تعد قضية الدروس الخصوصية من أهم الظواهر التربوية والتعليمية التي تمس المجتمع العربي بأسره؛  إذ تُقبل جميع المراحل التعليمية على الدروس الخصوصية ابتداءً من المراحل الابتدائية وحتى مرحلة الجامعة. وما تزال هذه القضية مثار جدل بين الباحثين في مجال التربية. فمن ناحية أثبتت بعض الدراسات العلمية التربوية فعالية الدروس الخصوصية في بعض المتغيرات التعليمية؛ ومن ناحية أخرى أكدت بعض الدراسات وجود آثار سلبية للدروس الخصوصية تهدد كفاءة النظام التعليمي. انطلاقًا من هذا الاختلاف، سيحاول هذا المقال تسليط الضوء على أهم الإيجابيات والسلبيات للدروس الخصوصية وفقًا لأحدث نتائج الأبحاث التربوية التي أجريت في هذا الصدد.

أولًا: سلبيات الدروس الخصوصية

يمكن تلخيص أبرز سلبيات الدروس الخصوصية فيما يلي:-

1. انخفاض جودة التعليم الرسمي:

يعتمد الطلاب على المادة التعليمية التي تقدم لهم في الدروس الخصوصية، ومن ثم يهمل الطلاب الكتاب المدرسي بحجة أن الكتاب المدرسي يحتاج إلى معلم خصوصي لشرحه وتوضيحه. كما يشكك الطلاب في قدرة المدرسين الرسميين على تبسيط المفاهيم الموجودة في الكتاب المدرسي. ويرى بعض الطلاب أن حلمهم بتحقيق التفوق الدراسي يأتي من خلال الدروس الخصوصية، بسبب قدرة معلمي مراكز الدروس الخصوصية على توقع أسئلة الاختبارات، وتقديم مراجعات نهائية قوية وتدريبات مكثفة، فضلًا عن مرونة أوقات الدروس وحريتهم في اختيار المواعيد وطريقة الشرح.

ولا شك أن هذه العوامل تضعف من دور المدرسة في المجتمع، وتعكس صورة سلبية عن كفاءة المعلمين الرسميين والمناهج المدرسية؛ مما يدفع المعلمين الرسميين إلى التركيز على الدروس الخصوصية وادخار الجهد، وعدم الجدية أثناء الحصص المدرسية. كما يهمل المعلم الكتاب المدرسي لصالح كتب خارجية بدلًا من القيام بدوره في تبسيط المناهج المدرسية وعرضها وتدريب الطلاب عليها. وقد ترتب على تراجع دور المدرسة بهذا الشكل المهين انتشار ظواهر سلبية، مثل الغياب المتكرر للطلاب، والتعليم المنزلي، وعدم احترام المعلم بسبب عدم الشعور بالحاجة إليه، بالإضافة إلى مشكلات الطلاب المدرسية بسبب ضياع وقت الحصة، وقناعات الطالب المسبقة بأنه لا جدوى من هذه الحصص، وأن حضوره فقط من أجل درجات الحضور التي تضاف إلى تقييمه السنوي.

ب. إرهاق ميزانية الأسرة:

على الرغم من مجانية التعليم في المدارس الرسمية، فإن ضعف دور المدرسة جعل الكثير من أولياء الأمور يقتنع بتحديد ميزانية روتينية للدروس الخصوصية لأبنائه مهما بلغت من تكاليف. ولا مانع عند أولياء الأمور الميسورين ماديًّا من حجز دروس خصوصية لأبنائهم عند أكثر من مدرس في المادة الواحدة. ويضاف إلى هذه الفاتورة مصاريف الكتب الخارجية، والمذكرات التعليمية، وحصص الامتحانات والمراجعة النهائية. وعلى الرغم من دفع هذه الفاتورة الباهظة، ما زال هناك تمسك من أولياء الأمور بإرسال أبنائهم إلى الدروس الخصوصية حتى لو على حساب الغياب من المدرسة.

ج. الاعتماد على التحصيل الدراسي دون بناء شخصية الطالب

لا شك أن الدروس الخصوصية تعتمد فقط على تأهيل الطلاب للحصول على أعلى درجات الاختبار. وهي هنا – على عكس المدرسة – تركز على جانب واحد فقط وهو تنمية الإنجاز الأكاديمي للطالب دون مراعاة أي جوانب شخصية أخرى. فالشخصية الاجتماعية للطالب تقوم على اكتساب الخبرات والتجارب الناتجة عن التعامل مع الوسط المدرسي من معلمين وطلاب لأطول فترة زمنية. فاليوم الدراسي في المدرسة يصل إلى ثماني ساعات تعد كافية لاكتساب ثقافة التعامل مع المواقف الاجتماعية المختلفة على مدار عام دراسي كامل. كما أن المدرسة توفر المرافق والأنشطة التي تشكل شخصية الطالب المهارية والقيادية. أما في الدروس الخصوصية لا يتجاوز حضور الطالب ساعة واحدة فقط، وبالتأكيد لا يجد أي فرصة للتعامل الاجتماعي واكتساب جوانب مهارية أخرى.

ثانيًا: إيجابيات الدروس الخصوصية

تتمثل الإيجابية الوحيدة للدروس الخصوصة في تنميتها الإنجاز الأكاديمي والتحصيل الدراسي عند الطالب. فأساس تنافس الدروس الخصوصية مع المدارس الرسمية هو قدرتها على شرح المواد بطريقة فعالة ومبسطة، بالإضافة إلى منحها للطالب حرية نسبية في اختيار أوقات ومواعيد مناسبة للتدريس. كما تستغل الدروس الخصوصية ضعف المقررات المدرسية الرسمية في تأليف مذكرات وكتب خارجية تساهم في تبسيط المعلومات للطلاب، وتوفير أكبر قدر ممكن من التدريب والممارسة. وهو ما ينعكس على التفوق الدراسي للطلاب، وتحقيقهم المجاميع التي يرغبون بها.

ثالثًا: الحكم التربوي على الدروس الخصوصية

في الحقيقة، لا يمكننا أن نجزم بإيجابيات مطلقة للدروس الخصوصية أو بسلبيات مطلقة لها. يضاف إلى ذلك، عدم وجود قوانين حكومية تجرِّم الدروس الخصوصية؛ فالدستور المصري وقوانين وزارة التربية والتعليم لا يوجد فيها ما ينص على أن الدروس الخصوصية جريمة قانونية تستوجب العقاب.

ولكن الواقع التربوي الأليم يكشف عن تراجع مشين لدور المدرسة في القيام بمهامها التربوية والتعليمية. هذا التراجع – سواء عن عمد أو غير عمد – هو الذي أدى إلى استفحال ظاهرة الدروس الخصوصية وعدم اكتراث الطلاب وأولياء الأمور بدور المعلمين الرسميين في المدارس. فالنظام التعليمي الرسمي يتحمل مسئولية الوصول إلى هذا التدهور، وحينما تعود المدرسة إلى سابق عهدها، ويعود ضمير المعلمين في المدارس إلى الوعي ستتلاشى تدريجيًّا ظاهرة الدروس الخصوصية.

الخلاصة

إن ظاهرة الدروس الخصوصية نشأت بفعل التراجع المتدهور للنظام التعليمي الرسمي، وعدم قيام المعلمين الرسميين بمسئولياتهم التربوية والتعليمية داخل الفصل المدرسي. كما أن الحديث عن محاربة الدروس الخصوصية مجرد فرقعة إعلامية لا تستند إلى أي خطة علاجية تقدمها الوزارة لتدارك الموقف. فماذا قدمت الجهات التعليمية المختصة في هذا الصدد؟ وهل هناك رؤية عند صانعي السياسات التربوية لاحتواء مراكز الدروس الخصوصية؟ بل هل هناك خطة أصلًا لتفعيل دور المدرسة في المجتمع وعودتها إلى الريادة من جديد؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد