بوفاة المعتقلين شوقي محمد موسى بسجن الأبعادية، وصبري الهادي متولي بمركز شرطة فاقوس، تستطيع أن تقول إن النظام المصري يقتل معتقلًا كل ثلاثة أيام، بعد وفاة سبعة سجناء في أقل من اثنين وعشرين يومًا منذ بداية يناير (كانون الثاني) 2020، موزعة على سجون مصرية مختلفة، ضاربًا بكل المواثيق الدولية وإصدارات وتوصيات مجالس حقوق الإنسان الأممية عرض الحائط، معتمدًا على مجتمع دولي يقدم المصلحة على الإنسان، وشعب أعجزته الحيلة والوسيلة والقمع اللامتناهي.

وفقًا للقواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، والتي أوصى باعتمادها مؤتمر الأمم المتحدة الأول لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المعقود في جنيف 1955، ومن ثم أقرها المجلس الاقتصادي والاجتماعي بقراريه 336ج بجلسة 31 يوليو (تموز) عام 1957، والقرار رقم 2076 بجلسة 13 مايو (أيار) 1977، والتي اشتملت على 95 قاعدة لكل قاعدة تفريعاتها المختلفة، نصت على أساسيات التعامل مع السجناء والمحتجزين وفق معايير لا يجب بحال من الأحوال الانتقاص منها؛ إذ إنها تمثل الحد الأدنى للآدمية.

وألزمت القائمين على مأسسة عملية السجون توفير الطعام والماء الصالحين لإبقاء النزيل على قيد الحياة، وتوفير الملابس وفق ظروف المناخ، مع تهوية وإضاءة مناسبين لغرف الاحتجاز، وتمكين النزيل من ساعة للتريض على الأقل يتعرض فيها للشمس والهواء الطلق، ويمارس الرياضة، فضلًا عن تمكينه من الاتصال بذويه بصورة منتظمة، وإطلاعه على مستجدات عالم ما وراء الأسوار.

كما أن طبيب السجن ملزم بمتابعة المرضى المحتجزين لديه، وتقديم تقرير دوري لإدارة السجن، وعلى الإدارة الالتزام بما جاء في هذا التقرير من توصيات، وبالتالي فهما مسؤلان مسؤلية مباشرة عن أي حالة قتل بالإهمال الطبي في نطاق اختصاصهما، فلا بد وأن يكون الخطأ عائدًا لأحدهما عامدًا أو مقصرًا كلاهما يستوجب المساءلة.

بدا واضحًا أن السياسة العامة لإدارة السجون المصرية تتعمد انتهاك حقوق المحتجزين لديها، لا سيما إذا كانوا معارضين لنظام عبد الفتاح السيسي، وكثيرون هم، وفقًا لأحدث تقرير للتنسيقية المصرية للحقوق والحريات عام 2019، إذ قالت إن عدد المعتقلين على ذمة قضايا مسيسة تجاوز حاجز الستين ألف معتقل، تعمد النظام اتخاذ إجراءات وأساليب تعجل بمنيتهم، وتفسد عليهم آدميتهم، حتى من قضى منهم عقوبته أو خرج بعد طول حبس، وجد نفسه محتاجًا لإعادة تأهيل نفسي ومعالجة عضوية طويلة من جراء سنوات الإمراض الممنهج.

ومنذ الثالث من يوليو عام 2013 وحتى كتابة هذه السطور، لم تتوقف آلة القمع التي أعملها النظام المصري في معارضيه، وإذا كنا في هذا المقال نتعرض للقتل بالإهمال الطبي داخل السجون، فإن الإحصائيات تؤكد أن أكثر من 1150 مصريًّا لقوا حتفهم من جراء ظروف الاحتجاز غير الآدمية، والتي تعد بوابة حتمية إلى الآخرة، ممثلة جريمة قتل متكاملة الأركان.

ازدادت أعداد الوفيات في السجون المصرية بالبرد والإهمال الطبي بصورة مفزعة مطلع العام الجاري، لتكون بمعدل ضحية كل ثلاثة أيام، فقد لاقى سبعة من المعتقلين حتفهم في أقل من 22 يومًا منذ بداية يناير 2020م.

ففي الرابع من يناير توفي المعتقل محمود عبد  المجيد صالح 46 عامًا بسجن العقرب بعد تجريده وزملاءه من البطاطين والملابس الثقيلة ليلقى حتفه صريع قهرين: البرد والسجن.

وفي الثامن من يناير توفي علاء الدين سعد إبراهيم 56 عامًا بسجن برج العرب بالإسكندرية، بعد إصابته بنزلة برد، كما لقي المصير نفسه في اليوم ذاته المحتجز محمود محمد 37 عامًا بقسم شرطة بندر الأقصر، وكأن النظام يمارس عدالته في القتل بين شمال مصر وجنوبها.

وفي الثالث عشر من يناير توفي المعتقل مصطفى قاسم المصري الذي يحمل الجنسية الأمريكية 54 عامًا بمستشفى سجن ليمان طرة، بعد ست سنوات ونصف من الاعتقال على ذمة قضية فض اعتصام رابعة العدوية.

وفي الثامن عشر من يناير توفي المعتقل عاطف النقرتي 56 عامًا بقسم شرطة القرين بالشرقية، قبل ساعات من إخلاء سبيله بعد عامين ونصف من الحبس الاحتياطي على ذمة قضايا وهمية.

وفي السابع والعشرين من يناير توفي المحامي المعتقل شوقي محمد موسى 46 عامًا بسجن الأبعادية، أثناء خروجه لزيارة أهله في لحظات يعجز خيال مؤلفو الأعمال الدرامية عن تجسيدها.

كما توفي في اليوم ذاته المعتقل صبري الهادي متولي بقسم شرطة فاقوس، من جراء الإهمال الطبي، وكانت أسرته قد قدمت عدة نداءات استغاثة قبل أسبوع من وفاته، وحملت السلطات المصرية المسؤلية الكاملة عن حياته.

بالرغم من ذلك لم يتلق النظام المصري أي عقوبة واضحة أو تنديد صريح من جراء الانتهاكات غير المبررة لحقوق الإنسان المصري، لتحمل المنظمات الحقوقية في هذه الفترة الحالكة مشعلًا من نور ونار تسلط به الضوء على وجه الظالم فيحرقه كشف الحقيقة، أو ربما تردعه الفضيحة التي تنتظر المساءلة، وعار القتل الذي ينتظر القصاص، وعلى كل من شاهد مثل هذه الوقائع ألا يصمت على هذه الانتهاكات فيكون مشاركًا مع النظام بجريمة القتل السلبي فضلًا عن الجريمة الإنسانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد