فيصل بن حسين، هو السهم العربي الذي أطلقته سواعد ثورة الصحراء، فيصل هو القائد الأول للثورة العربية الكبرى بعد أبيه ملك الحجاز، الشريف حسين، تلك الثورة التي انطلقت من أرض الجزيرة العربية في يونيو (حزيران) 1916، ولقد تمكن فيصل ومن معه من مقاتلين عرب وبريطانيين من دخول سوريا في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1918. فيا تُرى هل سيجلس فيصل على عرش سوريا كما وعده بذلك حلفاؤه من البريطانيين؟ أم أن هناك أمورًا ستحُولُ بينه وبين العرش؟ لِنَرَ ما الذي قابل فيصل في رحلته نحو المُلْك.

وبداية يروق لي أن أبدأ الكلام بنبذة مختصرة عن طبيعة الأطراف الفاعلة. ولتكن طبيعة المكون البشري على أرض سوريا، هي الطرف الأول، لتكون معه البداية.

تتميز سوريا بأغلبية مسلمة سُنِّية منتشرة في كل الأرجاء باستثناء بعض الأماكن، تلك الأغلبية السنية كانت ذات أهمية سياسية كبيرة مؤثرة، أو هكذا ينبغي أن يكون لها على عكس الجماعات أو الطوائف الأخرى. كطائفة الشيعة التي يعتقد أهلها معتقد شيعة العراق وإيران الذين  توزعوا بين سهل البقاع والمدن القائمة إلى جنوب بيروت ولبنان الجنوبي، وهؤلاء قد شكلوا أكثرية محلية، ولقد كانوا في الغالب يمثلون طبقات فقيرة. وهناك أيضا طائفة الإسماعيلية، وكانوا يقطنون منطقة حماة، إضافة إلى تجمع صغير تحت اللاذقية.

وأما طائفة العلويين أو النصيريين، فلقد كان أهلها يقطنون في منازل جبلية خلف ساحل اللاذقية وغرب نهر العاصي. وأما الدروز، فقد تجمعوا في ثلاثة تجمعات رئيسية، أولها في ذلك القسم من جبل لبنان الذي تقاسموه طوال قرون مع الموارنة، وثانيها، على منحدرات حرمون، وثالثها في الجبل المسمى باسمهم جبل الدروز الذي يقع شرق مقاطعة حوران، إضافة إلى تلك الطوائف كان يوجد بعض اليهود الذين قُدِّر عددهم وقتئذ بـ20 ألفا. وهناك أيضا اليزيديون الناطقون باللغة الكردية. هذا إلى جانب المسيحيين بمختلف طوائفهم.

وأما الطرف الثاني، فيتمثل في بريطانيا، وشريكتها فرنسا.

ولقد وضعت بريطانيا، فلسطين تحت إدارة عسكرية بريطانية، وأطلقت عليها اسم: الإدارة الجنوبية لبلاد العدو المحتلة، مقر هذه الإدارة في بيت المقدس، يديرها أحد القادة الخاضعين للورد اللنبي القائد العام لقوات الاحتلال البريطاني وحليفاتها في الشرق. كانت هذه الإدارة الإنجليزية تحكم المنطقة الممتدة من الحدود المصرية جنوبًا حتى خط الناقورة غربا، ونهر الأردن شرقا، ولواء القدس، ولواء نابلس، ولواء عكا. ثم أنشأت بريطانيا بعد ذلك، الإدارة الشرقية لبلاد العدو المحتلة، تضم داخل سوريا من معان جنوبا حتى حدود تركيا الجنوبية شمالًا مع أقضية إدلب وجسر الشاغور، والباب غربًا والفرات شرقًا.

في هذه الأثناء، لم يقف الفرنسيون موقف المتفرج، فلقد طلبوا من بريطانيا تمكينهم بأخذ نصيبهم من أقاليم الشرق العربي الآسيوي، ومن ثم توالت اتصالات ومفاوضات بين الدولتين، دون أن يشاركهما أحد من العرب. وانتهى الأمر إلى توقيع اتفاق في سبتمبر (أيلول) 1918، ليقررا إنشاء الإدارة الغربية لبلاد العدو المحتلة، وتشمل جبل لبنان، ولواء طرابلس، ولواء اللاذقية، وقضاء أنطاكية، وقضاء اسكندرونة، وهذان القضاءان من ولاية حلب، ووضعِت هذه المنطقة بأكملها تحت النفوذ الفرنسي.

وأما الطرف الثالث، فهو فيصل بن الشريف حسين، الذي سافر إلى فرنسا لحضور مؤتمر الصلح، عارضت فرنسا ورفضت حضور فيصل، فتدخلت بريطانيا من خلال توماس إدوراد لورنس، الذي أقنع فيصل بالاجتماع مع ممثل الصهيونية العالمية وقتئذ حاييم وايزمان، فحصل الأخير على اعتراف من فيصل بتحقيق وعد بلفور، على أن يحصل العرب على استقلالهم. ولقد نقل جورج أنطنيوس، نص هذا الاتفاق في كتابه يقظة العرب. كما أكد عليه الدكتور جمال عبدالهادي، في كتابه الطريق إلى بيت المقدس.

وبناء على اقتراح الرئيس الأمريكي ويلسون فقد قرر المؤتمرون ، في مارس (آذار) 1919، تشكيل لجنة تضم أعضاء من، بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية، على أن تسافر هذه اللجنة إلى البلاد العربية للتعرف على رغبات السكان وأمانيهم. وقد عُرِفت باسم لجنة كنج – كرين. عاد فيصل من باريس إلى بيروت في أبريل (نيسان) 1919، ولقد استقبلته الجماهير العربية استقبال الفاتحين. ما كانت الجماهير تعلم شيئًا عن أمر التفاوض في باريس.

في العاشر من يونيو (حزيران) 1919، وصلت لجنة كنج – كرين الأمريكية إلى يافا لتتسلم مذكرة بالمطالب العربية، والمتمثلة في، الاعتراف باستقلال سوريا كلها بما في ذلك فلسطين ولبنان، على أن تكون دولة ذات سيادة على رأسها الأمير فيصل ملكا، والاعتراف باستقلال العراق.

ثم إلغاء اتفاقية سايكس – بيكو ووعد بلفور، وأي مشروع لتقسم سوريا أو إنشاء دولة يهودية في فلسطين، ثم رفض الوصاية السياسية التي تتضمنها النظم الانتدابية المقترحة، مع قبول المعونة الأمريكية أو البريطانية، ورفض المعونة الفرنسية بأي حال من الأحوال.

حملت لجنة كنج – كرين الأمريكية، مطالب العرب، وعادت إلى باريس في سبتمبر 1919، لتجد أن هناك أمورا أخرى قد تم تدبيرها. فلقد اتخذت أوروبا قرارها باستبدال القوات البريطانية بأخرى فرنسية في القطاع الغربي، وبقوات عربية في القطاع الشرقي، إلى جانب استبدال القائد العام البريطاني بآخر فرنسي في بيروت. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 1919، وصل إلى بيروت، الجنرال هنري غورو ليتسلم منصبي المفوض السامي والقائد العام للقوات الفرنسية. وفي نهاية العام 1919، كانت القوات البريطانية قد تجردت من كل سلطاتها العسكرية والمدنية في سوريا، وبذلك فلقد أصبح المسرح في سوريا خاليًا إلا من الفرنسيين والعرب.

أما فيصل فكان قد تلقى دعوة في أغسطس (آب) 1919، للذهاب إلى لندن، لكى يتعرف على فحوى القرارت التي اتفقت عليها بريطانيا وفرنسا، وبالفعل وصل فيصل إلى لندن في النصف الثاني من سبتمبر1919، ولقد أبدى اعتراضه على بعض بنود ذات مغزى بالنسبة للخطط الفرنسية المقبلة، والتي ستجعله عاجزًا أمامها. ألحَّ فيصل بالدعوة إلى مؤتمر للدول الكبرى الثلاث، للبتِّ في الأمر السوري، بتًّا يتناسب مع الوعود المعطاة في زمن الحرب، ولكن طلبه قوبل بالرفض، ومن ثم لقد اتضح جليًا، أن دفاع بريطانيا عن الاستقلال العربي قد وصل إلى نهايته، ولقد صار بأيد الفرنسيين.

عاد فيصل إلى بلاده في يناير (كانون الثاني) 1920، ولقد شهدت البلاد في فترة غيابه توترات سياسية وكذلك صعوبات اقتصادية؛ وذلك مما أثار الغضب والحنق ما بين عموم الشعب السوري على كافة مستوياته.

أدرك فيصل طبيعة الوضع القائم، كما أيقن أنه أمام خيارين، فإما أن يتبنى سياسة القوة والمقاومة، وإما أن يعتزل الحكم، وبرغم علمه بذلك، فلقد ناشد أتباعه أن يُظهروا الصبر، وأن يمنحوه الوقت الكافي، ولكن ما كان باستطاعته إقناعهم بأن الاتفاقات التي أبرمت في أوروبا لن تضر بسوريا، ومن ثم فلقد كان عليه أن يتماشى مع مواقفهم المناهضة للفرنسيين. ومع تزايد وتعاظم وتيرة الأحدث، أدرك فيصل أنه ينبغي عليه أن يؤمِّن مُلْكَه أولا ويُثبِّت أقدامه في الحكم  حتى يتحرك كملكٍ للبلاد.

وبالفعل، في فبراير (شباط) 1920، قام بإحياء المؤتمر القومي، الذي كان قد أصدر أوامره بحله من قبل، وقد التقى غالبية الأعضاء ومعهم عدد من غير المنتخبين، وغيرهم من ممثلي الأحزاب السياسية، وآخرون من المشايخ والمحامين ورجال الدين، التقى كل هؤلاء سرًا في 27، من فبراير، فيما عُرِف باسم مؤتمر فلسطين لمناقشة الموقف والقرارت التي ينبغي عليهم اتخاذها. تمخض عن اجتماعهم هذا، الإعلان عن أن فلسطين جزء من سوريا، واستنكروا الصهيونية بشدة، ولقد نقلوا قراراتهم إلى عواصم أوروبا.

وفي السادس من مارس من نفس العام، وقف فيصل أمام جميع أعضاء المؤتمر الوطني ليلقي خطابا ذَّكر فيه بوعود البريطاني ماكماهون وبأقوال الرئيس ويلسون، ثم ذكَّر بالخدمات التي قام بها العرب زمن الحرب، ثم تكلم فيصل عما ينبغي للدولة من نظام ودستور. بعده تكلم كامل القصاب باسم لجنة الدفاع الوطني، فدعا المؤتمر إلى إعلان نظام برلماني دستوري، وإلى اختيار فيصل ملكًا. بعد ذلك اجتمعت لجنة أخرى مكونة من تسعة أعضاء، برئاسة هاشم الأتاسي،  للرد على خطاب الأمير فيصل، ولقد قرر الأعضاء ضرورة تشكيل حكومة وطنية لسوريا كلها، على أن تشمل فلسطين المتحررة من الصهيونية، وجبل لبنان مع ضمان إعطائه وضعية خاصة، وأيضا لقد اختاروا الأمير فيصل ملكا.

في الثامن من مارس 1920، تمت مبايعة فيصل ملكا على سوريا. وهكذا صارت سوريا مملكة، ولقد تضمنت خطب الجمعة في كل المساجد اسم الملك فيصل الأول. وكان من المنطقي أن تقابل لندن وباريس، قرارات المؤتمر السوري وتتويج فيصل ملكًا، بالرفض. وأيضا اتفق مع هذا الموقف، موقف مسيحيي جبل لبنان، وفي 22 مارس، اجتمع ممثلون عن مختلف الطوائف اللبنانية في منطقة بعبدا وأعلنوا، وسط تشجيع فرنسي، استقلالهم عن سوريا.

وعلى الجانب الآخر، كان علي رضا الركابي، قد بادر بتشكيل حكومة، لتحل محل مجلس المديرين الذي أُنشئ كإجراء مؤقت في ظل الحكم العسكري، ولقد عمدت هذه الحكومة على طمأنة الدول الكبرى على مصالحها، كما أصدرت برنامجًا وزاريًا للدفاع عن الاستقلال السوري وحفظ النظام. كما بعث الملك فيصل، برسالة إلى هنري غورو  يعرب فيها عن استعداده تلقي أية مساعدة من أيٍ من الأمم الحليفة، ما دامت لا تتعارض مع الاستقلال التام. رد الجنرال غورو ردًا لائقًا، غير أنه لم يعبر عن قبوله بالوضع الجديد.

وفي هذه الأثناء، كان المجلس الأعلى للحلفاء يعقد اجتماعًا في سان ريمو بفرنسا في أبريل 1920، ليقرر وضع سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، ووضع فلسطين والعراق وشرق الأردن تحت الانتداب البريطاني. وقد وافقت الدولتان المعنيتان على قبول الانتداب من حيث المبدأ. وقد أصبح لفرنسا منذ ذلك الحين، حرية التصرف التامة في مجمل سوريا الوسطى والشمالية، الساحل، والداخل، والصحراء. أُعلِنت قرارت مجلس الحلفاء في مايو (أيار) 1920، فقوبِلت بالرفض والاستنكار من جانب دمشق، في حين قوبِلَت بالرضا من جانب الأوساط المهيمنة في جبل لبنان.

في الثامن من مايو 1920 قرر المؤتمر السوري الرفض المطلق لكل وصاية انتدابية، والمطالبة بالاستقلال والسيادة، ورفض فصل فلسطين عن سوريا.

تطورت الأحداث على خلفية قرارات مجلس الحلفاء بالانتداب؛ وذلك ما أدى إلى أعمال مقاومة على الحدود قام بها السوريون. يشير أحد من أرَّخوا لتلك الفترة، إلى أن الملك فيصل رفض مطالب أتباعه بإعلان الحرب على فرنسا، ولكنه لم يستطع، أو لم يرغب في منع ضباطه والمجموعات غير النظامية من القيام بأعمال قتالية ضد الفرنسيين. وكان أي فيصل يستند إلى الأمل الضمني في التسوية من خلال أوروبا. غير أنه استشف أن الأمريكيين ما عادوا مهتمين، وأن البريطانيين باتوا يقتصرون على الدعوة إلى تسوية مؤقتة للحرب. في هذه الأثناء أدى الشعور العام إلى ضرورة تغيير وزاري، فاستقالت حكومة الركابي، لتخلفها حكومة هاشم الأتاسي.

نتيجة لتلك الأحداث المؤسفة، فإن الحالة الاقتصادية للشعب ساءت عن ذي قبل، ولقد أدرك أعضاء المؤتمر السوري هذه الحالة المتردية للأوضاع، إضافة إلى العجز العسكري، فراحوا يهاجمون الحكومة والملك، وهذا ما دعا الملك إلى حل المؤتمر في 19 يوليو 1920. وهكذا تعثر فيصل في التوصل إلى حل مع الجانب الغربي، وفي نفس الوقت لم يستطع احتواء السوريين الذين أصروا على القتال وعدم القبول بالوضع تحت الانتداب.

استمر الوضع على ذلك حتى وقعت معركة ميسلون في 24 يوليو (تموز) 1920، وكانت ما بين القوات سورية بقيادة وزير الحربية يوسف العظمة. وبين الجيش الفرنسي بقيادة هنري غورو من جهة أخرى. وبسبب عدم التكافؤ في العدد والسلاح، اضطر فيصل إلى الانسحاب مع وزرائه إلى بلدة تسمى الكسوة، وهي قرية واقعة على خط الحجاز جنوب دمشق، ولقد انتظر هناك. ولقد احتلت القوات الفرنسية دمشقَ وحلب، بعد اشتباكات مع القوات السورية، وأيضًا احتلت مدنا سورية أخرى. ليبدأ الفرنسيون في مرحلة تثبيت الأقدام.

أما فيصل فقد عاد مرة أخرى إلى دمشق، مكث بها عدة ساعات، وبعد تبادل المراسلات بينه وبين  الفرنسي هنري غورو اضطر إلى الرحيل إلى درعا. فتلقى تهديدات بقصف درعا، فرحل بعدها إلى حيفا، حيث استُقبِلَ بصورة لائقة، ومن حيفا سافر إلى إيطاليا.

وهكذا انتهت رحلة فيصل التي بدأها من أرض الجزيرة العربية، بالخسارة على أرض سوريا، ثم  ليستقر في أوروبا بعدما خذله حلفاؤه البريطانيين، ولكن ربما يكون له دور مهم في المستقبل القريب. وقد نعود للحديث عنه في قُطرٍ عربي آخر.

إعدام الشرق والطريق الثالث.. أُكْمِل ما تبقى في كتابات قادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ

المصادر

الطريق إلى بيت المقدس.. جمال عبدالهادي
يقظة العرب.. جورج أنطونيوس
تاريخ سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي .. ستيفن هامسلي
أعمدة الحكمة السبعة.. توماس إدوارد لورنس
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد