أن تكون شخصًا انطوائيًا يعني أن هناك جزءًا كبيرًا من حياتك يقع دومًا تحت التهديد؛ تهديد الآخرين. ما بين انتهاك للخصوصيات بصورة تثير الاستفزاز، أو أن يتم تصنيفك دومًا على أنك صاحب شخصية معقدة من قبل الآخرين. وبالتأكيد يصعب على الآخرين تفهّمك في أغلب الأحيان.

من أكبر التحديات التي تواجه الانطوائيين الحفاظ على مساحة الخصوصية الخاصة بهم من هجمات الآخرين الفضولية، سواء كانت خصوصية مشاعرهم أو أفكارهم أو حياتهم بشكل عام، وأيضًا رغبتهم في الاحتفاظ ببعض الوقت مع أنفسهم، مما يعرضهم لأن يصبحوا منفرين لمن حولهم، وبالتالي يبتعد عنهم المعظم… إلّا القليل.

يعتقد البعض أن الانطوائي هو ضد الاجتماعي، أي أن الشخص الانطوائي هو من لا يمتلك أي مهارات اجتماعية، الشخص الذي يكره البشر من حوله ويرغب دائمًا في قضاء الوقت بمفرده، مما يجعلهم يتخذون موقفًا عدائيًا تجاه هؤلاء الأشخاص، سواء بجعلهم محط السخرية والتندّر بين الزملاء، أو بالابتعاد عنهم ”يجب أن تبتعد عن هؤلاء الثقلاء!”

وعلى الجانب الآخر يعتقد البعض أن الانطوائية ما هي إلا مرض؛ رجسٌ من عمل الشيطان يجب اجتنابه، وأنه عليك أن تنفتح على الناس وعلى العالم من حولك، فالعالم من حولنا جميل، ويجب الاستمتاع به على الطريقة التي يستمتع بها الجميع. فيدفعهم الحب أن يجبروهم على الانخراط بينهم إلى أن يفاجئوا بابعتادهم المفاجيء، فيتخذوا منهم ذات الموقف العدائي السابق.

وفي وسط كل هذا تظهر في ذهن هذا الانطوائي البائس تساؤلات قد تُذهب النوم من عينيه، تساؤلات عن العلاقات بين الناس، تساؤلات عن معنى الصديق، وتساؤلات عن نفسه، هل هو فعلًا مريض؟ أم أن ما به أمرٌ طبيعي وكل ما هنالك أن من حوله يسيئون فهمه؟

كأحد هؤلاء دائمًا ما تأتي إلى ذهني أسئلة مثل هذه الأسئلة، ولكن السؤال الذي لازمني طويل وأرهقني كثرة التفكير والبحث عن إجابة عنه: ما هي الصداقة؟ هل الصديق هو من أقضي معه كل وقتي؟ أم من أتذكره دومًا حتى وإن لم نلتق؟ هل كل من يحبوني وأحبهم يمكن أن أضعهم في هذه القائمة؟ أم أنها قائمة محدودة يجب ألا يتخطى عددها أصابع اليد الواحدة؟

مساحتي الخاصة من الأشياء المحظورة عندي، لا أحب لأحد أن يعتدي عليها، وأكره التعامل مع أولئك الفضوليين الذين لا يكفّون عن الأسئلة التي لن تفيدهم في شيء، فقط يسألون ليعرفوا ما لا ينفعهم، وإذا ما أنت حاولت الابتعاد عن الإجابة فقد أجرمت في حقهم، فأنت لست صديقهم لأن الصديق لا يخفي شيئًا على صديقه… لا أعلم من الذي ابتكر هذا القانون العجيب وجعله لازمًا على الجميع!

طوال السنوات الماضية كنت أُلاحظ نفسي ومشاعري تجاه من حولي، فوجدت أن هناك بعض الأشخاص في حياتي مجرد أن أتذكرهم أشعر بارتياح يفوق الوصف، وأشعر برغبة مُلحة في الحديث معهم والاطمئنان على أخبارهم حتى ولو لم نلتق من شهور. وفي الوقت ذاته أجد أنه قلما استمرت علاقة قائمة على الأحاديث الطويلة أو طول الوقت الذي نقضيه معًا، إنها حتمًا ستصير إلى ذبول.

الشيء المشترك بين من أشعر معهم بالارتياح والحنين أنه قلّما تعاتبنا، وإذا تعاتبنا لم يتخط العتاب كلمات العتاب؛ تُقال الكلمة وكأن شيئًا لم يكن، ويعود كل شيءٍ إلى سابق عهده. وإضافة إلى ذلك فإن هؤلاء هم من إذا احتجتهم وجدتهم، أيًّا كان نوع الاحتياج، أو وقته، أو الطريقة التي يُطلب بها؛ إنهم دومًا هناك من أجلك. لم أجد إجابة بعد عن التساؤلات السابقة، ولكن الصداقة بالتأكيد ترتبط بالمشاعر التي لا تتبدل وإن قل التواصل.

لم أكتب هذا المقال لأطرح أسئلة أو حتى أجوبة، ولكن ما كتبته إلّا لأشكر هؤلاء الذين لا يتبدلون وإن ابتعدنا أو ابتعدوا، لأقول لهم إن هذا العالم جميل بهم، ومجرد ذكرهم يترك شعورًا طويلًا بالراحة.

العلاقات بين البشر أيًّا كان طرفاها لن تصلح أبدًا إذا استثقل أحد الطرفين الطرفَ الآخر، وإذا كان الأشخاص المتحفظون يستثقلهم الجميع، فإنهم أيضًا يستثقلون أصحاب الفضول المرتفع.

ولكن لنترك الرسائل المُضمرة التي لا طائل من ورائها، ونوجز القول ونقول بأن كلٍ منّا يحتاج إلى الآخر، فقط نحتاج إلى أن يتفاهم كلانا مع الآخر، ولن يحدث هذا إلّا إذا حدث التفهّم… وأمّا عن معنى التفهّم فقد نجعل له حديثًا آخر إن شاء الله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد