ربيع عربي، قالوا إنه مر من هُنا , لكنهم نَسوا أن يخبرونا كم كان هذا المرور مُفَخَخاً؛ ثورات اندلعت هُنا وهُناك اجتمعت فيما بينها علي رأي لا يُنكره سوي “أولاد الحرام”: أن الحرية ليست جريمة وأن الاختيار حق كفله الله لعباده , فلا يستقيم إيمان العبد إلا إذا كان حُراً “لا إكراه في الدين” فكيف تستقيم رجولته وهو ذليل؟

 

لكن كانت ومازالت آذان الحُكام صماء لا تعمل أمام هذه الأصوات المُكتظة بالغضب, فتسابقوا فيما بينهم علي وأدها و وَصمِها تارة بالخيانة وتارة بالإرهاب وكما تعلمون أن هذا النوع من التُهم مُستهلك عندنا وجاهز للاستعمال السريع, و يُمكن بموجبها اعتقال آلاف الاشخاص وإيداعهم الزنازين حتى إشعار آخر.

 

فيمَ يُفَكِر المُعتَقَل؟!

لا شيء يُمكنه أن يشغِل بال المُعتقل داخل الزنزانة سوي أمرين, إما أن يلعن حاضره و يغرق في تفاصيل الماضي أو يهرب من الواقع باتجاه المستقبل الذي لا يدري متي ستسمح له السُلطات بممارسته إن “ظل على قيد الحياة”  , ثمة وجوه للموت غير قبض الروح و مواراة الجسد, فالبعض فقد شهيته في العيش لكنه مازال علي قيد الحياة , وإن كان ثمة أحدٍ يمكنه أن يصل لهذا الشعور فـ”المُعتقل” أول ما يحس ذلك و إن كان ثمة مكان يمكنه أن يُفقِدُك الرغبة في الحياة فهي “الزنزانة”؛ لأنها سرعان ما يتساوى الموت والحياة في عينك بداخلها.

 

السجون المصرية تحت حكم العسكر.

حين نتحدث عن تاريخ السجون في مصر سيأتي “السجن الحربي التابع لوزارة الدفاع” في مُقدمتها, هذا السجن الذي زعم مديره “حمزه البسيوني” يوماً أن الله – عز وجل – ليس موجوداً داخله , حين تَهَكَم علي آلام المعتقلين واستغاثتهم بقولهم “يا رب” قال لهم “ربكم لا يأتي هُنا  لو أتى لوضعته معكم في السجن”.

 

لم أكن يوماً ضيفاً علي هذا السجن لذلك سأترك مَن خاض التجربة يقص علينا بعضاً مما حدث معه, “مصطفي أمين” مؤسس صحيفة أخبار اليوم قضي تسع سنوات في هذا السجن يحكي في كتابه “سنة أولى سجن” يقول “كان من بين وسائل التعذيب التي لجأوا إليها هو منعي من الأكل والشرب, السجين يتحمل الجوع لكن العطش عذاب لا يُحتَمَل , وخاصة أننا كُنا في أواخر شهر يوليو, الحرارة شديدة قاسية وأنا مريض بالسكر و مرضى السكر يشربون الماء بكثرة.

 

في اليوم الأول تحايلت علي القرار , دخلت دورة المياه فوجدت إناء للاستنجاء و شربت من مياه الاستنجاء, في اليوم التالي فوجئت أنهم عرفوا أنني شربت مياه الاستنجاء فوجدت الإناء خالياً, ووجدت معه ورق تواليت, فاضطررت أن اشرب من ماء البول حتي ارتويت, وفي اليوم الثالث لم أجد بولاً لأشربه, العطش لمدة ثلاثة أيام كان قاسيا جداً كضرب السياط جعلني أمشي في زنزانتي كالمجنون , الحر في شهر يوليو مؤلم, لساني جف كُنت أحياناً أمد لساني وألحس الأرض لعل الحارس نسي نُقطة ماء و هو يغسل البلاط”.

 

كان هذا فصلاً واحداً من عدة فصول لمعاناة المُعتَقَل داخل زنزانته تحت حُكم العسكر, هل تعرف معنى أن تكون مياه البول “ريقك”؟! هل تعرف معنى أن تفتح عينك و تغمضها كل يوم علي أشخاص يُهانون و يُقادون للتعذيب وإلي أعواد المشانق؟!  الأمر لا يُطاق , لذلك حين تسمع اليوم عن سجن العقرب أو وادي النطرون أو ميت سلسيل أو غيرها من السجون المصرية, فاعلم أن أحدهم سيموت لأن السجّان لم يسمح بدخول الأدوية له ورفض نقله إلي المستشفى أو تركه ينزف حتي الموت، لا تندهش, وأن أحدهم مات تحت وطأة التعذيب لا تندهش , مع العسكر لا شيء يبدو كما يبدو في إعلامهم وروايتهم للأحداث, فليس ثمة زنازين كالفنادق , كل ما هنالك عنابر موت , لذلك ستكون محظوظاً لو كُنت نزيلاً بأحد زنازين سجن النقب أو عسقلان في إسرائيل , صدقني هناك سيكون الأمر أهون بكثير.

 

أدب السجون مُعتِم كئيب.

