أتحدث اليوم عن نوع مهم من الأدب: أدب السجون. هذا النوع هو صخرة أو عقبة كبيرة أمام الطرفين: الكاتب والقارئ؛ فالكاتب يبذل قصارى جهده لغويًا وذهنيًا؛ حتى يخرج بنتاج مقنع وقوي يؤذي به مشاعر القارئ، وإن كان قلبه حجرًا؛ فلا بد له أن يتأثر أو يصدم، وغالبًا ما يكون هذا النوع مبنيًا على قصص حقيقة، ويغلب عليه عوامل تعرية سجون الأنظمة السياسية.

من مميزات هذا النوع أنه ليس للهواة والمبتدئين على مشوار القراءة ، فهذا اللون له جمهوره الخاص من القراء المحترفين، أو الذين لديهم القدرة على دخول السجون في مخيلاتهم، وتحمل صرخات المساجين ومشاهدتهم يتعذبون، هنا تكمن جودة العمل المكتوب.

ميزة أخرى، كما ذكرت آنفًا، أنه يقوم بتعرية، وفضح ممارسات السجانين والضباط الدنئية على المساجين؛ فأغلبهم أبرياء. ونلاحظ هذه النقطة من خلال قراءة ما يصدر عن الكاتب الفلاني الذي يعيش في الدولة الفلانية، ويفضح السجن الفلاني الذي قرأ عنه أو وردته قصة أحدهم.

أدب السجون، ليس له جذور أو تاريخ محدد عالميًا؛ نستطيع القول إن «فيكتور هوجو» هو أول من بدأ صياغة هذا النوع من الأدب في روايته القصيرة «مذكرات محكوم عليه بالإعدام».

ثم جاء عملاق الأدب الروسي «دوستويفسكي» بروايته التي تحمل مذكراته «ذكريات منزل من الأموات».

وتوالت الروايات التي تناقش وضع المساجين والسياسيين والأنظمة واحدة تلو الأخرى، حتى بدأ الشعب بثورة فكرية حطمت كل القيود التي كانوا يخافون منها، وتلاشى هذا النوع من الأدب في أوروبا مؤخرًا في ظل زيادة وعي الشعب والحكومات أيضًا، لكن هذا الكلام في أوروبا ماذا عن العرب؟

للعرب كتاب تمت محاربتهم من قبل الأنظمة، وأن هذا الأدب محظور على وجه العموم، قاموا بنقل قصص غيرهم، وقصصهم إن كانت لهم تجارب، ونشروها حتى أثارت جدل القراء.

عبد الرحمن مُنيف

يعتبر الروائي السعودي «عبد الرحمن مُنيف» الواضع الأول لحجر أساس هذا الأدب في الوطن العربي؛ حيث اصدر سنة 1970 ، رواية «شرق المتوسط»، الطبعة الأولى، والثانية في بيروت، وبعد ذلك تم منعها لما تحمله من ادعاءت خطيرة حول النظام الذي عاصره، ثم طبعت مرة أخرى في بغداد، وعادت إلى بيروت في النهاية، تتحدث الرواية عن شخص يدعى رجب، ينتمي إلى تيار فكري متحرر يتم القبض عليه مع مجموعة، ويتم تلفيق الأقوال له، ويجبرونه على الإمضاء، لكنه يرفض ويدفع ثمن ذلك في السجن.

أصدر الروائي الراحل بعد ذلك جزء آخر للرواية بعنوان «الآن هنا»، لكن هذه المرة أكثر شدة وفضحًا للسجون في الدول العربية وأساليبهم.

إعجام ..سنان أنطوان

يتحدث الروائي العراقي عن معاناة شاعر، قضى فترة من حياته في سجون المخابرات العراقية فترة 1986، على الرغم من قصرها، إلا أنه أدى رسالته، وتحدث بشكل فج عن أساليب المخابرات وطريقة استجوابهم، منعت الرواية سنة 2002 من النشر في العراق، ثم دخلت الأسواق لاحقًا عقب حرب 2003.

يسمعون حسيسها، يا صاحبي السجن، أيمن العتوم.

الأردني، د.أيمن العتوم، من علامات الرواية العربية الحديثة البارزة، واشتهر أنه من رواد أدب السجون في الساحة الأدبية من أبرز رواياته هي المذكورة، فهو يمتلك سلسلة روايات تتحدث عن الأنظمة ( السوري – الأردني ) ما بين فترة 1980 – 1997.

يسمعون حسيسها، تتحدث عن دكتور يتم اعتقاله؛ لاشتباهه بأنه ينتمي إلى جماعة إرهابية إسلامية، ويزج به من سجن إلى سجن، حتى ينتهي به المطاف إلى سجن تدمر، أو قلعة الدم: المكان الذي لا يخرج منه أحد. يستعرض الروائي بأسلوبه السلس ووصفه الجارح للنفسية طرق تعذيب السجناء، وكيف كان يتسامر السجناء فيما بينهم إلى نهاية الرواية.

أما الثانية فهي حقبة من حياة الكاتب في سجون الأردن، في البداية منعت من النشر محليًا؛ كون محتواها لا يتناسب مع الوضع السياسي، فالرواية تشمل أسماء وشخصيات حقيقة كانت موجودة على أرض الواقع، مثل «أبي مصعب الزرقاوي».

تلك العتمة الباهرة .. الطاهر بن جلون

هذه رواية خاصة جدًا حيث تتحدث عن أحد أبشع السجون الموجودة في المغرب، «تزمامرت». هذا السجن يتمتع بموقع خاص في الصحراء، ويتمتع بسمعة بالغة السوء، يأخذنا بن جلون داخل دهاليز السجن وسط المحكومين والمعذبين في الزنازن، وكأنهم حيوانات في إسطبل! عزيز، بطل الرواية توجه إليه تهمة هو مجموعة من الجنود، الانقلاب على الملك الحسن الثاني، وهناك يقضي البطل عشرين سنة من المعاناة والمأساة، وهذه أقل بشاعة عن البقية، لكن أكثرها كآبة.

السجينة ..مليكة أوفقير

على عكس عزيز بطل الرواية أعلاه، هذه الرواية بطلتها عائلة كاملة! «عائلة أوفقير» التي حاول بها والد مليكة المشاركة في اغتيال الحسن الثاني، وتم زج العائلة كلها إلى السجن، وقامت السلطات بمعاملتهم بأسوأ ممارسات التعذيب؛ لأن أباهم خائن. شغلت هذه القضية الرأي العام، وعندما خرجت مليكة وثقت في هذه الرواية كل ما حصل لهم.

في النهاية، أعلم أن هناك العديد من الروايات المهمة والمشهورة التي لم تذكر، لكن حتى لا أطيل عليكم يمكنكم زيارة هذه الصفحة والتعرف على أهم مائة كتاب ورواية في أدب السجون

https://www.goodreads.com/list/show/32076._#16102159

قراءة ممتعة مقدمًا

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد