في ظل اكتساح شبكة الإنترنت في العالم، وحضورها في شتى مجالات الحياة، هل ما زال للطباعة قيمة؟! هل ما زالت الكتب الورقية والجرائد والكتب الدراسية قيمة؟! هل تستطيع الطباعة أن تواكب سرعة التطبيقات الرقمية على الهواتف الذكية ومحرك البحث، مثل جوجل وغيره وتحافظ على مكانة لها في مجال البحث والقراءة والدراسة؟ هل ما زال هناك أناس يبحثون ويعتمدون في أبحاثهم على مراجع مطبوعة؟ هل ما زال هناك أناس يذهبون إلى المكتبات العامة ويجلسون يقرؤون كتبًا ويستعيرون كتبًا ليقرؤوها ثم يستبدلونها بكتب أخرى، وهكذا.

 

لم تعد تلك هي الوسيلة التي يتعلم بها الأجيال الصاعدة والقادمة؛ نحن في عصر الرقمية (أي الديجيتال)، كل شيء ديجيتال، كل شيء من خلال الكمبيوتر والأيباد بضغطة زر تنكشف وتطلع على العالم وما فيه. ولأننا في عصر السرعة والديجيتال، لا نملك من الوقت ما يكفي لقراءة الكتب في هدوء والاستماع للموسيقى الهادئة؛ فأصبحنا على عجلة من أمرنا. نريد أن ننجز كل مسؤولياتنا اليومية في أسرع وقت ممكن. حاملين الهواتف الذكية طول الوقت في أيدينا لننظر فيها كل دقيقة على الأخبار العاجلة.

 

أولادنا كبروا على استخدام تلك الأجهزة بمنتهى السهولة والسلاسة، ولم تلق الألعاب حيّزًا من اهتمامهم ولا إعجابهم. حتى المناهج الدراسية للمدارس صارت تتبع تطبيقات تعليمية على شبكة الإنترنت ليشاهدها الأطفال، ويتعلمون عليها، ويتابعونها ويتصفحونها، حتى عندما يرجعون إلى بيوتهم. وكثير من المدارس والجامعات اتبعت أسلوب التدريس من خلال الأيباد، كل طالب يحمل الأيباد يتصفح عليه، ويبحث عن الموضوع الذي طلبه منه أستاذه. فلقد أثبت الأيباد فعاليته في التدريس ومساعدة الطلاب والمدرس في التدريس، وتوصيل المعلومات أسرع للطلاب، وبطرق حديثة وليست تقليدية. ومن مهام الأيباد في التدريس: سهولة استخدام البريد الإلكتروني. السهولة الحمل، وسهولة التعامل من خلال اللمس، الكتب السمعية، القراءة، طول عمر البطارية وجودتها ودرجة الأمان العالية لنظام IOS. سهولة تجهيز البرامج عليه من خلال متجر أبل، وإمكانية تخزين الملفات ومشاركتها مع الغير مثل برنامج Drop box، استخدام برامج الاتصال والشبكات الاجتماعية للتواصل مع المتعلمين وغيرهم مثل برنامج teacher kit. بالإضافة إلى توفير استخدام الأوراق، والوقت، والمال، والجهد، وتحويل الفصل التقليدي إلى فصل ذكي.

 

ومع الوقت مع زيادة كثافة العمل من خلال الأيباد والكمبيوتر، لن نكون محتاجين لطباعة الكتب المدرسية، ولا الجرائد، ولا المجلات، ولا الكتب الأكاديمية. فالطباعة تحتاج إلى مجهود مالي وزمني. فالطباعة تأخذ وقتًا طويلًا حتى يتم النشر. أما مع شبكة الإنترنت لا نحتاج إلى وقت للنشر. فمجرد إخراج المادة الصحفية أو الدراسية ستكون متاحة على موقع الجريدة، أو المجلة، أو الشركة التي تنتج الكتب المدرسية يكون لديها مواقع على الإنترنت، بإمكانك تحميل الكتاب pdf على الكمبيوتر، ويوجد أيضًا الكتب السمعية. وكثير من البلدان بدأت في التنفيذ، واتخذت الأجهزة اللوحية (الأيباد) وسيلة للتعليم والتدريس. ليس فقط لأنها تعمل فوريًّا؛ ولكن لأنها خفيفة أيضًا، وبالتالي فهي مصدر ارتياح كبير للطلاب. إضافة إلى ذلك، فهي تحتوي على العديد من التطبيقات التعليمية، وتطبيقات لنقل المحتوى التعليمي من خلالها، ويمكن كذلك بفضلها بناء منصات للتعليم الإلكتروني تحتوي على مقررات كاملة. ففي الولايات المتحدة قامت وزارة التربية والتعليم في ولاية فيرجينيا في نوفمبر 2009 بإطلاق مشروع لاستكشاف الآثار المترتبة على إدخال بدائل الكتب المدرسية التقليدية إلى الفصول الدراسية، وكشفت عن طرق جديدة لتنظيم محتوى عالي الجودة وتقديمه باستخدام مختلف المنصات كالأجهزة اللوحية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة، وكان من أهداف المشروع: معرفة كيف يمكن استخدام المحتوى التعليمي الرقمي لزيادة فعالية ومشاركة الطلاب، وتحسين مخرجات التعليم وممارسات المعلمين. حصر الآثار الاجتماعية المترتبة على السياسات الفنية لاستبدال الكتب المدرسية التقليدية بالبدائل الرقمية. الهند أيضا بدءًا من عام 2012 استخدمت الأجهزة اللوحية، وتميزت الهند باستخدام الأجهزة الرخيصة الثمن iSlates في عدة ولايات مثل أكاش وبرادش. أما كوريا الجنوبية فأعلنت الحكومة في 2012 أن الأجهزة اللوحية ستحل محل الكتب بحلول عام 2015. وتعد هذه المبادرة جزءًا من برنامج أوسع نطاقًا يتضمن فصولًا على الإنترنت ومناهج دراسية تقدم عبر السحابة الإلكترونية، وكلّف المشروع بليون جنيه إسترليني.

 

وقامت وزارة التربية والتعليم بتركيا بإطلاق مشروع الفاتح، وهو عبارة عن خطة للتغلب على الفجوة الرقمية في التعليم خلال خمس سنوات بدءًا من عام 2010 إلى عام 2014، وذلك بإدخال الأجهزة اللوحية في جميع مراحل التعليم العام. وقد قامت بتجهيز 42 ألف مدرسة، و570 ألف فصل دراسي بأحدث تقنيات المعلومات والاتصالات وتحويلها إلى فصول ذكية. مشروع الفاتح لديه خمسة مكونات رئيسية على النحو المنصوص عليه في الموقع الرسمي للمشروع على الإنترنت. إعداد البنية التحتية للمعدات والبرمجيات التي تضم شراء الأجهزة وتوزيعها وتركيب المعدات اللازمة في المدارس. توفير المحتوى الرقمي وإدارته، التي تشمل مواد جديدة تنفق مع التعليمات التي تدعمها تقنية المعلومات والاتصالات. الاستخدام الفعّال لتقنية المعلومات والاتصالات بما يتماشى مع المناهج التي تهدف إلى إيجاد قنوات جديدة لدمج تقنية المعلومات والاتصالات في المناهج الدراسية. استخدام واعٍ وموثوق وقابل للقياس لتقنية المعلومات والاتصالات. تدريب المعلمين أثناء الخدمة على تقنية المعلومات والاتصالات، لتمكينهم من استخدامها استخدامًا فعالًا وصحيحًا في بيئة الفصول الدراسية.

 

وقامت في أستراليا حكومة كوينزلاند بتقديم استراتيجية الفصول الذكية عبر خارطة طريق، لتسخير إمكانات تقنية المعلومات والاتصالات لعمليتي التعليم والتعلم في مدارس الدولة، واستخدم في هذا المشروع أجهزة الأيباد اللوحية من شركة أبل، ويهدف إلى تحديد مدى فعالية هذه الأجهزة في دعم وتوسعة تعلم الطلاب في الفصول الدراسية، وكان الغرض من هذه التجربة تحديد ملاءمة الأيباد أداة تعليمية في المدارس. تحديد مدى توافق الأيباد مع منصة وزارة التربية والتعليم الأسترالية.

 

وأخيرًا المملكة العربية السعودية، وفي المملكة العربية السعودية جرى الوقوف على عدة تجارب لمدارس خاصة تسعى لتوظيف الأجهزة اللوحية في العملية التعليمية، ووسيلة لمتابعة الدروس والتواصل بين المعلم والطالب، وطريقة لتقييم الطلاب ومتابعتهم، ومنصة متكاملة لعمليتي التعليم والتعلم وفق استراتيجيات تدريس حديثة، مثل استراتيجية الصف المقلوب، أو استراتيجية التعلم المتخصص أو غيرها. ولعل من أهم المدارس التي تطبق التعليم بالأجهزة اللوحية وفق رؤية تربوية عصرية ومتكاملة مدارس أكاديمية وعد، إذ قامت هذه المدارس بإنشاء أكاديمية مدارس، وليست مدارس عادية فقط، وفي الحقيقة مشروعهم أكبر من كونه مشروعًا لتوظيف الأجهزة اللوحية فحسب، بل كما يحبون أن يسمونه هم «رحلة اعادة تعريف التجربة المدرسية».

 

أيضًا الجرائد اتخذت المنوال نفسه، وكثير من الجرائد العربية والعالمية بدأت في التقنين من الطباعة الورقية، ومنهم من أوقف الطباعة تمامًا واعتمدوا فقط على المواقع الإخبارية، بعد تأكدهم من زيادة الإقبال عليها. ومن تلك الصحف العربية التي أوقفت طباعة نسختها: جريدتي النهار والسفير اللبنانيتان، واكتفيا بالمواقع الإلكترونية. فحاليًا يبلغ عدد المواقع الإلكترونية عبر شبكة الإنترنت مليارًا وواحدًا وستين موقعًا في العالم والزيادة مستمرة. ومن الجرائد الأشهر عالميًّا وتعد أقدم جريدة في العالم ودائمًا تتباهى بذلك: جريدة «لويدز ليست»، فهي أقدم صحيفة في العالم ومنذ تأسيسها وهي تطبع بدون انقطاع منذ بدء صدورها على شكل ورقة معلقة على جدار صاحب مقهى في لندن يسمى إدوارد لويدز. وتوجد من «لويدز ليست» طبعات بعدة لغات. ولكن قرار هجرة الورق وتحولها الكلي إلى الصدور الرقمي يعود إلى أن نسختها الورقية لم تعد تقرأ إلا من 2% من قرائها استنادًا إلى مسح لقرائها جرى مؤخرًا، وقال ريتشارد ميدي، رئيس تحرير الجريدة،: «إن ما دفع إدارة الصحيفة إلى هذا القرار هو نمو قرائها رقميًّا، وليس رغبتنا بهجر رصيد عمره 300 عام. إن قراء صحيفتنا هم من الكوادر ومن الموظفين الكبار، أو الوسط في قطاع النقل البحري. وهؤلاء هم من الناس الذين يوجدون في ورشة في شنجهاي في يوم ثم يتحدثون في مؤتمر هامبورج في اليوم التالي، إنهم يتلقون المعلومات على جهاز الأيباد أو بلاك بيري، ولا ينتظرون تلقي طلعتهم الورقية في مكتبهم. ومن أهم ما قاله ميدي لمجلة «برس جازيت» في حوار أجراه معهم هو أن هذا التحول لن يؤدي إلى صرف موظفين وقال: «إننا أقدم صحيفة والتحول هذا هو جزء لتأمين لضمان مستقبلنا للسنوات الثلاثمائة القادمة».

هذا التحول أكيد فارقة في تاريخ لويدز ليست، وسيبقيها للسنوات القادمة لأننا في عصر التكنولوجيا والعولمة، وهي بذلك تواكب العصر والواقع الذي نعيش فيه. ويجب على كل الصحف في العالم أن تواكب هذا العصر الجديد الذي هو قائم على التكنولوجيا والرقمية. فلا يصح للعالم العربي أن تكون كل البلدان مواكبة متطلبات الواقع الجديد ونحن نظل في مكاننا متمسكين بالفكر القديم وبالتراث القديم. بالطبع الكتب الورقية وورق الجرائد يتمتع بمذاق خاص ومتعة خاصة، وفي يوم من الأيام سنتذكر أننا كنا نقرأ كتبًا ورقية، وسنحكي لأولادنا وأحفادنا عنها. ربما ستصبح الكتب والجرائد من التراث القديم. ربما هذه الأيام التي نعيشها هي آخر أيام الورق والطباعة وأنها تتلاشى بالتدريج وتصبح ذكرى حلوة ومحفوظة في مكتبات بيوتنا لمن كانوا عشاق قراءة الروايات والكتب، ومنا من يحرقها لأن لم يعد لديها قيمة. ولكنها بالتأكيد ستكون ذكرى حلوة؛ لأن القراءة على الجهاز اللوحي ليس لديها الحس الراقي نفسه والانسجام الذي نعيشه مع الكتب، ونتوحد في عالم آخر ونحن نقرأ من خلاله. فالقراءة على الجهاز تشعرك بالسرعة، وهي ملائمة لقراءة أخبار سريعة. ومن أعلم من الله من الممكن أن نتعود عليها ونستطيع الاستمتاع برواية ما ونحن نقرأها من خلال الأيباد. فكل شيء في بدايته يكون صادمًا، حتى نتعود عليه، ويجب مسايرة الواقع المعاصر والمستقبل، حتى لو كان الماضي ألذ، وله عشق آخر. وسنتذكره بأيام الزمن الجميل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء
عرض التعليقات
تحميل المزيد