لا أظن أن هناك شيئاً أشد وجعاً في الحياة من الظلم و سلب الحرية , حين تقرأ أدب السجون تشعر وكأنك في جنازة حقيقة وأن شيئا عظيما مات داخلك وأنك بطريقة ما سبباً في ألم هذا المُعتقل ولا تخلو يدك من وِزر دمه إن مات.

 

ما إن تُطالع “كراسات السجن” للمناضل “أنطونيو غرامشي” ورسائله إلي أمه من داخل السجن إلا و تَغتَم, تخنقك العَبرة وأنت تقرأ في “أمير الظل” حديث “عبدالله البرغوثي” لابنته تالا وهو يُعرِّفها بنفسه ,  يتسارع نبضك وأنت تسمع نداء “أيمن العتوم” في رائعته “يا صاحبي السجن” ليقول لك في النهاية “ما أصعب أن يموت المرء موتاً اعتيادياً” , تشعر بالضآلة وأنت تسمع من الطبيب “ياسين الحاج صالح” في روايته “بالخلاص يا شباب” كيف قضي خمسة عشر عاماً في سجون سوريا ثم سنة اضافيه عقاباً لأنه رفض أن يعمل مُخبراً لصالحهم، ليعود بعدها ليخبرنا أنه “ليس هناك قطع غيار لهذا العمر الواحد منا لا يكون شاباً مرتين، لا يمر بسن الحادية والعشرين والخامسة والعشرين و الثلاثين وما فيها من صبوات وشعور بالذات وجاهة وحماقة , إلا مرة واحدة وهذه المرة سرقها السجن من مئات وألوف ,, ومني”.

 

سيختل وزن قلبك وأنت تقرأ “قوقعة” الشاب “المسيحي” السوري “مصطفي خليفة” الذي قضي ثلاثة عشر سنة علي تهمة تم إلصاقها به عن طريق الخطأ “الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين” بعد أن وَشي به أحد زملائه , سيصيبك الرعب و تستقبلك أبواب الجحيم حين تفتح “البوابة السوداء” التي شيّدها “أحمد رائف” والذي حكى فيها أن أحد الجلادين قال “أنتشي وأنا أسمع صوت آهات المُعتقلين أكثر من استمتاعي بسماع صوت عبد الوهاب” سادية و فحش لا مثيل له, اليوم وبعد الانقلاب الدموي عاد العسكر إلي الحكم في مصر وعاد معهم القتل و السجن و التعذيب و كل ألوان الظلم.

 

ما الذي يدفع إنساناً ما لأن يُعَرِض نفسه للقتل؟

هل سألتم أنفسكم ما الذي كان يفكر به بروفيسور الجامعة باسم عودة حين نزل إلي الشارع رافضاً وصاية والانقلاب علي اختياره الحُر وهو يدرك جيداً أنه إما سيموت برصاصة في الرأس أو سينتهي به الحال إلي زنزانة ليست آدمية؟ ما الذي دفع طالب الهندسة المتفوق أن يُضحي بدراسته التي سيُبني عليها مستقبله المهني بعد سنة واحدة أن يترك كل ذلك وراء ظهره و يخرج في تظاهره مطالباً بحريته في اختيار من يُمثلونه؟

 

هل سألتم أنفسكم أي سلطة تلك التي كان يسعي إليها د. طارق الغندور و د. فريد اسماعيل و د. محمد الفلاحجي و د. عصام دربالة و غيرهم ممن لا نعرفهم كي يموتوا داخل الزنازين في سبيلها؟

 

أستطيع أن أفهم فكرة أن يَقتُل الإنسان شخصا ما مِن أجل المال أو بغرض منفعة، هذا منطقي إلي حد ما, لكن مُحال أن يُعَرِّضَ الشخص نفسه للقتل إلا اذا كان صاحب مبدأ , مؤمناً بفكرة , يضحي لأجل قضية عادلة كالحرية ومقاومة الاستبداد وهذه الأسباب لا يقضي عليها القمع، بالعكس، إن البطش يقويها والرصاص يصقلها؛ لأنها إيمان ليست هذيانا.

 

كما صرح الدكتور محمد بديع المرشد العام لجماعة الاخوان المسلمين المُعتقل حالياً والذي يواجه حُكماً بالإعدام حين قال: “لو أعدموني ألف مرة والله لا أنكص عن الحق, إننا لم نكن نهذي حين قلنا إن الموت في سبيل الله أسمي امانينا”.

 

أخيراً.. مَن هُم المُعتَقَلون ؟

“المُعتقلون” تلك الكلمة التي ما عادت غريبة بيننا ولم تعد سبقاً صحفياً لفرط ما اعتدنا سماعها , كل شيء عنهم صار مألوفاً كأنه عادة , الرقم لم يعد يعني لنا الكثير كانوا بالمئات وأصبحوا بالآلاف لا ضير في ذلك, تحتل سيرتهم العناوين الرئيسية في نشرات الأخبار, حتي حقهم في أن يكونوا رقماً صحيحاُ لم تمحنهم إياه السُلطة في تقاريرها, كُلنا مَدينون لهم بفسحة الحياة التي نعيشها, كُلنا مُطالبون بالسعي لتحريرهم، مَن نعرفه منهم ومَن لا نعرفه , مَن نحبه ومن لا نحبه ما استطعنا إلي ذلك سبيلا , و قد خاب من حمل ظُلما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد