عرف التعليم الخصوصي في بلادنا انتشارًا مهولًا في الآونة الأخيرة، وأصبح إلزاميًّا أكثر من العمومي. وإلزامية التمدرس يعني أن الدولة ملزمة بتوفير كل الوسائل اللازمة لتنفيذ هذا الأمر وتحقيقه، تماشيًا مع معايير التعليم في الدول الديمقراطية.

هل هذه هي الغاية من التعليم؟ هل هذا هو الهدف من المدرسة؟ ما النتائج المترتبة عن وجود مقررات مختلفة شكلًا ومضمونًا في التعليم؟ وما الغاية منها؟ وما هي نقاط الاختلاف بينهما؟ ولماذا نرى الأسر المغربية تتهافت وراء هذا النوع من التعليم رغم تكاليفه وسلبياته في خلق فوراق طبقية؟ ولماذا أصبحت بعض الأسر تجعل هذا النوع من التعليم مفخرة لها وأنها تساير التقدم الحضاري ومواكبة العصر، رغم أنه عكس ما يتصورون؟

من الأفضل؟ التعليم العمومي أم التعليم الخصوصي؟ وأيهما أكثر جودة؟ ومن المستفيد الأكبر منه؟ وغيرها من الأسئلة التي تحير المجتمع. وكما نعرف جميعًا أن ذكاء المجتمع يكمن داخل دماغ المدرسة، وإذا رأيت مجتمعًا غبيًّا فاعلم أن دماغ المعلم قد أصيب بجلطة.

من ناحية جودة التعليم، فإذا كان الهدف من التعليم هو تكوين متعلمين أكفاء فالنتائج حتمًا ستكون واحدة كيفما كانت نوعيته، لكن إذا كان الهدف ربحيًّا يخدم مصالح فئة معينة فأكيد التعليم الخصوصي هو المستفيد الأكبر لكون أرباحه الطائلة ستقتصر على فئة معينة دون غيرها، ومكلفة لأسر لا طاقة لها في تحمل تكاليفه التي تفوق دخله. وهناك من يرى أن التعليم الخصوصي أفضل لأن التلميذ يحترم توقيته، ويكتسب لغات أجنبية جديدة في سن مبكرة، ومراعاة الأساتذة للظروف النفسية واللياقة في الحديث مع التلاميذ، وإلزام المدرس بجدول أعمال وأنشطة موازية، وخرجات ترفيهية وتحفيز المتعلم على اكتساب مهارات جديدة وغيرها من القوانين التي تطبق في هذا التعليم، التي يجب أن تطبق في التعليم العمومي وبقواعد هادفة وقوانين جديدة هدفها الأول التعليم حق للجميع وبدون فوارق.

وإقبال الأسر المغربية على هذا النوع من التعليم الخصوصي فيه تكليف أكثر ما فيه تعليم، وفيه فوارق اجتماعية كبيرة، فالأسرة العادية أو المتوسطة الدخل لا تستطيع أن تسدد تكاليفه الباهظة من خلال رسومه الخاصة بالتسجيل، وارتفاع واجبات التأمين المدرسي، زد على ذلك الارتفاع المهول للتكاليف التي يفرضها أصحاب المؤسسات بداية كل موسم دراسي دون رقابة أو قوانين تنظم وتقنن هذا القطاع بخصوص الأسعار، إضافة إلى أثمان الكتب المرتفعة، والتي تعد تجارة مفيدة ومربحة وصيدًا ثمينًا للمطابع ودور النشر. ناهيك عن الواجب الشهري للأداء الذي يفوق الواجب الشهري للآباء، مما يشكّل عبئًا ماديًّا كبيرًا عليهم.

وفي نظري هذه الإمكانيات والوسائل المتاحة في التعليم الخصوصي يمكن توظيفها في التعليم العمومي وستكون النتائج جد مبهرة وأقل تكلفة، إذا نظرنا إلى الأجيال ما قبل التعليم الخصوصي، فهي أجيال أكثر علمًا وخبرة؛ لأنهم استطاعوا أن يحققوا فيه أفضل النتائج رغم بساطة الأقسام وتواضعها؛ لأن رسالة التعليم والمعلم كانت أبلغ، وجودتهما أسمى.

أنا ضد التعليم الخصوصي فهو فيه تكليف للعائلات المغربية، ويهدف إلى خلق فوراق طبقية نحن في غنى عنها، مقسمين أبناء البلد الواحد إلى فقير وغني (الأغنياء تعليم خصوصي، والفقراء تعليم عمومي).

كما أن هذه المدارس الخاصة تساهم بشكل كبير في تدمير النسيج الاجتماعي، وتوسيع الفوارق الطبقية بين أبنائه، ودفن الأخلاق، وتفكيك اتحاد حب وخدمة الوطن، وسحق محبة المعرفة، وإعدام الفكر السليم، وهي على المستوى الاجتماعي تصنع لنا مستقبلًا أشد ظلامية من اللحظة الحالية. وكما لا يخفى على الجميع أن التعليم له هدف أسمى، وهو أن التعليم حق للجميع ودون تمييز.

وسبب تدمير التعليم في المغرب هو تنصل المسؤولين من مسؤولياتهم في خدمة التعليم، والتسويق التجاري له لأهل الأموال من أجل تحقيق مكاسب طائلة، فحتى الدول الغربية التي تفوقنا تقدمًا لم تشجع هذا النوع من التعليم وتشترط عموميته وإلزاميته من الابتدائي إلى السنة التاسعة الإعدادية، وفي حالة رفض التلميذ بعدها إكمال دراسته تشترط عليه التخصص في مجال ما، مع مراقبته وتحت تكاليفها لتضمن له مستقبله فيما بعد. وهو تكوين التلميذ بعد مغادرة الدراسة، وهو ما نفتقده في منظومتنا التعليمية التي تفكر فقط في الربح.

وعلى رجال التربية وأصحاب الضمائر الحية أن يقاطعوا هذا النوع من التعليم، الذي يخدم أجندات معينة، وأقولها وأكرر قولي هذا: الهدف منه الربح لا التعليم؛ لأن التعيلم العمومي يمكن أن ندخل عليه إصلاحات جذرية، وسيكون أعلى شأنًا من نقيضه.

كما يجب على كل الأسر المغربية والساهرين على التعليم وعلى الوزارة الوصية على قطاع التربية أن يشجعوا التعليم العمومي، وأن لا يبخسوا بضاعتهم لدى أصحاب الشكارة من المستثمرين في مجال التربية، وعلى بعض رجال التعليم الذين يشجعون هذا النوع من التعليم نظرًا إلى أرباحهم الزائدة عما يتقاضونه في التعليم العمومي أن يقوموا بواجبهم على الوجه المطلوب كما يقومون به في الخصوصي، لأن هذا النوع من الاستثمار أو الارتزاق بالعلم والمعرفة تغلب فيه المصلحة الخاصة على العامة، وهو ما يرفضه أولو الألباب الغيورون على وطنهم والساهرين على أن نكون سواسية في كل شيء كمواطنين، تعليم مجاني واحد وللجميع، لا فرق فيه بين هذا وذاك، إذا كنا فعلًا نسعى لتحقيق العدالة.

فالعيش أعزّة بكرامتنا، يكون بإصلاح المنظومة التعليمية؛ لأن به تصلح أحوال الأسرة ويصلح المجتمع، وإن أردنا الذل والهوان وخلق مجتمع هش نسمح بجعل هذا النوع من التعليم الخاص هو السائد والغالب، متجاهلين نتائجه الوخيمة على المجتمع ماديًّا، اقتصاديًّا واجتماعيًّا، ونقتل التعليم العمومي ونبيعه للتعليم الخصوصي بدراهم معدودة، فنجعل منه تعليمًا سمينًا يجوع المواطن ويسمن أصحاب الشكارة.

وختامًا، يجب على الدولة أن تتبنى أفكارًا جديدة تهدف إلى إصلاح التعليم العمومي بجميع مراحله ومقرراته ومكوناته، ضامنة حق المعلم والتلميذ وكل حقوقهما الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، وألا تجعل تدبير شؤون البلاد إلى أصحاب الشكارة، فلا لتسويق التعليم ولا للمتاجرة بمستقبل أبنائنا. لأننا في بلد الحق والقانون، والوطن وطن الجميع وما فيه خدمة للمصلحة العامة أحق من المصلحة الخاصة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد