يؤمن أولياء الأمور بأن أبناءهم هم الاستثمار الحقيقي ورأس مالهم في هذه الحياة، لذا فهم على استعداد كامل لتحمل نفقات مالية باهظة في سبيل الالتحاق بالمدارس الخاصة أو الدولية، هروبًا من كابوس المدارس الحكومية وظنًا منهم أن هذه المدارس الخاصة والدولية تقدم جودة تعليمية وتربوية أفضل. ولكن الباحث التربوي والمطلع على واقع التعليم الخاص والدولي قد يشفق على أولياء الأمور بسبب هذه النظرة المثالية والمفرطة في التفاؤل. فهل فعلاً تؤدي المدارس الخاصة والدولية خدمات تعليمية وتربوية أفضل من المدارس الحكومية؟ وهل يصلح أن تكون زيادة المصروفات المدرسية معيارًا للتعبير عن مستوى تعليمي أجود؟

للإجابة بموضوعية ودون تحيز عن هذه الأسئلة، سنعرض أبرز الأدوار الإيجابية التي من المفترض أن تقوم بها المدارس الخاصة والدولية في النظام التعليمي، ثم سنسرد أهم سلبياتها من واقع دراسات تربوية أجنبية وعربية، ونترك للقارئ حرية الحكم النهائي على هذه القضية.

أولًا: الدور الإيجابي المفترض للمدارس الخاصة والدولية في النظام التعليمي

تتفق مجموعة من الدراسات التربوية على أدوار مفترضة للتعليم الخاص والدولي، أهمها:

1. تفعيل الخصخصة وتخفيف العبء الاقتصادي عن كاهل وزارة التربية والتعليم

لعل السبب الأبرز في إيجاد فكرة مدارس خاصة ودولية في مصر هو اعتماد الدولة نظام الخصخصة في القطاع التعليمي. فالكثافة السكانية المرتفعة تؤدى إلى زيادات رهيبة في أعداد الطلاب، مما ينتج عنها ازدحام في الفصول، وبالتالي تبرز الحاجة إلى إنشاء مدارس جديدة، وهو ما يكلف ميزانية الدولة ملايين الجنيهات قد تعجز أحيانًا عن توفيرها. فاضطرت وزارة التربية والتعليم إلى اعتماد هذه المدارس الخاصة والدولية وتيسير سبل إنشائها وتقنينها؛ بل وأعطتها لا مركزية في بعض السياسات التعليمية مثل إضافة المناهج الخاصة بها وتحديد المصروفات المدرسية وحرية استخدام مباني المدارس الحكومية أثناء امتحانات الشهادات العامة لطلابها.

2. قيمة مضافة للجودة التعليمية والتربوية

تمتلك المدارس الحكومية إمكانيات مادية متواضعة، مثل نقص المعامل المجهزة وغرف الأنشطة ووسائط تكنولوجيا التعليم، والتي تؤثر سلبًا على مخرجات التعليم. فكانت الفرصة متاحة أمام المدارس الخاصة والدولية لاستغلال أفضل إمكانياتها المادية وتطوير المخرجات التعليمية للطلاب. فالإمكانيات المادية المتاحة لدى هذه المدارس من المفترض أن تقدم فصولًا مجهزة بأحدث أساليب التكنولوجيا، ومعامل متطورة يمكن أن تصقل من مهارات التعلم التطبيقية لدى الطلاب، فضلاً عن التعاقد مع معلمين أكفاء ومستشارين تربويين محليين وأجانب؛ وينعكس كل ذلك على التميز الدراسي للطالب وزيادة تحصيله الدراسي.

وتشمل هذه القيمة المضافة أيضًا تطبيق أحدث المناهج الدراسية المحلية والأجنبية، وبالتالي اتباع أحدث معايير القياس والتقويم الذاتي للطلاب. فالمناهج الدولية – الأمريكية والبريطانية – تخضع لنظام التقويم الأمريكي SAT والبريطاني IGCSE. وتمثل درجات الطلاب في هذه الاختبارات الدولية تنسيقًا معتمدًا يحدد الجامعات التي سيلتحقون بها.

3. دعم مهارات اللغة الأجنبية لدى الطلاب

تتميز مناهج المدارس الخاصة والدولية بتدريس مقرراتها التعليمية إما باللغة العربية والإنجليزية معًا أو باللغة الإنجليزية فقط، كما تلتزم بتدريس اللغات الفرنسية والألمانية بالتبادل إجباريًا على بعض المراحل التعليمية؛ وهو ما يوفر بيئة مثلى لاكتساب مهارات اللغة الأجنبية تحدثًا وكتابةً ونطقًا واستماعًا. كما أن تواجد بعض المشرفين الأجانب في عدد من هذه المدارس يمكن أن يساهم في إثراء هذه الجوانب اللغوية. وغالبًا ما يسلم البعض بتميز الطلاب المتخرجين في المدارس الأهلية والدولية بجاهزية أفضل لسوق العمل بسبب إتقانهم لمهارات اللغات الأجنبية.

ثانيًا: المآخذ السلبية على المدارس الخاصة والدولية

تشير بعض التقارير والأبحاث إلى وجود سلبيات تربوية وتعليمية وإدارية في المدارس الخاصة والدولية، ومن أبرز هذه السلبيات:

1. تسويق التعليم وتحويله إلى عملية ربحية.

تمنح وزارة التربية والتعليم لامركزية في تحديد المصروفات التعليمية للمدارس الخاصة والأهلية؛ إلا أن هذه اللا مركزية يتم استغلالها بشكل مبالغ فيه، فمصاريف السنة الدراسية لطالب في مرحلة رياض الأطفال في مدرسة خاصة تتراوح بين 40 إلى 50 ألف جنيه مصري في الأقاليم، وقد تصل إلى 70 ألف جنيه في القاهرة والإسكندرية. وقد تصل مصاريف طلاب مرحلة رياض الأطفال في المدارس الدولية إلى 100 ألف جنيه مصري. ومن الجدير بالذكر أن هذه المصاريف تزداد عامًا بعد آخر، وغالبًا مايكون هناك اتفاقات غير ظاهرة بين ملاك هذه المدارس لتحديد أسعار معينة في بداية كل عام دراسي جديد. وعادة ما يكون هناك رسوم إدارية إضافية يدفعها الطالب مثل رسوم الأنشطة المدرسية والرحلات والحفلات واستخراج الشهادات والملفات.

وتشمل مظاهر هذه السوقية والربحية أيضًا اختيار المناهج التي يتم تدريسها للطلاب، فعملية الاختيار لا تخضع لمعايير تربوية بل تخضع لمعايير مادية بحتة، مثل سعر هذه المناهج والامتيازات التي يمكن أن تحصل عليها هذه المدارس نظير تطبيق هذه المناهج. نفس السوقية والربحية نجدها في اختيار أنظمة التعلم الإلكتروني وتطبيقات التكنولوجيا، حيث يتم إجبار المعلمين والطلاب على استخدامها بغض النظر عن المعايير التربوية التي تحدد سهولة استخدامها أو تقبل المستخدمين لها أو حتى مناسبتها للبيئة التعليمية.

2. المخرجات التربوية والتعليمية العادية

يتوقع أولياء الأمور تميزًا تربويًا وتحصيلًا دراسيًا متميزًا لطلاب المدارس الخاصة والدولية، إلا أنه في الواقع يكون هذا التميز ظاهرياً وسطحياً لايتعدى الحبر الذى كتبت به شهادات هؤلاء الطلاب. فالتحصيل الدراسي لبعض طلاب المدارس الحكومية قد يفوق نظرائهم من طلاب المدارس الخاصة والدولية. وترتبط هذه الحقيقة بمجموعة من العوامل أهمها:

– اتباع هذه المدارس نظام تقييم يعطي الدرجات النهائية لجميع الطلاب خاصة في أعمال السنة والاختبارات الشفوية دون النظر إلى المستوى الحقيقي للطالب.

تستغل المدارس الخاصة والدولية لامركزية وضع الاختبارات في مراحل التعليم الأساسية، فتمنح الطلاب ملخصات تتناول الأسئلة المتوقعة في الاختبار، وهو ما يسهل لجميع الطلاب الحصول على الدرجات النهائية.

في المدارس الدولية، يتم منح الطلاب الدرجات النهائية في جميع المواد الدراسية بغض النظر عن مستواهم الحقيقي أو نسبة حضورهم أصلاً طوال العام الدراسي، بحجة أن هذا سيساعد الطالب في التفرغ لامتحانات معادلة الشهادات الأمريكية والبريطانية والتي ستحدد مصيرهم الجامعي.

يؤمن ملاك المدارس الخاصة والدولية بأن أي نتيجة غير مرضية لأولياء الأمور سوف تقلل من فرصة استكمال الطلاب في هذه المدارس والبحث عن مدارس أخرى، مما قد يؤثر على عوائدهم الربحية.

الخلاصة:

إن المدارس الخاصة والدولية تواجه تحديات جسيمة على الصعيدين التربوي والتعليمي؛ فالأصل أن التعليم الخاص والدولي من المفترض أن يلعب دورًا مكملًا للتعليم الحكومي ويضيف قيمة تعليمية جديدة ومخرجات تربوية متميزة تتناسب مع الإمكانيات المادية الهائلة للتعليم الخاص. ولكن الواقع يكشف أن هذا الدور مشكوك فيه أو أنه لايتم بالشكل المطلوب ولا يحقق النتيجة المرجوة في أغلبية هذه المدارس بسبب عدة عوامل أهمها سيطرة الثقافة السوقية والربحية على إدارة هذه المدارس، وعدم تطبيق المعايير التربوية سواء في اختيار مناهجها أو عند تطبيق أنظمة تكنولوجيا التعليم، بالإضافة إلى عوامل أخرى قد تضعف من الدور التربوي للمعلم في الإرشاد والتوجيه.

ومن ثم، يبرز دور وزارة التربية والتعليم في إعادة النظر في سياسات المدارس الخاصة والدولية، وتفعيل الرقابة والمحاسبة على إداراتها. كما يجب على الوزارة أن تتدخل لحماية القيم التعليمية والتربوية من تحويلها لمجرد سلع سوقية يحددها العرض والطلب، وأن تراقب مركزيًا أساليب التقويم والاختبارات في هذه المدارس، بالإضافة إلى وضع معايير تربوية وتعليمية لاعتماد وتصديق تشغيل المدارس الخاصة والدولية، وضرورة التقييم الدوري لأداء هذه المدارس والتدخل المباشر في حالة حدوث أي مخالفات لهذه المعايير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد