أذكرُ أن من دروس طفولتى الأولى قولهم «للبيوت أسرار، وكذا  للقلوب أسرار، و كلاهما كعورة الجسد؛ محرمٌ أن يكشف، و محذورٌ  أن ينتهك»، ما كان لأحدنا أن يُخبر أقرب الناس إلى أسرته عما أكلوا اليوم، أو عما فعلت أمه، أو عن نقاش دار بيننا، و ما كان لنا أن نُخبرهم كيف تبدو سيماء الحب بين الزوج وزوجته، كان لكل شيء خصوصيته، ولكل حدث قدسيته.

لم نكن نتمتع بخصوصية خالصة؛ كان دائمًا يوجد متلصصون، يختلسون النظرات، فينقلونها هنا وهناك، في ترقب؛ خشية أن نعلمهم، أما الآن، ومع وجود مواقع «التواصل الاجتماعي»، وتسابق الخلق في إظهار مدى روعتهم،  والرغبة  العارمة في إبداء «أني متفوق عليك»، في المال، والحب، وحتى في الحزن والفقد، وانتشاء سببه إشعار يُخبرك بأن عددًا لا بأس به قد أعجبه ما تُدون، أو قام بمشاركته، لم يعد هناك حاجة لوجود متلصص؛ فقد أصبحت حيواتنا مشاعًا، تكفيك زيارة واحدة، لصفحة أحدهم؛ فتعرف منها كل شيء عنه، ماذا أكل، ومع من كان، وما يُحب، وما يكره، تجدهم يسطرون كل شيء حولهم، حتى لحظات الملل والمرض، أصبحوا غارقين في التدوين، حتى نسوا أن يعيشوا لحظاتهم تلك.

لم يعد للمحبين أسرار، ولا للعلاقات خصوصيتها، فما إن تظهر بادرة ود، أو هجر، حتى يُبادر أحد الطرفين، أو كليهما بالكتابة عن الأمر، ولم يتوقف الأمر عند الكتابة فحسب، وإنما امتد ليشمل الصور، والصوت. أصبحنا نتكلف السعادة، ونعتنق الشقاء؛ فقط لأن رواد صفحاتنا يُعجبهم هذا.

لم يتوقف سباق التدوين عند نزهة أو هدية، أو حتى حديث خاص، وإنما امتد؛ ليشمل ما بين العبد وربه، ليشمل دمعةً أُريقت في سجدة، ودعاءً استودعناه الله، أصبحنا ـ وبشيء من حسن النية ـ نتحدث عن صدقاتنا التي أودعناها يميننا، حتى لا تعلمها يسارنا، أصبح عملنا جُله مشوبًا برياء، رياء ما كان للقلب أن يُدركه من فرط ما غُلف بالحسن.

حولتنا مواقع التواصل الاجتماعى ـ إن صح أن نُطلق عليها اجتماعي – إلى مسوخ، لا نحترم سرًا، ولا نُقدس علاقة، انعكس الأمر علينا، فأصبحنا مكشوفين جدًا، عرايا أكثر مما يجب، مُدونين أكثر مما ينبغي، علاقتنا هشة، أرواحنا مُرهقة، والأردى، أعمالنا كلها يشوبها الشك.

أتفهم حاجة البشر للثرثرة، للحديث دون انقطاع، لرغبتهم في سرد إنجازاتهم، والبكاء على إخفاقاتهم، جبلوا على الاجتماع والمشاركة، لكن ما لا أفهمه، هو تعديهم أنفسهم على مساحاتهم الشخصية، أن يتركوا كل نوافذ قلوبهم ومنازلهم مفتوحة على مصراعيها؛ يطؤها المؤمن والكافر، المحب والكاره، نسوا في حمى الكتابة أن هناك ما لا يجب قوله ولا سطره.

فاعلم ـ رعاك الله ـ كما أن للتدوين نشوته، فللسر والخصوصية نشوتهما، وأن المواقع تلك لم تُنشأ لاستبحاتنا، وانتهاك حرماتنا، والتعدي على مساحتنا الشخصية؛ احتفظ لنفسك بحديث خاص، وبذكرى في ركن حصين من القلب، تكن لك زادًا وقت النوى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الخصوصية
عرض التعليقات
تحميل المزيد