئيس الحزب الليبرالي الكندي “جوستان ترودو” رئيسًا للوزراء بالأمر الهين، خاصة بعد هيمنة حزب المحافظين على مقاليد الحكم خلال العقد الأخير ولكن ضيق الكنديين بسياسات “ستيفن هاربر” الرئيس السابق للحكومة الكندية دفعتهم لإزاحة المحافظين واستبدالهم بالليبراليين في الانتخابات التي جرت يوم 19 أكتوبر الماضي.

وواجه “ترودو” عديدًا من التحديات الممثله في حزمة من الوعود الانتخابية التي وعد بتحقيقها إذا ما نجح حزبه في تشكيل الوزارة وتمثلت بعض هذه الوعود فيمايلي:- سحب القوات الكندية المقاتلة من العراق وسوريا والاكتفاء بتدريب القوات المحلية، عمل تشكيل وزاري يتساوي فيه الجنسان ويمثل جميع المقاطعات الكندية، إحياء الدور الكندي حول العالم، واستقبال 25000 لاجئ سوري قبل نهاية العام الحالي.

لم ينمكثير من الكنديين ليلة 19 اكتوبر الماضي واحتبست الأنفاس في انتظار لحظة إعلان الفائز في الانتخابات الفيدرالية وخرج الكنديون صغارًا وكبارًا في الشوارع احتفالاً باكتساح “جوستان ترودو” ليصبح رئيس الوزراء الثالث والعشرين لكندا وتبقى التساؤلات هل ينفذ “ترودو” وعوده الانتخابية؟ وهل يكون المنقذ الجديد لكندا بعد 10 سنوات من الضياع تحت حكومة المحافظين!

بعد سويعات قليلة من إعلان النتيجة وفي حوار تليفوني دار بينه وبين الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” أعلن “ترودو” عن أول قراراته وهو سحب القوات الكندية العسكريةالتي تقاتل في الجبهتين العراقية والسورية مع الاكتفاء بتقديم الدعم والتدريب للقوات المحلية وصادف هذا القرار ترحيبًا لدى عدد كبير من الكنديين الرافضين للتدخل العسكري تحت الوصاية الأمريكية.

جاء يوم 4 نوفمبر ليسجل حدثـًا تاريخيًا في كندا حيث جاء التشكيل الوزاري مطابقـًا لوعد رئيس الوزراء الذي نجح في تأليف وزارة مكونة من 30 وزيرًا تساوى فيه الجنسان وشهد هذا التشكيل عديدًا من المفاجآت كوجود وزيرة مسلمة لأول مرة فيالتاريخ الكندي وهي “مريم منصف” التي جاءت لكندا 1995 كلاجئة سياسية،وكانت المفاجأة الكبرى اختيار وزير الدفاع الكندي من أصول هندية ويرتدي عمامة السيخ، وذلك لترسيخ مبدأ الانفتاح على جميع الجاليات والأقليات، ولم يكتف “ترودو” بكل هذه المفاجآت التي أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي في كندا بل قام بتعيين 2 من الوزراء من ذوي الحاجات الخاصة.

تعتبر كندا من أكثر البلدان في العالم قبولاً للمهاجرين، وبعد تطور الأحداث في سوريا وهروب الآلاف من السوريين لأوروبا توجهت الأعين تجاه كندا، حيث اعتقد أو تمنى كثيرون أن تقوم الحكومة السابقة، باستقبال عديد من اللاجئين ولكن “ستيفن هاربر” رئيس الوزراء السابق صدم الكثير عندما أعلن أن حكومة بلاده لن تقبل أكثر من 3000 لاجئ سوري وستكون الأولوية لغير المسلمين، وبعد الانتقادات التي وجهت إليه أعلن عن زيادة الأعداد المقبولة من اللاجئين لتصل إلى 10000 لاجئ سوري يتم استقبالهم في كندا بحلول عام 2017.

من وعود “ترودو” الانتخابية استقبال 25000 لاجئ سوري بحلول نهاية الحالي 2015 وهو أمر ليس من السهل تحقيقه خاصة مع انتشار تزوير جوازات السفر السورية بالإضافة لصعوبة التأكد من خلفية من سيتم اختيارهم من اللاجئين للقدوم إلى كندا ومع ذلك تمسك رئيس الوزراء بوعده الانتخابي باستقبال هذا العدد الضخم من اللاجئين، ولكن من غير المعروف حتى الآن ما هي الاستراتيجية التي ستتبعها الحكومة الجديدة من أجل استقبال هذا العدد الضخم في خلال شهرين!

تغيير السياسة الكندية والاضطلاع بدور مهم في الحفاظ على السلام العالمي كانت من أهم الوعود الانتخابية لـ”ترودو” الذي يبدو حريصًا على تنفيذ كل وعوده لذلك أرسل رسائل لجميع السفراء الكنديين في الخارج قائلاً لهم:إنه يثق في خبرتهم وحسن تصرفاتهم لتحقيق سياسة كندا الخارجية واستعادة دورها القديم، وتعد رسالته تحريرًا للدبلوماسيين الكنديين في الخارج حيث قلصت الحكومة السابقة من سلطات السفراء بل حرصت على أن تعرف بتفاصيل كل المؤتمرات والحوارات الصحفية بين دبلوماسييها في الخارج ووسائل الإعلام.

حتى الآن نجح “ترودو” وبذكاء في مواجهة جميع التحديات التي واجهته منذ إعلان فوز حزبه بأغلبية برلمانية، مرورًا بتشكيله للوزارة واتخاذه قرارات سريعة، وشكلت هذه الخطوات ترحيبًا كبيرًا من أطراف المجتمع الكندي كافة،بل أعلن أحد المنافسين السابقين للترشح لرئاسة الوزراء تأييده لهذه القرارات كافة، والتي انتظرها الكنديون بفارغ الصبر منذ 10 سنوات.

العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا خاصة جدًا ويصعب على كثيرين فهمها لتشابكها وتعقدها والبلدان يعتمدان على بعضهما بعضًافي كثير من الأمور لذلك فأغلب القرارات التي تتخذها أمريكا توافق عليها كندا مباشرة مثل موافقة الحكومة السابقة على المشاركة العسكرية في الحرب ضد داعش برغم رفض أغلبية الكنديين مثل هذا الأمر.

كان أول قرارت”ترودو”سحب القوات الكندية المحاربة من سوريا والعراق وهو ما يمثل صدمة للولايات المتحدة التي دائمًا ما تنظر لكندا أنها الحليف الدائم لها في جميع القرارات وفي الاتصال التليفوني الذي دار بين الزعيمين الكندي والأمريكي سأل الأخير قائلاً: “لماذا قررتم سحب الجنود من ساحة المعركة”؟ وكان رد “ترودو” لأن الكنديين يرغبون في ذلك. يبدو أن الأمريكيين لم يتقبلوا هذا القرار؛ لذلك جاء رد فعلهم سريعًا وعاصفـًا، وذلك من خلال رفضهم للمشروع الكندي أنبوب “كيستونإكس إل”.

وهدف المشروع الكندي إلى بناء أنبوب لنقل النفط الخام المستخرج من الرمال الزفتية في مقاطعة البرتا بغرب كندا إلى مصافي النفط الواقعة في ولاية تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية وقدرت تكلفة إنشاء الأنبوب 7 مليار دولار وكان من المتوقع أن يخلق ما يقرب من 20000 فرصة عمل بالولايات المتحدة. ويقول العالمون بخبايا الأمور أن الإدارة الأمريكية لم ترفض المشروع أثناء وجود حكومة المحافظين في كندا بسبب تبعيتهم الدائمة لما تقوم به الولايات المتحدة، ولكن وبعد قدوم حكومة جديدة وإعلانها سحب قواتها من العراق وسوريا،أعلنت أمريكا رفضها المشروع بحجة أنه يسبب أضرارًا بيئية.

لم يمض أسبوع،لحظة كتابة هذه السطور، على تأليف “ترودو” لوزارته إلا أن الأحداث التي مر بها والقرارات التي اتخذها أدت إلى زيادة شعبيته لدى الكنديين على الرغم من الفتور الذي بدأ يظهر بين كندا “الجديدة” والولايات المتحدة الأمريكية، ومن ناحية أخرى فـ “ترودو” معروف عنه توجهه الليبرالي وبعده التام عن العنصرية ووقوفه على الحياد من جميع الأقليات والعرقيات الدينية في كندا عكس رئيس الوزراء السابق المعروف عنه توجهه العنصري ضد الأقلية المسلمة وضد الشعب الفلسطيني بل ضد سكان البلاد الأصليين.

جدير بالذكر أن الجالية اليهودية أيدت وشجعت رئيس الوزراء السابق “ستيفن هاربر” بل قدموا له دعمًا ماديًا تجاوز المليون دولار لمساعدته في الفوز بالانتخابات نظرًا لمواقف “هاربر”ضد المسلمين الكنديين بصفة عامة وضد الفلسطينيين على طول الخط؛ لذلك صدمت الجالية اليهودية بعد نجاح “ترودو” في الانتخابات الفيدرالية، لم تكن الصدمة من نصيب الجالية اليهودية فقط بل كان الحزن باديًا على بعض المصريين بعد نجاحه ولهذا قصة أخرى.

و”جوستان” هو نجل رئيس الوزراء الأسبق بيار إليوت ترودو (1968-1979 و1980-1984) وولد رئيس الوزراء الكندي عام 1971 وعرف عنه الطيش والتهور في فترة شبابه وكان يرفض أن يقترن اسمه مع والده ودائمًا ما قال: “سوف أبني مستقبلي بنفسي”ترودو” حصل على بكالوريوس في الآداب من جامعة مكجيل في مونتريال وبكالوريوس في التربية من جامعة كولومبيا، وبعد التخرج، عمل مدرسًا للغة الفرنسية والرياضيات في أكاديمية ويست بوينت في مدينة فانكوفر.لم يكن مستقبل “جوستان” واضحًا في فترة شبابه إذ تنقل بين أكثر من جامعة وعاش في عدة مدن كندية ومارس رياضة الملاكمة، ويبدو أنه في تلك الفترة لم يكن متأكدًا من ماهية الطريق الذي ينبغي أن يسير فيه!

تزوج “جوستانترودو” من المذيعة التلفزيونية “صوفي غريغوار” في 28 أيار 2005 وهو أب لثلاثة أولاد هم : “كزافيهجايمس”، “أيلا غرايس” و “أدريان”.

بدأ “ترودو” الابن حياته السياسية منذ عام 2008 عندما أصبح عضوًا في مجلس العموم الكندي ممثلاً عن الحزب الليبرالي وناطقـًا باسمه في شؤون التعددية الثقافية والشباب، ثم أعيد انتخابه لدورة أخرى عام 2001 ومع بدايات عام 2013 ومع نجاحات الشاب وتطلعاته وطموحاته أصبح “ترودو” زعيمًا للحزب الليبرالي واتخذ على نفسه وعدًا في ذلك اليوم قائلاً: “كندا مشروع ضخم لم يتم إنجازه بعد، وبأنه يتعين على الليبراليين والكنديين المساهمة في صنع البلد الذي نحلم به”.

الصعوبات التي تواجه رئيس الوزراء عسيرة، وقد اعترف بها أمام حشود من الكنديين طالبًا منهم أن يساعدوه ويقفوا مع فريقه من الوزراء، يري بعض الخبراء أن أصعب هذه التحديات هي مسألة اللاجئين السوريين خاصة بعد التفجيرات التي حدثت في فرنسا، والتي قد يتهم بها مسلمون وسوريون، ولم تمض عدة سويعات بعد حدوث التفجيرات الإرهابية إلا وامتلأت السوشيال ميديا ببعض الاستفسارات من الكنديين تتساءل هل ستكون كندا آمنه إذا أحضرنا هؤلاء اللاجئين؟

وطالب بعض المختصين في الهجرة رئيس الوزراء الكندي بالتروي وعدم إحضار 25000 لاجئ سوري بنهاية هذا العام حيث إن فترة شهرين غير كافية لعمل التحريات اللازمة حول خلفية اللاجئين، كما تشكك بعضهم فيقدرة الحكومة على تسكين هذا العدد الكبير في فترة 60 يومًا فقط، وطالب بعضهم باستقبال اللاجئين خلال 6 شهور على أن تستقبل كندا كل عام ما يقرب من 25000 لاجئ سوري.

وحتى لحظة كتابة هذه السطور لم يقدم “ترودو” مقترحاته حول هذا الأمر، وإن كان قد أرسل رسالة لوزير الهجرة الكندي يطلب منه الاستعداد لاستقبال 25000 لاجئ سوري كما وعد أثناء حملته الانتخابية.

رئيس الوزراء الكندي شاب يحمل كثيرًا من الأحلام والطموحات ولديه عقلية متفتحة ويرغب في التقارب مع جميع الكنديين باختلاف عقائدهم، وهي فرصة ممتازة لم تكن متاحة وقت الحكومة السابقة وأتمنىأن تتحد الجاليات العربية والإسلامية وتقف يدًا بيد مع “ترودو” لمساعدته على مواجهة التحديات المقبلة ولتعود كندا كما كانت عليه من قبل، ولكن هل يستطيع الشاب الوسيم مواجهة كل هذه التحديات؟



هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد