إنهم يصرخون ويبكون في صمت، وينحنون على الدوام خوفًا من بطش السجّان. والواحدُ مِنهُم يُسَلط عليه وحوش في شكل بشر يصفعونه كل صباح وظهيرة ومساء على وجهه وقفاه، وينهالون عليه بالهراوات، ويأمرونه أن ينحني فينحني ليُضرب على رأسه وظهره كالماشية، ويُأمر أن يخلع ملابسه فيخلعها ليعبث الهمج بجسده، ويأمرونه أن يدور وهو محني الظهر خالع الملابس فيدور كما تدور النحلة وهم ينهالون عليه ضربًا ولكمًا وركلًا ويوسعونه شتمًا وسُبابًا وسُخرية.

البداية

حين اختلف عبد الناصر مع الحزب الشيوعي السوري حول شروط الوحدة المصرية السورية، ثم مع الحزب الشيوعي العراقي حول توجهات العراق بعد إسقاط النظام الملكي، وُضِع الشيوعيون المصريون بين اختيارين كليهما صعب. فكان عليهم إما أن يختاروا بين توحيد سياستهم مع سياسة الحزبين الشقيقين، فيُعرِضوا أنفسهم لغضب الحليف الداخلي، وإما أن يوحدوا سياساتهم مع الحليف الداخلي “عبد الناصر”، فيعارضوا بذلك سياسات أشقائهم ويخرجوا من حظيرة التضامن الأممي.. وظل الشيوعيون المصريون يحاولون التوافق إلى أن حسم عبد الناصر الأمر في 1959 وقرر ضرب الشيوعيين وزجهم في السجون والمُعتقلات. كذلك توترت العلاقة بين جمال عبد الناصر وجماعة الإخوان المسلمين بعد حادثة المنشية الشهيرة؛ مما ترتب عليه ملاحقتهم والقبض عليهم وإلقاؤهم في السجون هم أيضًا.

ولمّا كانت المُعتقلات والسجون في عهد عبد الناصر موطنًا للتعذيب كغيره من المُستبدين ومُكممي الأفواه، أوفدت السلطات الناصرية في الخمسينيات عددًا من الضباط للتدريب في الولايات المُتحدة الأمريكية على ما يُسمى بـ “القتل المعنوي”. وكان هذا نوعًا من أنواع التعذيب حيثُ لا يصل الضحايا إلى حد الموت الجسدي، إنما تحرص السلطة على إبقاء ضحاياها أحياء جسديًّا لكي لا تُضبط بقتل الأنفس البريئة يومًا وحتى لا تُخلف وراءها آثارًا لجرائمها، وأيضًا حتى لا يتحول الضحايا من مخربين إلى أبطال وشهداء من أجل الحرية.

هذا النوع من التعذيب يقود الفرد إلى الكفر بقيم ومبادئ الجماعة التابع لها، تغذيهم الكوابيس وتدفعهم إلى اليأس. وقد يصل الأمر إلى دعم سلطة القائمين على التعذيب، يتم ذلك بدافع الذعر في البداية ثم يصل إلى حدّ الولع والافتتان بالمعذِّبين عبر سلسلة غريبة من عمليات خداع الذات وتنظير اليأس – مثل ما انتهى إليه بطل رواية 1984 لـ جورج أورويل- وحين تخرج الضحية من معسكر التعذيب على هذه الصورة أو تلك من الدمار المعنوي والروحي، فإنها تخدم أهداف السلطة الاستبدادية على نحٍو أفضل مما لو خرجت جثة شهيد لقى مصرعه أثناء التعذيب.

“1”

الشاعر سمير عبد الباقي أحد ضحايا التعذيب في سجون عبد الناصر سجل شهادته قائلًا: “كنت قد أصدرت مجلة باسم “صوت الفلاحين” مع اثنين من زملائي من دكرنس، وكانت لنا أفكار ضد النظام ولم تعجب القائمين علي أجهزة الأمن وخصوصًا أننا كنا ننادي بالديمقراطية فدسوا بيننا مخبرًا تابعًا للمباحث لكي يتم الإيقاع بنا وبالفعل تم لهم ما أرادوا فدخلنا السجن الاحتياطي مع مجموعة أخرى من الشباب، وهناك من ذهب للمعتقلات المُجهزة للتصفية والتعذيب وتم حبسي مع مجموعة واتهمونا بالشيوعية في قسم مكافحة الشيوعية في المباحث العامة، وهناك من مات بسبب التعذيب وتم سجني من 1959 وحتى 1964 في زنزانة انفرادية لمدة 30 شهرًا في البداية في سجن المنصورة، ولم يصدر ضدي أمر اعتقال إلا بعد حبسي بفترة وبعدها نقلوني للواحات والفيوم.

تعرضت لإهانات طبعًا وتم رميي في زنزانة بلا فرش أو غطاء أو ملابس وحافيًا، ولم أرَ النور لمدة 6 شهور تقريبًا وكنت أذهب للمكتبة وبدأنا نقرأ عما كان يحدث في أبو زعبل وكنت أسأل السجانة فيقولون لي خليك في حالك فطالما نحن بعيدًا عن المباحث العامة لن يحدث لنا ما يحدث هناك، وعندما ذهبت للواحات لم يكن هناك أكل لدرجة أن المساجين أكلوا الخروع وتسمموا، ففتح المأمور السجن على أرض زراعية هناك وقمنا بزراعتها لكي نأكل”.

“2”

قال أحمد خضر:

“سألخص لكم الأوردي في منظر صغير.. كان آخر عهدي بالدكتور فؤاد مرسي في معتقل القلعة “بيه”.. دائمًا ما كان يخرج ليتمشى في حوش المُعتقل وهو يرتدي بذلته الأنيقة، وأحيانًا يرتدي فوق البنطلون والقميص روب دي شامبر أنيقًا من الصوف. ذقنه حليقة ونظارته لامعة، يتبادل الحديث مع رفاقه ويوزع الابتسامات على الجميع، ثم تفرقت بنا السبل إلى أن ذهبنا إلى الأوردي. في اليوم التالي لوصولنا، كان بعض زملائنا يتعلقون بقضبان شباك العنبر ترقبًا لظهور أحد من زملائنا الذين سبقونا إلى الأوردي. قال أحدهم: هذا هو الدكتور فؤاد.

دفعني الفضول إلى الإسراع والتعلق بالقضبان لعلني أرى الدكتور فؤاد أو غيره، لأتبادل معه كلمة أو كلمتين حول الوضع القائم في هذا السجن العجيب. وحين أطللت بنظري رأيت اثنين من المسجونين يلبسان ملابس مغبرة ومصفرة وممزقة. كان أحدهما يتطلع يمينًا ويسارًا، يرقب الطريق ليحذر الآخر إن ظهر أحد السجانين. وكان الآخر يلتفت أيضًا، لا لسبب واضح، ولكن لمجرد دافع القلق والذعر، ثم يندفع ناحية الحائط المقابل حيث توجد كومة من القمامة التي أخرجناها من عنبرنا هذا الصباح، ينبش كومة القمامة ليخرج كسرات من الخبز، ينفض عنها التراب ثم يدسها في حلق بنطلونه، وبعد أن يختطف كسرات الخبز من القمامة يهرول إلى موقع المسجون الآخر. يلتفت يمنة ويسرة، ويقضم في نهم قضمة من كسرة في يده، ثم يستدير مهرولًا ناحية كومة القمامة مرة أخرى.

كان المنظر غريبًا، شغلني للحظات ـ ولكن لم ألبث أن تنبهت وسألت زميلي الذي يتعلق جانبي بقضبان الشباك: ولكن، أين الدكتور فؤاد؟ فأجاب: ها هو.. نظرت إلى حيث يشير زميلي، فرأيته يشير إلى المسجون القصير الممزق الثياب الذي ينبش في كومة القمامة!”.

“3”

يقول مُحمد عباس أحد معتقلي الأوردي بأبو زعبل: “أتعرفون أسوأ شيء في الأوردي؟.. إنه الفجر، إن بشائر يوم جديد تعني تجدد هذا الجحيم كله، وأشد اللحظات قسوة هي تلك التي تصافح فيها عيوننا الشاخصة للقضبان لنتبيّن أن الخيوط الأولى لنور يوم جديد بدأت تشق طريقها وسط الظلام المُريح.. هذه اللحظة التي تتكثف فيها كل التعاسة والعذاب!”.

“4”
ويسرد أحمد رائف في كتابه “البوابة السوداء” أهوال السجن الحربي الذي أمضى فيه سنوات طويلة.. “إن العذاب يبدأ من الإهانة والصفع والضرب بالعصا ثم يتنوع لنجد أن يتولى المساجين ضرب بعضهم بعضًا ثم هناك الزحف على أربع وإطلاق أصوات الأغنام والسير حفاة عراة على ألواح بها مسامير. كذلك كنس الأرض من الزجاج بالأيادي العارية، فإذا أُصيب أحد بجروح تركوه في العراء حتى يجف جرحه.

“5”


اللواء حمزة البسيوني، عسكري مصري من الضباط الأحرار. كُلف بإدارة السجن الحربي في عهد عبد الناصر، وكان ذلك السجن سيئ السمعة لما اشتهر به من التعذيب الذي كان يمارس فيه ضد السياسيين المشكوك في ولائهم للنظام. وكان اسم حمزة، حسب روايات بعض السجناء، عنيفًا يتفنن في ممارسة التعذيب ضد المعتقلين وقتل بعضهم، أشهرهم سيد قطب.

 

اشتهر بقصة تقول إن المعتقلين والمعذَبين عندما كانوا يقولون “يا رب” أثناء التعذيب، فكان يقول لهم “لو أتى ربكم هذا لوضعته معكم في السجن”.
في كتابه “الإخوان المسلمون بين إرهاب فاروق وعبد الناصر” يحكي علي صديق بداية رؤيته لحمزة البسيوني في السجن الحربي بعد حادثة المنشية في 26 أكتوبر عام 1954. يقول: “لقد اشتركت كافة أجهزة الدولة في تعقب الإخوان والقبض عليهم ونقلهم إلى سجن مصر أو سجن القلعة، وكان مجلس قيادة الثورة يبعث في طلب من يريده ليجري عليه عمليات التعذيب الجسدي من نفخ من الخلف إلى وضع الطوق الحديدي حول جمجمته إلى الضرب بالسياط ثم إعادتهم إلى السجن مرة أخرى”.

 

ويحكي مصطفى أمين في كتابه “سنة أولى سجن” نقلًا عن أحد المعتقلين الذين التقاهم داخل السجن الحربي كيف استُقبِل عند دخوله “الأوبرج” بكلبين هُما “ميمي” و”ليلي” حيث التفا حوله لينهشا لحمه. وقيل إن حمزة البسيوني اصطحبه إلى معتقل 3 وتركه فريسة للكلبين.
‮ ‮ ‮ ‮ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وتفيض مذكرات المساجين السياسيين بدءًا من زينب الغزالي وعلي جريشة وحتى مصطفى أمين وضحايا كمشيش سردًا لأساليب التعذيب وفنونه المبتكرة التي سادت في السجن الحربي على يد حمزة البسيوني وشمس بدران وصلاح نصر وغيرهم، والتي نقلها بعض الضباط فيما بعد إلى غيرها من السجون.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد