تُشكل المواضيع المطروحة للنّقاش في مجتمع ما وطريقة تفاعله معها معيارًا مهمًا لتحديد درجة الوعي في ذلك المجتمع، فكما يقول إلينور روزفلت: العقول الصغيرة تناقش الأشخاص والعقول المتوسّطة تناقش الأحداث والعقول الكبيرة تناقش الأفكار، سنرى في هذا المقال كيف تفاعل الجزائريّون مع قرارين مهمّين طُرِحا الأسبوعين الفارطين، ليُكوّن القارئ لمحة عن حال الوعي في المجتمع الجزائريّ.

ما هما القراران وكيف تفاعل الجزائريون؟

البعض يريد استغلال الأيديولوجيا للتغطية على البيداغوجيا التي هي أساس التعليم.

وزيرة التعليم نورية بن غبريت.

ربما لا يوجد جزائري لم يسمع عن موضوع حذف البسملة من الكتب المدرسية، فلم تكد تخلو وسيلة إعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي وحتى المقاهي من النقاشات حول الموضوع، وكان حذف البسملة قرارًا اتخذته وزارة التربية خلال طبعها لكتب الجيل الثاني من الإصلاحات التي أقرّتها وزيرة التربية نورية بن غبريت، أسال هذا الموضوع الكثير من الحبر وتحدث فيه العام والخاص بين مؤيد ومعارض للقرار ودارت رحى النقاش في جميع الوسائل الإعلامية بدون استثناء، وامتلأت البلاتوهات بالمفتشين التربويين والبيداغوجيين والمدافعين عن الهوية الوطنية وممثلين عن جمعية العلماء المسلمين بدءًا برئيسها الدّكتور عبد الرزاق قسوم الذي نظّم ندوة صحفية حول الموضوع وكذلك فعلت الوزيرة دفاعًا عن نفسها.

 خلال الأسبوع نفسه صدر قرار آخر مهم من الحكومة الجزائرية الجديدة برئاسة أويحيى يقضي بتعديل قانون النقد والقرض، ليسمح لبنك الجزائر بإقراض الخزينة العمومية مباشرة، لتمكينها من تمويل العجز في ميزانية الدولة، وتمويل الديون العمومية الداخلية، ومنح موارد للصندوق الوطني للاستثمار، وهو ما يعني أن البنك المركزي سيقوم بطباعة النقود لمصلحة الحكومة لسد العجز، ربما لم ينل هذا الموضوع عُشْر ما ناله موضوع حذف البسملة، ولم تُثر فيه إلا القليل من النقاشات المتناثرة بين وسائل الإعلام.

أيّهما أخطر؟

يزعم المدافعون عن البسملة (وأنا منهم) أنّ هذا القرار هو مقدمة لمشروع تحمله وزيرة التربية والتعليم يُخفي في طياته علمنة للمناهج التربوية الجزائرية بحيث سيكون القادم بعد حذف البسملة هو حذف الأحاديث النبوية من الكتب يتبعه حذف آيات وسور القرآن الكريم، ليصبح الطفل الجزائري رهينة أيدٍ تبطش بهويته ويترعرع بعيدًا عن مقومات الدين الإسلامي، حتى وإن كان الأمر كذلك فإن حذف البسملة ليس من أعمدة هذا المشروع الذي علينا أن نوجه كل هذه السهام إليه، بل الأَوْلى هو النبش عن البرنامج الحقيقي المتغلغل في المناهج وبسطه للمجتمع والتحذير منه، عوض أخذ وضعية الدفاع في كل مرة.

بالنظر من زاوية أخرى فإن حذف البسملة كفعل معزول ليس له كلُّ هذا التأثير على الهوية للطفل، كيف وأول درس في كتب التربية الإسلامية هو البسملة. أما الهوية الإسلامية للمجتمع فهي تُضرب بما هو أعنف من ذلك بكثير وبطرق ملتوية تخلط الحق بالباطل بحيث يصعب إدراكها على العوام (سنتطرق لذلك في موضوع لاحق)، ربما أهونها هو حذف البسملة من بعض الكتب المدرسية.

ولكنْ ماذا عن طباعة النقود؟

لم يعد باستطاعتنا دفع أجور العمال لشهر نوفمبر.

وزير الحكومة أحمد أويحيى.

تعاني الجزائر منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات من عجز كبير ومتزايد في الميزانية بعد الانهيار الكبير لأسعار البترول في الأسواق العالمية والمعلوم عن الجزائر أن ما يزيد عن 95% من صادراتها هي في مجال المحروقات، أدى هذا العجز إلى هبوط حاد في احتياطي النقد الأجنبي للجزائر وصل إلى 100 مليار دولار خلال ثلاث سنوات وبقي ما يماثلها، فيما نفد صندوق ضبط الإيرادات كلية في شهر فبراير الماضي حسبما صرح به وزير الحكومة خلال عرض برنامجه في قبة البرلمان.

هذه التكلفة الكبيرة في الانهيار تحملها المواطن البسيط في كل الأحوال، فهو الذي كان عليه مواجهة تبعات قانون المالية لسنة 2016 وكذلك قانون المالية لسنة 2017، الذي حمل معه زيادات معتبرة في أسعار البنزين والكهرباء وهو ما سبب بدوره ارتفاعًا في تكاليف المعيشة كالنقل العمومي والمواد الغذائية، وأمام هذا التسونامي اضطرت الحكومة إلى تخفيض الإنفاق العام لعامين متتالين 6 في المئة سنة 2016، و14 في المئة سنة 2017، وتم الضغط بشكل كبير على ميزانية التجهيز التي انخفضت بنسبة 16 في المئة سنة 2016، إضافة إلى تعليق وإلغاء العديد من المشاريع منها مشاريع البنى التحتية كالطرقات، الترامواي، والعديد من المستشفيات والسكنات، ولم يتوقف الأمر هنا بل تم اتخاذ قرار بوقف عمليات التوظيف في الوظيف العمومي والقطاع الحكومي، وتفعيل عملية الإحالة على التقاعد بعد سن 60، ومع ذلك فقد تم تسجيل عجز في الموازنة قدره 8 في المئة هذه السنة، كل هذه الإجراءات لم تمنع شبح التضخم على المواطن فقد بلغ التضخم 7 في المئة نهاية شهر أبريل بعدما كان 4.8 في المئة العام الماضي. (مع العلم أن هذه الأرقام صادرة عن مراكز الإحصاء الحكومية).

الجزائر صمدت ثلاث سنوات خلال الأزمة بفضل حنكة رئيس الجمهورية.

وزير الحكومة أحمد أويحيى.

لم يمنع هذا الواقع المر وهذه الوضعية الكارثية للاقتصاد أن يطل علينا رئيس الحكومة الجديد القديم، أحمد أويحيى بقرار أكثر منه سوءًا وهو تعديل قانون النقد ليسمح بطباعة النقود، وحتى نُبسط الأمر فإن عملية طباعة النقود لها ضوابط وهي أنْ يُقابل كلّ وحدة نقدية تطبع رصيدٌ من الذهب أو النقد الأجنبي، أو سلع وخدمات تم إنتاجها في المجتمع، وكل ذلك لا يوجد في حالة الجزائر، وهو ما يُنبئ بدخول الجزائر في دوامة من التضخم على الشاكلة الفنزويلية، وانهيار تام للعملة يصاحبه انهيار القدرة الشرائية.

أيُّ القرارين صعب الاستدراك؟

لقد أتى قرار بن غبريت بحذف البسملة بمفعول عكسي تمامًا لما أرادته، فقد حمل القرار الكثير من الأولياء على كتابة البسملة بخط أيديهم في الكتب، وقد كان الكثير منهم لا يدرك وجودها من عدمه أصلًا.

أما بالنسبة لقرار طبع النقود فهو أكثر خطورة وطريقة الاستدراك الوحيدة هي إرفاقه بإصلاحات هيكلية للاقتصاد منها: إصلاح شامل للمنظومة المصرفية حتى تسترجع الكفاءة لاحتواء الموارد الموجودة في السوق، والاحتواء الضريبي والمالي للقطاع غير المهيكل (السوق الموازية)، وإرجاع القيمة في الأسواق والممارسات التجارية وهذا يأتي عن طريق إصلاح هيكلي متوسط المدى لسياسات الدعم. يشترط فيه من ناحية النجاعة الاقتصادية، القيام باستدراك اقتصادي يعيد للاقتصاد نجاعته (المقابل الاقتصادي الحقيقي) أي ضخ موارد اقتصادية حقيقية وفعلية في العجلة الاقتصادية، ويكون في نفس الوقت مع عملية التمويل هذه. وهذا الذي لا يبدو في نية الحكومة.

أنّى للطفل الجائع أن يفهم حديثًا عن الهوية؟

تنُمّ الحملة من طرف المجتمع على حذف البسملة عن وعي اجتماعي فيما يخص الهوية الوطنية، ولكن في الجهة المقابلة غياب تام للوعي الاقتصادي وتسيير الأولويات بحيث كان من الواجب القيام بحملة أكبر بعشرة أضعاف منها على قرار طباعة النقود.

قد يحتاج مشروع علمنة قطاع التربية لعشر سنوات حتى يكتمل ومثلها حتى تظهر آثاره في المجتمع، بينما قرار طباعة النقود فسنصدم بتبعاته بعد عامين على أقصى تقدير، حين ندخل في عملية تضخم متواصلة وتصبح النقود في الأيدي مجرد أوراق، عندها ستتخلى الدولة عن بناء المؤسسات التعليمية وعن دعم القطاع المدرسي في النقل والغذاء والتدفئة وغيرها، ويصبح الأستاذ في بحث عن مدخول آخر يكفيه للعيش، فيدركه التقصير تجاه أمانة التعليم، ولا يستطيع الأولياء دفع ثمن الكتب سواء بالبسملة أو بدونها.

سيتوجب علينا عندئذ خوض معركة اقتصادية تسبق معركة الهوية، ولكن قبل المعركتين فهناك معركة كبرى علينا خوضها الآن وهي معركة الوعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد