حين كنتُ في السجن، أخبرني أبي في رسالةٍ كتبَها إليَّ ذاتَ يومٍ، أنّه يودُّ إطلاعي على سرٍّ من أسرارِ خُلوتِه بربّه في سنواتِ مطاردتِه.

ابني الحبيب وأسيرنا البطل، أما بعد.. كنتُ أدعو الله دائمًا «اللهم لا تبتلِني في نفسي فتفضح ضعفها»؛ فلم يبتلني في نفسي واستجابَ إلى ما كنتُ أدعو به على قدرِ ضيق أفُقي وسطحية دعائي، ولكن أرادَ أن يؤدّبني فابتلاني فيما هو أغلى من نَفسي وأضعف من ضعفي وأكثر موضعٍ حساسٍ في روحي، ابتلاني في فلذة كبدي وقرة عيني ومُهجة فؤادي، فيكَ يا ولدي.

ابتلاني بفراقكَ قبل ثلاث سنواتٍ بمطاردتي ومطاردتك وكنّا في أشد ما يكون الابن وأبوه احتياجًا إلى الآخر، ثم زاد البلاءُ بأن أهاجرَ إلى مكانٍ أبعد وأنت في فترة ثانويّتك مطارَدًا ومقاومًا كل الظروف في الآن ذاتِه؛ لتسمع من أمك – البعيدة عن كلينا وتتواصل مع كلٍّ منا منفردًا وهي حلقة الوصل بيننا- أن أباكَ قد فرِح جدًّا وفخورٌ بك ويُباركُ لك على نتيجتك ويسأل الله لك وبكَ النفعَ والصلاح، ثم تزدادُ حدة الابتلاء بعد كثيرٍ من المحاولاتِ لمغادرة البلادِ؛ فخرجتُ وأُخرِجتُ في الوقت ذاتِه.

بعد ثلاثةِ أسابيع من خُروجي، اتصلوا بي في فجر يومٍ ذقتُ فيه الموتَ وتجرعتُه من أشدّ كؤوسه مرارةً حين أخبروني أن يوسُف قد اعتُقل منذ دقائق، مضى الوقتُ وأنت مختَفٍ قَسْرِيًّا لا نعلمُ عنك شيئًا، ولا نعرف لكُ مكانًا غيْر أنّ بُنيانَك الضعيف وجسمَك الهزيل ووجهك الباهت في أيدي المسودّة وجوههم والقاحلة قلوبهم، لم أكن أعرفُ ماذا يفعلون معك ولم أكن أرى ما يجري لك، لكنني صرتُ أعمى مثلك تمامًا حين عصبوا عينيْك، وصرتُ مشلولًا مثلك تمامًا حين غلّوا يديْك، تعثّرتْ قدمايَ وانكببتُ لوجهي حين زَلّتْ قدماك وهم يدفعونَك إلى خارج العربة المصفّحة، استُجْوِبتُ معكَ حتى أُغشيَ على كِلَيْنا، شعرتُ بكل سوطٍ جُلدتَّ بهِ فصرخَتْ عظامُ ظهري، صُعقتُ معك وصرختُ معك، كنا في داخلِك مسكينيْن يدافعُ كلٌّ منهما عن الآخر أمامَ المُحقق فنجيب عن السؤال ذاتِه بالشيْءِ وضدّه؛ فنذوقَ كأس التضحية مضاعفة المرار.

كان كلامُ أبي يؤكّدُ لي نظرياتٍ بنيتُها بداخلي، ويُبرهن لي بأدلةٍ قاطعةٍ أنَّ البُعدَ يقتُل كل شيءٍ في أنفسنا، إلا القرب!

حُضنُ أبي الذي كنتُ أستشعرُه كلما بكيتُ مقيدًا ومغمَّى في مكان نومي بعد وجبةٍ دسمةٍ من التعذيب الذي يتخلله استجوابٌ لا أسمعُ فيه سؤالًا ولا أقول فيه جوابًا، هم يسألون ويجيبون بما أرادوا وكيفما شاؤوا.

كتفُ صديقي الذي كنتُ أراهُ في مرمى بصري كلما احتجتُ إلى البكاءِ فأُلقيَ رأسي على ذراعيّ الملتفّتين على رُكبتيّ وأشرع في البكاء الذي لا يتوقفُ، إلا حينما أفرّغ قدرًا لا بأس به من الألم، وأعلمُ أن صديقي الذي قد غرق في النوم على سريرِه أخيرًا بعد ساعاتٍ طويلةٍ من التفكير فيَّ، سيستيقظ بعد قليلٍ ليجدَ كتفه غارقةً في بركةِ دموعٍ أفردتُّه بها وحدَه الليلة الماضية.

كنتُ أرى عيني أمي رغم عدم استطاعتي رؤيةَ يديّ المكبلتين أمامي، كنتُ أستأنسُ بدفئهما الذي ترسلانِه متسللًا بين الجنودِ المتناوبينَ على مراقبتنا.

طيفُ حبيبتي الذي كان يخبرني أنّها لم تنمْ منذ أربعة أيامٍ إلى أن استوحَشَتْ عيناها فانغلقتا رغمًا عنها وغاصتْ في كوابيسَ لم يكنْ فيها شيءٌ غير صورتي معلّقًا على بابٍ أو مصعوقًا على كرسي.

كُلنا نمتلكُ الحواسَ نفسها، أنفًا وفمًا وأذنين وعينين ويدين، لكن لا أحدَ يشعرُ بالحواسِ ذاتِها مثل الآخرين، لكل واحدٍ منا شفرةٌ مستقلةٌ بذاتها عن شعورِ مَن سِواها، عيني وعينُك تريان الشخص ذاتِه فأغرَم أنا به وتلعنه أنت.

على النقيض، إحساسٌ واحدٌ قد يجمعُ بين اثنين أحدهما في الدورِ الرابع تحت الأرض والآخر في الدور العاشر فوقها وبينهما مائة ألف ميلٍ وعشرين مدينة.

أخبرتُها ذات مرةٍ أنّ لي حواسًا بلا إحساس، فجاءتْ هي إليهم إحساسًا بلا حواسٍ؛ فتناغما. أصلُ الأشياءِ كلِّها الشعورُ، أستيقظ من نومي فأجدها مستيقظة في الوقت ذاته لتخبرني أن تلك هي المرةُ الألف التي تؤكد فيها الأقدارُ المتخاطرةُ على قدسيةِ شيءٍ ما بيننا، لتبرهن على خصوصيةٍ تجمعنا في ثنايها وتفصلنا عن كل ما عدانا. أسألها عن شيءٍ فعَلَتْه توًّا ولم أره ولم تحكِ لي عنه أصلًا، لكن وَحدَه الإحساسُ الذي فعل.

في المطار ودعتُ صديقي الذي كنتُ أبكي على كتفه الافتراضي في سجني، ولا أعلم متى يجمعُ القدر بيننا من جديد، وبعد ساعتين في مطارٍ آخر قابلتُ أبي الذي كنت أحتمي في حضنه كلما عذبوني، ولم أكن جلستُ معه ساعةً واحدةً منذ سنوات، وبين المطارينِ أمسكتُ قلمي بيدٍ مرتعشةٍ من رهبة الموقفِ وكتبتُ في يوميّتي الصغيرة رسالةً إلى محبوبتي من كلمتين «ونراهُ قريبًا». طمأنَ أبي أمي فور وصولي، وطمأنتُ محبوبتي، وبعد عشرين يومًا ودعتُ وجود أبي ووجدان أمي وطيف حبيبتي وكتف صديقي قاصدًا وجهةً جديدةً، وفي لقاءٍ جديدٍ مع مطارٍ جديد أشد غربةً من اللذَين سبقاه، الأول كان يتكلم بالعامية المصرية، والثاني يتكلم بالعربية، والثالث لا يعرف عن هذه أو تلك شيئًا غير أنها لغات ولهجات لشبابٍ في العمر شيوخٍ في الملامح ازدحمتْ بهم شوارعُ بلادهم.

هذه هي الدنيا كلها ملخَّصَة في طائرةٍ وساعتين من الزمن، تجعلك تدفع وداعَ حبيبٍ مهرًا للقاءِ آخر، وتأبى أن تجمع المعاني كلها في مفردةٍ واحدة، فتُخيّرك بين زواياك وتجبرك على أن تسير فيها مكسور الضلع.

إلا أننا يا صديقي حين نحب وحين نتألم نبحثُ عن من نتقاسم معه تمرة الحب أو جمرة الألم، حتى إذا وجدناهُ تشبثنا فيه وعقدنا شغاف قلبه في أوصال أفئدتنا؛ فتبتليَنا الأقدارُ بالبُعد، ويختبرنا الدهرُ بالمسافات، ويجتمع المكانُ والزمانُ على الفصل بيننا، إلا أننا حين نجدُ لا نتخلى؛ لأننا إن تخلينا فلن نجدَ إلى الأبد، فنحرقَ مشانقَ الفراق بحرارة الشوق، ونصهر أسلاكَ الحدود بسلوكِ اللاحدود، ونقتل جفافَ الصحراوات التي باعدت بيننا بندى الوصالِ المقدس.

إننا يا صديقي حين نجدُ لا نتخلى؛ لأننا إن تخلَّيْنا فلن نجدَ إلى الأبَد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد