الحقيقة أنّ التصدي لكتابة روايةٍ تاريخيةٍ عن فترةٍ قريبةٍ إلى حدٍ ما مثل «مصر الملكية»، سيكون خطوةً ليست سهلةً؛ خاصة إذا كانت تلك الفترة سبق تناولها في كتاباتٍ أو أعمالٍ سينمائيةٍ أو تليفزيونيةٍ.. بالطبع تلك النقطة لا تمنع أن يكتب روائيٌ عملًا تاريخيًا جديدًا عن تلك الفترة؛ وسيكون له حساباته، ورهاناته أمام القراء، أو وجهة نظرٍ معينةٍ يُريد إيصالها، وهنا تزداد المغامرة سخونةً إذا كانت وجهة نظر الكاتب مخالفةً لما هو سائدٌ أو مستقرٌ عند غالبية الجمهور.

ومع كل ذلك، يظل للروايات التاريخية بريقٌ خاصٌ، وتحظى تلك الأعمال الأدبية بإقبالٍ من القراء الذين قد يريدون معرفة الكثير عن الجوانب المجهولة لشخصياتٍ تاريخيةٍ شهيرةٍ، وما أحاط بها من صراعاتٍ وخلافاتٍ على السلطة والنفوذ.

دار الحديث السابق كله برأسي فور رؤية غلاف رواية «فاروق الأخير» للروائي المصري منتصر أمين، والصادرة منذ أيامٍ قليلةٍ عن دار «الرواق للنشر والتوزيع»، وكانت ضمن قائمة مشترياتي في أول زيارةٍ لمعرض القاهرة الدولي للكتاب لأسبابٍ كثيرةٍ؛ أولها: الصراعات السياسية الشرسة التي شهدتها مصر الملكية، ثم الشخصية الرئيسة في هذا العمل الأدبي، الملك فاروق الأول 11 فبراير (شباط) 1920 – 18 مارس (أذار) 1965، آخر حاكم لمصر من الأسرة العلوية، وما أحاط بتلك الشخصية من أحداثٍ مُعقدةٍ كانت سببًا في اختلاف وجهات النظر السياسية عن تلك الفترة؛ هل كان الملك فاروق ظالمًا أم مظلومًا.

تبدأ الرواية بفترةٍ زمنيةٍ دونّها الكاتب منتصر أمين أعلى فصله الأول بالرواية؛ الخميس 18 مارس 1965 في مطعمٍ إيطاليٍ شهيرٍ اسمه «إيل دي فرانس».. هذا تاريخ ومكان وفاة «فاروق»؛ حسنًا نحن على موعدٍ لقراءةِ الصفحات الأخيرة في حياة «الملك» الذي قصد هذا المطعم لقضاء ليلةٍ جميلةٍ مع إحدى الفاتنات الإيطاليات التي تسبقه في النزول من سيارة «كاديلاك سوداء»، لكن تشهد تلك الليلة نهايةً دراميةً إلى حدٍ ما بوفاة «الملك» على مائدة الطعام بعد تناوله وجبةً عجيبةً، لتسير سطور الرواية في الفصل الثاني منها محاولة تأكيد الشبهات التي تحوم حول وفاة الملك «مسمومًا».

كثيرون يرون أنّ السطور الأولى في الرواية عاملٌ مهمٌ في استمرار القارئ في تصفحها أو تركها؛ هنا، وفي تلك الرواية، كانت البداية مثيرةً ذكيةً، وقد تصورتُ للحظاتٍ أنّ بقية الفصول ستكون محاولةً لكشف تفاصيل تلك الوفاة، لكن كنا على موعدٍ مع البدايات الأولى لحياة «الملك» السياسية.

تعود أحداث الرواية إلى الوراء، مايو (أيار) عام 1936، بعد وفاة والد «فاروق» الملك فؤاد الأول بنحو 10 أيامٍ، وبداية الأحداث الكبرى في القصر الملكي، وتوليّ الابن حكم البلاد في سنٍ صغيرةٍ بعد عودته من بريطانيا، ثم صراعات الإنجليز، والساسة، وحكومة «الوفد» برئاسة مصطفى النحاس، وعلاقات «فاروق» مع والدته «نازلي»، ثم أحمد حسنين باشا، رئيس الديوان الملكي في ذلك الوقت، وزوج والدة «الملك» فيما بعد، الرجل الجاد في طلب العلم، المحب للمغامرات جوًا، وفي رحلاته الاستكشافية بالصحراء الغربية، ثم مغامراته وطموحاته التي لا حدّ لها في عالم السياسة.

الكاتب المصري منتصر أمين مؤلف رواية «فاروق الأخير» يبرر اختيار تلك الفترة لتكون زمنًا لأحدث رواياته بقوله إنها مرحلةٌ مهمةٌ جدًا في تاريخ مصر، كان المفروض أن تخرج فيها الدولة من «عباءة» الاحتلال الإنجليزي، لكن الصدمة أنّ السفير البريطاني كان يتحكم في مقدرات الدولة المصرية وقتها، بينما الملك فاروق كانت «إيديه متكتفة».

يُضيف «أمين» في حواري معه أنه شغوفٌ طوال الوقت بالتاريخ، ومكتبة والده ساعدته على إشباع قراءاته التاريخية، يُكمل: «بالنسبة لي كقارئ مهتم بالتاريخ قبل أن أكون روائيًا، طول عمري كنت مستغرب كيف لشخص عمره 18 عامًا يحكم بلدًا مثل مصر، لم أستوعب هذا الأمر، ثم الهاجس المسيطر على كثيرين من أن الملكية كانت فترةً جيدةً، وفي الحقيقة إنها لم تكن ورديةً».

في رواية «فاروق الأخير» لم تكن هناك شخصية مهيمنة على الأحداث طوال الوقت أو مساحتها كبيرة؛ عبر الفصول القصيرة كانت الشخصيات تظهر، تتحرك، تتصارع، ثم تختفي بسرعة.. «نازلي» تحاول تثبيت أقدام ابنها في الحكم، وفي الوقت عينه لم تُهمل حياتها العاطفية، سواء بعلاقاتها مع كبير الياوران عمر فتحي (1890 – 1955)، أو أحمد حسنين باشا، أكتوبر (تشرين الأول) 1889 – فبراير 1946، رئيس الديوان الملكي، الذي ظلت تحوم حوله حتى تزوجته «عُرفيًا».

تناولت الرواية أيضًا صراعات أحمد حسنين باشا السياسية مع المندوب السامي البريطاني في مصر وقتها مايلز لامبسون، ومصطفى النحاس، رئيس الوزراء، وقد كان هذان السياسيان عدوين لدودين لـ«حسنين»؛ خاصة عقب حادث قصر عابدين عام 1942، عندما حاصرت القوات الإنجليزية القصر، وأجبر «لامبسون» الملك فاروق على توقيع قرار باستدعاء مصطفى النحاس، زعيم حزب «الوفد»، لتشكيل حكومة، أو أن يتنازل عن «العرش».

وخلال حديثي معه قال الروائي منتصر أمين: إنّ أحمد حسنين باشا تقريبًا كان الحاكم الفعلي للدولة وقتها، وليس «الملك فاروق»، مؤكدًا أنه (أي حسنين) شخصية ثرية، بتحركاته السياسية، علاقاته الغرامية المتعددة، وأنه أحب السيرة الذاتية له، متابعًا: «سيرة أحمد حسنين باشا قد تكون مشروعًا روائيًا مستقلًا في يومٍ من الأيام، ولا أنكر أنني أُعجبت بتلك الشخصية بعد وصولي في الكتابة لمنتصف الرواية».

هل خشي «منتصر أمين» الكتابة عن فترةٍ تاريخيةٍ مثل مصر الملكية سبق تناولها كثيرًا في أعمالٍ روائيةٍ، كتبٍ، وفي أفلامٍ ومسلسلاتٍ؟ أَسألُه ويجيب: «الحقيقة لم أخشَ الكتابة عن مصر الملكية؛ رهاني ككاتب كان على عنصرين؛ الأول: الصدق في العرض، والثاني: وجهة نظر معينة تدور حول أنّ الملك فاروق كان ضحيةً لكل الذين حوله».

يفسر «أمين» أكثر: «فاروق تعرض لقهر وتسلط والده الملك فؤاد الذي كان شخصًا سيئًا يكره مصر، كما كان فاروق ضحية الملكة الأم (نازلي) أيضًا بعلاقاتها الغرامية المنفلتة، وجد نفسه فجأةً وسط كل تلك الصراعات السياسية والاجتماعية والعاطفية، على الرغم من صغر سنه».

يقول «أمين»: إنّ «نازلي» كانت من أسباب «كسرة نفس» ابنها الملك فاروق؛ بسبب علاقاتها العاطفية مع أحمد حسنين باشا، وكذلك حزنه من «أزجال» بيرم التونسي التي تسبها وتفضحها (أي نازلي)، فضلًا عن المرض الذي كان مصابًا به في الغدد، والذي يؤثر على كفاءته الجنسية أثناء العلاقة الحميمية، وكان هذا هو السبب وراء هوسه (أي فاروق) أن يظهر في كل المجالس محاطًا بالجميلات.

استغرقت رواية «فاروق الأخير» فترةً زمنيةً امتدت لأربعة أشهر في دراسة المراجع التاريخية عن الفترة التي تتناولها، وكذلك مشاهدة الأفلام الوثائقية والتسجيلية، بينما استغرقت كتابة المسودة الأولى منها ثلاثة أشهر، ثم خمسة أشهر أخرى في المراجعة.. ولم تركز أحداث الرواية بصورةٍ كبيرةٍ على الخط المتعلق بتنظيم الضباط الأحرار وثورة 23 يوليو (تموز) 1952، عندما أطاح هؤلاء بالملك فاروق، واستولوا على السلطة.

ويبرر كاتب الرواية منتصر أمين عدم اهتمامه كثيرًا في أحداث عمله الأدبي «فاروق الأخير» بـ«خط الضباط الأحرار وثورة يوليو»، قائلًا إنه كان يُريد التركيز على «فاروق»؛ ما جاء في الرواية كان بالضبط هي حياته؛ حتى أنّ عقله لم يستوعب الثورة عليه من الضباط الأحرار.

لم تخلُ رواية «فاروق الأخير» من إدانة لـ«مصطفى النحاس» وعلاقاته مع الإنجليز، وتشكيله للحكومة بعد حادث قصر عابدين والتعدي على السيادة المصرية، يكتب «أمين» في روايته: «لم يرَ النحاس في ذلك أنه يتولى الحكم على أسنة الحراب البريطانية، وبقوة الدبابات والمصفحات البريطانية، بل إنه لم يرَ في ذلك ما يمنع من إشاعة الابتهاج بين أنصاره والاعتزاز بما نال من فوزه بالحكم، فوقف في إحدى شرفات مبنى الوزارة ملوحًا بيده في سعادة يرد على تحية المحتشدين مبتسمًا».

وبين الصراعات السياسية والعاطفية.. هل كان الروائي منتصر أمين يُريد منا أن نتعاطف مع «فاروق»، هذا الذي كان ضحيةً – كما تقدمه الرواية – لصراعات الحكم، والمرض، ولغراميات الملكة الأم «نازلي»، وحتى لـ«الأميرة شويكار»، طليقة الملك فؤاد، والتي كانت طوال الوقت مثل «الأفعى» تبث السموم في ابن طليقها؛ وربما يكون هذا الأمر تأكيدٌ للروايات التاريخية حول مساعيها للانتقام من الملك فؤاد في ابنه «فاروق»؛ مرة بفضح علاقات «نازلي» بأحمد حسنين باشا، ومرة بمحاولة زرع الشك في قلب «فاروق» من أنّ زوجته «الملكة فريدة» تخونه مع رسامٍ إنجليزيٍ يُقيم علاقةً حميميةً مع كل امرأة يرسمها.

يقول الروائي منتصر أمين لي: «إنه ليس من وظيفته تقديم إجاباتٍ في الرواية عن مسائل تاريخية معينة؛ هذه مهمة الباحثين، أنا فقط في الرواية أثيرُ التساؤلات».

قبل «فاروق الأخير» نشر الكاتب المصري منتصر أمين عدة أعمال روائية مثل: «الطواف» عام 2014، «يحيى» عام 2015، «شتاء أخير» عام 2017، «قيامة الغائب» عام 2018، «عين الهدهد» عام 2020.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد