توظيف التطوريون للسلم الجيولوجي (الأحفوري) للإجبار العلمي للتسليم بالتطور العضوي (2)

هذا المقال مواصلة لمقال سابق تحدثنا فيه عن ماهية السلم الجيولوجي (الأحفوري) والأساس الذي بُني عليه الترتيب الأحفوري (النباتي والحيواني)، وكذلك شجرة الحياة كما سماها العالم دارون التي تفسر أصل الحياة قبل وضعه لكتابه (أصل الأنواع) والأسس التي بنى عليها دارون شجرته وبمزيد من التخصيص ركزنا على أحد هذه الأسس وهو (السلم الجيولوجي).

نقد شجرة الحياة التي بنيت على أساس السلم الأحفوري

إن الطعن الذي قدمه العلماء حول شجرة الحياة وتفنيدهم للأسس التي بنيت عليها الشجرة سواء بالتشابه الوراثي أو الوظيفي أو البرتيني أو المورفولجي طعونات علمية، خاصة أنها قدمت في عصرنا الحالي حيث توفرت كل مقومات الاختبار الجيد والدقيق كالمعامل والمختبرات، وأصبحت المعلومات المتوفرة عن الشريط الجيني (DNA) متاحه مقارنة بالفترة التي عاشها دارون. ما يمكن أن يفتح المجال للدراسات المستفيضة، التي تدعم هذا الاتجاه النقدي – الحديث – لنظرية التطور.

أما عن النقد الموجه لأحد أسس هذا الشجرة وهو الاعتماد على السجل الأحفوري – موضوع المقال – فالحقيقة أن السلم الأحفوري لا يدعم فكرة السلف المشترك بين الكائنات الحية عمومًا، وذلك بسبب الظهور المفاجئ لشعب الحيوانات معقدة التركيب من غير أي تطور تدريجي لأصول الأنواع فجأة خلال العصر الكامبري، إذا أخذنا في الاعتبار أن تاريخ الحياة المتمثل في وحيدات الخلية يقدر بــ(3.8 مليار عام) في العصر ما قبل الكامبري، وعصر الكامبري الذي يقدر بـ(550 مليون عام)، حيث تقدر الفترة الوسيطة بين العصرين (5 – 10 مليون عام)، وهي الفترة التي ظهرت فيها التصنيفات الرئيسية للكائنات الحيوانية معقدة التركيب كالأسماك، والزواحف، والثدييات)، لكن هذه فترة كالبرق العابر، فهي غير كافية لإنتاج هذه التنوعات عبر التراتب التصنيفي من الأنواع للأجناس للعائلات للرتب، مقارنة بتاريخ بداية الحياة المقدر بـ3 مليار عام، المتمثل في ظهور الكائنات وحيدة الخلية.

وبالرغم من ظهور الأحافير في ترتيب زمني معين لكن يبقى السلم الأحفوري عاجزًا عن تقديم شرح لهذا الظهور المفاجئ للمجموعات التصنيفية الرئيسية (الأسماك – الزواحف – الثدييات)، بل وتفسير الغياب الهائل للكائنات الانتقالية على مستوى الأجناس والعائلات والرتب بين تلك المجموعات التصنيفية الرئيسية؛ على سبيل المثال: لا توجد تسلسلات أحفورية تسد الفجوة بين الأسماك والبرمائيات، أو بين الزواحف والطيور، وهكذا.

أما بالنسبة للظهور الفجائي للإنسان النامي ضمن سلسلة الرقي الحيواني خلال حقبة الرباعي من حقبة الحياة الحديثة (2.6 مليون عام)، وظهور القردة الأولى ضمن الثدييات في حقبة الثلاثي من حقبة الحياة الحديثة (6.5 مليون عام)، باعتماد العلماء على شجرة الحياة لدارون حاولوا أن يجدوا أقرب القردة شبهًا بالإنسان لحلة معضلة السلف المشترك فصنفوا الشمبانزي ضمن القردة العليا بناء على تشابه الحمض النووي بـ98%، لكن ظل عجزهم عن تقديم تفسير للحلقة المفقودة من الكائنات الوسيطة (الانتقالية) عندما تم دحض فكرة التشابه بين الإنسان المنتصب والشمبانزي بوجود كائنات لا تتبع نفس التصنيف (كالثعابين ضمن الزواحف) تتشابه لحد كبير في تسلسل الحمض النووي (DNA) مع الإنسان الحالي ومع البقرة، كما أن عين الأخطبوط مشابهة جدًا لعين البشر مع أنه ليس بينهما سلف مشترك قريب، وهكذا.

ويعتبر العلماء أن أقدم الأحافير الشبيهة بالبشر التي سموها (أشباه الأناسي) وجدت في بحيرة رودلف سموه (بالإنسان المنتصب)، كما يعتبروا أقرب القردة تشابهًا بالإنسان جينيًا ومورفولجيًا (الشمبانزي). لكن تبقى الحلقة المفقودة بينهما ثغرة لم تعالج حتى اليوم لدعاة النظرية.

بل إنه نشرت دراسة عام 2013 مفادها بعد دراسة أنماط في الحمض النووي في خلايا دم كل من: الإنسان، والشمبانزي، والغوريلا، والأورانجاتان؛ فأظهرت اختلافًا كبيرًا بين الإنسان والشمبانزي القريب إليه في 16 منطقة، فظهر أن أقربهم للإنسان الأورانجاتان ثم الغوريلا!

ويبقى سؤالنا الجوهري: لو تنازلنا عن معضلة الحلقات المفقودة وسلمنا بالتطور المباشر (الفجائي) فهل ذاك الإنسان المنتصب المعني بالتطور مع الشمبانزي هو نفس إنسان اليوم، وهل الإنسان بشكله الحالي ما زال ينمو حقيقة، وأن آليات التطور ما تزال تعمل؟ وهل يستطيع العلم التجريبي أن يتحقق من وجود تغييرات (وراثية أو بروتينية) ولو طفيفة على إنسان اليوم تدعونا لإعادة النظر في نظرية التطور بشكل أعم وشجرة الحياة بصورة أخص؟

مظاهر التحيز في تصنيف السلم الجيولوجي (الأحفوري)

ما يجب أن نقرره أننا لا بد أن نفرق بين التطور باعتباره نظرية يمكن أن تناقش داخل مضمار البحث العلمي ببحث وتحري يقود لاستنتاجات، وبين التطور باعتباره أيديولوجية يسعى دعاتها من خلال استدلالهم (المغالطي الدائري) لوضع استنتاجات (تحيزية) لافتراضاتهم عن صحة التطور، ثم محاولة تدعيم فكرتهم بالبحث عن الدلائل والبراهين التي تقوي فكرتهم لأجل تقبل نتائج الكشوفات الحفرية وحل مشكلة الحلقات المفقودة في السلم الأحفوري.

من أوضح مظاهر التحيز لدى دعاة التطور، تظهر من خلال الإرغام الذي يمارسه دعاة التطور على العلماء لإجبارهم على الاعتراف بالنظرية ورفض فكرة الخلق المباشر أو أي محاولة للطعن أو إبداء الرأي وفق منهجية البحث العلمي حول النظرية بل وصل الأمر لطرد بعضهم من المجتمع الأكاديمي؛ كأمثال: (ريتشارد سترنبرج الحاصل على شهادتي دكتوراه واحدة منها في التطور الجزيئي، والذي طُرد بعد نشره لبحث مؤيد لنظرية الخلق المباشر بسبب إجباره على الاستقالة من منصبه الأكاديمي، وكارولين كروكر المحاضر في علم الأحياء الخلوي، والتي ما إن بدأت في تدريس طلابها ما يناقض نظرية التطور توقف عملها في السلك الأكاديمي بشكل شبه نهائي، وغيرهما).

وكذلك من مظاهر التحيز لدى دعاة التطور؛ حركة التزوير والخداع العلمي على الحفريات لتمرير فكرة السلف المشترك ومعالجة إشكالية الانقطاع للكائنات الوسيطة (الانتقالية) كما في فضيحة: (جمجمة إنسان بلتداون، وضرس إنسان نبراسكا، والإفريقي القزم أوتا بينجا ليعالج معضلة الفجوة بين الإنسان المنتصب والقرد الشمبانزي؛ وغيرها).

الملخص:

1) إن مشكلة السلم الأحفوري أنها ليست قائمة على معطيات ثابتة يمكن أن تخضع للتجربة للتأكد من صحة الفرضية، إذا كان التطور نفسه يسير في اتجاه واحد وليس عكسيًا حتى نتمكن من إعادة تصور نشوء الأنواع بين التصانيف الرئيسية، فهو قائم على افتراضات لا تعدو أن تكون تخمينات وليست حقائق فضلًا عن كونها نظرية.

2) تقدر المدة الزمنية لظهور البشر بثلاثة ملايين سنة، بين حقبتي الثلاثي والرباعي (2.6 – 6.5 مليون عام) تظل غير موثقة بأي دليل أحفوري بشري، وتعتبر هي حلقة الانقطاع للكائنات الانتقالية بين الأناسي والقردة العليا. حتى إن الأحافير البشرية التي وجدت على شكل بقايا عظمية لأفكاك وجماجم متفرقة ما يجعل من العسير استخلاص نتائج حاسمة أو استنباط دقيق بشأنها.

3) إن السلم الأحفوري الذي هو أحد أهم الأسس التي بنى عليها دارون شجرته، لم تلبِّ طموحات العلماء في إيجاد سلسلة الحلقات المفقودة، بل إن هذا السلم كشف عن معضلة أكبر للتطوريين وهو الظهور المفاجئ للكائنات الحية ما يمكن أن يدعم رأي القائلين بالخلق المباشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد