مثل كل بنات جيلي والأجيال السابقة واللاحقة، تربيت على قصص الأميرة الجميلة والأمير الوسيم وأفلامها، التي تسمى- لسبب لا أعرفه ولا أفهم منطقه- قصص الأطفال. وكم تخيلت نفسي في فستان سندريلا أدخل إلى القصر الملكي فتلتفت إلي كل الأنظار، معجبة بجمالي، ويتسابق الجميع للتقرب مني والحديث معي، ولا يرى الأمير غيري في الحفل، بالرغم من امتلاء القصر بالفتيات الجميلات.
ومن سندريلا إلى سنووايت، والأميرة النائمة وحتى ست الحسن والشاطر حسن، داعبت الفساتين الجميلة والعيون الواسعة والشعر الحريري المنساب خيالي. وقبل كل ذلك داعب خيالي طيف الأمير الوسيم، وقصص الحب الخيالية التي تنتهي دومًا بزواج الأمير من البنت الجميلة والجملة الخالدة (وعاشوا في تبات ونبات وخلفوا صبيان وبنات) ، ولا مانع طبعًا من قبلة النهاية.

 
علمت منذ صغري أن كل هذه القصص خيالية، وأنه لم يعد هناك أمراء ولا قصور ملكية، وعندما كبرت قليلاً صدمت عندما اكتشفت أنه ليس الأمير والقصر والحفلات هي فقط الأشياء الخيالية في القصص، بل إن الحب والخير في هذه القصص أكثر خيالاً من باقي عناصر القصة.

حتى وقت قريب لم أكن أرى أية مشكلة في كل ذلك، فلا ضير في القليل من الخيال الذي يكسر حدة الواقع وقبحه. منذ فترة بدأت بعض الآراء تنتقد أميرات ديزني من نواحي مختلفة، وتثبت بالدليل والحجة أنهن من أسوأ المثل العليا التي قد تتطلع إليها فتاة، فكلهن تقريبًا ساذجات متواكلات مستسلمات لواقعهن منتظرات للأمير حتى يخلصهن من حياتهن البائسة أو ينقذهن من الموت. هذه الأفكار تتنافى تمامًا مع ما عليه المرأة في العصر الحديث، فهي تمسك بزمام حياتها وتهتم بشؤونها وتتحمل المسئولية ربما أكثر بكثير من معظم الرجال.

 
اقتنعت بوجهة نظر المنتقدين لكني لم أنشغل كثيرًا بالتفكير في هذه النظريات. لكن قصتي مع الأميرات لم تنته عند هذا الحد. كأي أم كنت أحاول مراقبة ما يشاهده أولادي قدر الإمكان، بالرغم من صعوبة الرقابة مع وجود قنوات التلفزيون المختلفة واليوتيوب على الكمبيوتر والآيباد، ولكني كنت أحاول أن يكون كل ما يشاهده أولادي موجه للأطفال.

 
لم أحك لبناتي قصص الأميرات، ولكن مع مرور الوقت شاهدن أفلام ديزني في التلفزيون تعاد مرات ومرات. أعجبتهن هذه الأفلام، فأصبحن يشاهدنها على اليوتيوب يوميًا تقريبًا.

 
في البداية استأت من الوقت الزائد الذي تقضيه بناتي أمام التلفزيون والكمبيوتر لمشاهدة أفلام الأميرات بالذات، وحاولت تقليله قدر الإمكان، ليس اعتراضًا على الأفلام نفسها، ولكن رفضًا لقضاء كل هذا الوقت في المشاهدة.

 
بعد فترة بدأت بناتي بالمطالبة بفساتين جميلة لامعة منفوشة وتيجان ذهبية كالأميرات التي في الأفلام، مجرد مطلب بسيط بريء يرسم على وجه الأم ابتسامة محبة، فتحاول تنفيذه قدر الإمكان، بالرغم مما ستتكبده من خسائر مالية. لكن هذه كانت مجرد البداية فقط.

 
أصبح جمال الشكل واللبس مرادفـًا عند ابنتَي لحفلات الزواج. وكثيرًا ما سمعتهن يرددن في لعبهن أنهن سيتزوجن حتى يكن جميلات وأنيقات مثل سندريلا. ثم بدأت ابنتي ذات الثماني سنوات بطرح أسئلة تصيبني بالدهشة. أمي، هل ستسمحين لي بالذهاب إذا أقام أمير حفلة حتى يختارني زوجة له؟

 
وعندما أفقت من دهشتي وأخبرتها أنه ليس هناك أمراء، وأن البنات لا يذهبن للحفلات حتى يعرضن أنفسهن للزواج، تجاهلتني تمامًا وتجاهلت النقاش معي وذهبت لجدتها تخبرها بأنها عندما تكبر قليلاً سوف يأتي أمير ويختارها لتكون أميرته.

 
لم تعطني ابنتي الفرصة حتى أتقمص دور الأم المتفهمة العالمة ببواطن الأمور، فأشرح لها خيالية هذه القصص، وأشرح لها أيضًا كيف يمكنها عندما تكبر أن تختار زوجها بمقاييس مختلفة تمامًا عن سندريلا.

 
لكن ما حدث أعطاني شيئًا آخر لأفكر فيه. كيف أصبحت هذه القصص عن الحب قصصًا للأطفال؟! كيف استساغت مجتمعات كانت أكثر تحفظـًا وانغلاقـًا من مجتمعنا الحاضر أن تحكي هذه القصص لأطفالها.

 
إنني هنا لا أتحدث فقط عن المجتمعات الغربية في أوائل القرن العشرين عندما انتشرت هذه القصص والأفلام، لكنني أتحدث عن مجتمعنا العربي شديد التحفظ التي كانت قصصه الخاصة لا تختلف كثيرًا عن قصص أميرات ديزني، كما في قصة ست الحسن والشاطر حسن.

كيف نضع هذه القصص بين يدي أطفالنا – وخصوصا بناتنا – ثم تصيبنا الدهشة عندما يبحثن عن الحب وفارس الأحلام وهن لم يتجاوزن طور الطفولة بعد. كيف نربيهم على مقاييس الجمال في هذه القصص، وأنها السبب في اختيار الأمير لحبيبته، ثم نطلب من الأولاد تجاهلها عندما يختاروا زوجاتهم، ونطلب من البنات ألا يكون مجاراة هذه المقاييس هو محور حياتهن.

 
كيف نزرع في بناتنا أن كل ما عليهن فعله في حياتهن هو انتظار الفارس المغوار الذي سينقذهن من كل ما يسيئهن، وبالتالي فليس هناك ضرورة لأي مجهود يبذلنه في التعليم أو العمل أو تطوير أنفسهن ومهاراتهن أو مواجهة الظلم الواقع عليهن بأي شكل.

أعرف تمامًا أن تأثر بناتي بهذه القصص لا يختلف كثيرًا عن تأثري أنا شخصيًا بها عندما كنت في مثل سنهن، ولكني لا أريد لهن أن يصدمن عندما يكتشفن بالطريقة الصعبة أنها قصص خيالية.

 
لا أريد لهن أن يتشبعن بهذه الأفكار التي تزرع السلبية والاتكالية في عقولهن. لا أريد لهن أن يتعجلن الحياة قبل موعدها. لا أعرف كيف سأقنعهن بعدم مشاهدة هذه الأفلام، لكني سأحاول على الأقل أن أشرح لهن زيفها وكيف أن هؤلاء الأميرات هن في الحقيقة فاشلات كبيرات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد