لطالما كنت أعتقد أن الأشخاص البدائيين الذين قطنوا هذه الأرض في الأزمان الغابرة كانوا أذكياء وأقوياء جدًّا، لأنهم تمكنوا من النجاة بأبسط الأشياء ضد الحيوانات المتوحشة التي تسكن الأرض. فلنحمد الله أن أسلافنا لم يقرروا تجربة الوقوع في النار، تجربة لدغة الأفعى المميتة، أو حتى السباحة في المحيط، فلولا غريزة البقاء تلك، لهلك نسلنا البشري وكنا لننقرض حتى قبل بدايتنا.

أسلافنا كانوا جد حذرين وفطنين في تلك الحقبة، وهذا ما ساهم في تطور البشرية إلى ما هي عليه الآن من تنوع وثقافة وحضارة بلغت أسمى مقاصدها. لكننا وللأسف، ما زلنا نعتقد أن أسلافنا كانوا أقل منا ذكاء ـ هذا صحيح ووارد ـ ولكن ليس بتلك الدرجة التي نعتقدها، والتي على إثرها أصبحنا نقيس جواهر كل الأشياء التي ورثناها عنهم جيلًا بعد جيل.

ما يزال الرجل البدائي كل مرة يخبرنا عن الطريقة التي كان يتعايش بها، وعن الأدوات التي كان يستعملها، بل كان يصور لنا بعض المخلوقات التي كان يشاهدها وينقشها على الحجر لكي يترك لنا صورة مصغرة عن الحياة التي كان يعيشها، لكن ما أغفلناه نحن جيل المستقبل، هو أن البدائي لم يكن غبيًّا لتلك الدرجة، بل كان مبدعًا يستخدم خياله وإبداعاته في تصوير الأمور، فيوجد اليوم الآلاف من النقوش والرسومات والآثار التي عمد الرجل البدائي إلى إيصالها لنا بطريقته الخاصة، لكننا وكما أسلفت الذكر أغفلنا الجانب الإبداعي الخلاق لهذا الرجل الذي استطاع أن يحافظ على نسله منذ فجر التاريخ.

أنا أعتقد أنه ربما كان ليوجد أحدهم، بدرجة فائقة من الذكاء لكي يستغفلنا، ويجعلنا نصدق بأن هذه المخلوقات قد وجدت حقيقة، وربما قرر أن ينقش على الحجر بعضًا من تخيلاته العميقة، لتصل لنا أخيرًا على أنها مسلمات فكرية شاهدها الرجل البدائي بأم عينه على أرض الواقع فقرر أن يرسمها.

نحن اليوم ندرس علم الأثار، اعتمادًا على حتمية الوجود الحي والمادي للأشخاص والحيوانات والأشكال التي أراد أسلافنا أن يورثوها لنا، لكننا ننفي فكرة أنه ربما قد يكون أحدهم قد استغفلنا، وقرر أن يرسم بقرة تحمل رأسين، أو حصانًا في جسم إنسان، أو غيرها من التخيلات التي من الممكن أن تطرأ على ذهن الرجل البدائي.

نحن لم نلتزم أيضًا بقياس بموهبة الرجل البدائي، فلربما كان صاحبنا غير موهوب في الرسم ولا يجيده بتاتًا، وبمحاولته أن يوصل لنا الحقيقة، فشل في ذلك اعتبارًا من عدم قدرته على رسم الأشياء، فرسم مثلًا إنسانًا يحمل سبعة أصابع، أو رجلًا ذا رأس كبير.. إلخ لسوء الحظ، نحن اليوم ندرسها على أنها مسلمات إرثية أثبت وجودها أسلافنا ونحن مجبرون على البحث والتقفي على أثارها.

ومثالًا على ذلك تاريخيًّا، نجد أن الرسام الإيطالي ليوناردو دافنشي، هو من أكثر الشخصيات التي كانت وما زالت تستهزئ بنا إلى يومنا هذا، فلقد ظل المسيحيون يقدسون «كفن تورينو» أو المعروف أيضًا بـ«كفن المسيح»، لمدة خمسة قرون من الزمن، وذلك اعتقادًا منهم بأنه كفن المسيح الذي لف عليه بعدما صلبه أعداؤه، لكن وبعد تطور العلم الحديث، وباستعمال تقنية الكربون 14، اكتشف العلماء أن هذا الكفن لا يمت بصلة إلى الحقبة التي عاش فيها المسيح، ونُسب هذا الكفن إلى أعمال ليوناردو دافنشي ـ والتي تعد من أولى عمليات التصوير في التاريخ الإنساني.

فكرة وجود إله وجبت له الطاعة، هي فكرة مغروسة في الإنسان البشري ـ بدائيًّا كان أم متحضرًا ـ هي ما جعلت الشعوب البدائية تميل إلى تصور وخلق آلهة من العدم، قصد عبادتها والتقرب اليها وذلك لإشباع رغباتهم الروحية.

ومثالًا على ذلك، أكبر مدينة صخرية في العالم، مدينة «سيفار» التي تقع في الجنوب الجزائري قرب مدينة «جانت» والتي جرى اكتشافها حديثًا. في هذه المنطقة الغريبة، يوجد الآلاف المؤلفة من الرسوم الجدارية والنقوش التي تعود إلى حقبة ما قبل التاريخ وتحديدًا 15 ألف سنة قبل الميلاد.

أغرب ما في هذه المدينة، هو نقش يصر السياح دومًا على زيارته لأنه يعد من أجمل الرسومات، يسمى بـ«Le grand dieu» أو «الإله الأكبر»، وتتمثل هذه المنحوتة المصورة في مخلوق غريب لا يشبه البشر، يرفع يديه عاليًا، وحوله مجموعة من البشر يؤدون فروض الطاعة والولاء.

لا يمكن للإنسان العاقل أن يعتقد بوجود هذه الأشياء قديمًا، ولا يمكننا إلا أن نعدها تصورًا فكريًّا للأفكار العقائدية التي كان يؤمن بها من سكنوا هذه المنطقة قديمًا.

نحن نميل إلى تصديق الإنسان البدائي ونتناسى اعتباطًا أخلاقه وأفكاره ومبادئه، فالتنوع الذي نعرفه اليوم، يعود أصله إلى التنوع الذي كان يوجد في أسلافنا، فمنهم الذكي، ومنهم الغبي، ومنهم الشرير، ومنهم الخير، ومنهم الكاذب، ومنهم الأمين، إلى غيرها من الفضائل والأخلاق ـ جيدة كانت أم سيئة ـ ولكن ولسوء الحظ، نحن اليوم ندرس كل مخلفاته على أنها مشاهدات مرئية حدثت على أرض الواقع، بينما يعود أصلها في الحقيقة إلى فكر الرجل البدائي ومعتقده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد