توظيف التطوريون للسلم الجيولوجي (الأحفوري) للإجبار العلمي للتسليم بالتطور العضوي (1)

مقدمة

حاولت تسليط الضوء حول مراجعة الأسس التي بنى عليها دارون شجرته عمومًا والسلم الجيولوجي (الأحفوري) بشكل أخص، وبالتالي قد نضطر لإعادة النظر في مناهج علوم الأرض (Geology) (كعلم الطبقات والرسوبيات وغيرهما…) للارتباط القوي بينها والسجل الأحفوري.

لا يدور فحوى حديثي ابتداءً حول صحة أو بطلان، وقبول أو رفض، نظرية التطور، فلها أدلتها ومنظريها، ولا أتحدث حول كون الإنسان كائن ذكي نشأ بالخلق المباشر أو تطور من جنس القردة العليا، باعتبار أن ما يهمنا، نحن البشر، هو السؤال عن أصلنا وموقعنا من هذا السلم.

إن المشكلة تتمحور حول أحد أسس الفكرة التي بُنيت عليها النظرية القائلة بالسلف المشترك للكائنات، قبل أن تعيد تكييف نفسها للقول بالانتخاب الطبيعي القائم على البقاء للأصلح، لترد على مشكلة الظهور المفاجئ للكائنات في بعض الأزمنة من السلم الأحفوري، وهو ما يدلل على أنها لا تقف على أساس ولا إثباتات علمية منطقية، فلا يمكن أن نتقبل النظرية على أنها حقيقة علمية، ولا يجوز لدعاتها استغلال السلطة العلمية والأكاديمية وفق تحيزاتهم لإجبار العلماء والمؤسسات الأكاديمية والمراكز البحثية للتسليم بالتطور، على حساب حكم العلم القائم على التجريب والاختبار.

وهنا أفرق بين من يدعم التطور بصفتها نظرية يمكن أن تطرح لطاولة البحث وتقبل النقاش والسجال العلمي، وبين من يتبناها أيديولوجيةً له، وفق تعريفها بأنها: «نسق عقدي مغلق يمثل مجموعة من الأفكار ذات التوجه الحركي، وتتجلى فيها رؤية كونية ما، ويدّعي احتكار الحقيقة، ويرفض من خلال هذا الادعاء أن يتحمل الأفكار المعارضة أو المعتقدات الفاسدة، أي إن الأيديولوجيات أديان علمانية»، وبالتالي لا يقبل أي نقاش أو اعتراض.

نجد من خلال نقدي لـ«شجرة الحياة»، أن النقد وقع لكلا طرفي السلم الأحفوري، أولًا من بدايته، بالظهور المفاجئ للكائنات متعددة الخلايا معقدة التركيب بلا تطور تدريجي من كائنات وحيدة الخلية سابقة لها، وثانيًا: من نهايته بظهور مفاجئ للإنسان في نهاية سلسلة الرقي الحيواني، ومشكلة الانقطاع (الحلقة المفقودة) بينه وبين القردة العليا آلت بالظهور المفاجئ للإنسان.

لا أدعي أني أحطت بالموضوع من كل جوانبه، فقط اقتصرت على التعريف بنشأة السلم وأساس بنائه، وشجرة الحياة لداروين وأساس بنائها، ونقد هذه الشجرة التي بنيت على أساس السلم الأحفوري، ومن ثم الإشارة لأهم مظاهر التحيز ومن ثم الإجبار العلمي للإيمان بالنظرية، فالموضوع معقد ومتشعب، فيكفي طرح أصل المشكلة للفت الانتباه حولها كظاهرة تستحق الدراسة.

نشأة السلم الجيولوجي.. والأساس العلمي الذي بُني عليه التصنيف

عند إطلاقنا لمصطلح السلم الجيولوجي، فإنه يشمل (العمود الجيولوجي أو الزمن الجيولوجي)؛ أما العمود الجيولوجي: فهو يشير للتتابع الكامل للصخور من الأقدم للأحدث المتواجدة في كل الأرض أو في مناطق جغرافية محدودة، وعلى هذا فإن العمود الجيولوجي في أي منطقة يشمل كل أنواع الصخور المعروف وجودها في هذا المنطقة، ويعني هذا أنه – بمعطيات التتابع الصخري لمنطقة سبق دراستها – يمكن للجيولوجي توقع الصخور في منطقة لم يسبق دراستها.

أما سلم الزمن الجيولوجي (Geologic Time Scale)، فهو عبارة عن فترات في الزمن الجيولوجي لكل فترة اسم خاص ترسبت خلالها الصخور الممثلة في العمود الجيولوجي، هذه الفترات لها نفس الأسماء المستخدمة في تمييز العمود الجيولوجي. مثلًا، يمكننا الحديث عن الزمن الكامبري (المشار إليه في السلم الجيولوجي) أو صخور الكامبري (المشار إليه في العمود الجيولوجي).

هذه السلم قُسم إلى خمسة عشر نظامًا موزعة في أربع أحقاب؛ أي أن كل حقب (Era) تحته وحدات زمنية تسمى العصور (Periods) ويقسم كل عصر لفترات (Epochs) وهكذا.

وتعتبر حقبة ما قبل الكامبري أقدم عصور السلم الجيولوجي ويعتبر العلماء أن هذا الزمن يمثل 85% من كل الزمن الجيولوجي، كما أن هذا السجل يحتوي على حفريات قليلة جدًا من كائنات (بدائيات الخلية) يصعب تحديدها.

لكن ما يجب أن نعرفه أن الزمن الجيولوجي الذي بني على أساسها العمود الطبقي نسبي (تقديري) فلا يمكننا أن نحدد حصول الأحداث بالدقة، لأنها أحداث حدثت في الماضي.

ويعتبر السلم الجيولوجي ذي صلة مباشرة بعلمي الحيوان والنبات، باعتبار أن علم الحفريات (الباليونتولوجي) يختص بدراسة السجل الصخري (الأحفوري) للحياة القديمة، النباتية والحيوانية، المحفوظة داخل الطبقات الصخرية للأرض.

أما عن ظهور الإنسان وفق هذا السجل، فقد صنفه أغلب الكتاب ضمن سلسلة «الرقي الحيواني» في عصر «البليتوسين» في الحقبة الرابعة من الحياة الحديثة قبل 2.5 مليون عام، منهم العالم الإسكتلندي، تشالز ليل، وهو الذي عرف هذه الحقبة.

جدير بالذكر أن هذه الحقبة من الحياة الحديثة قسمها لــ«الثلاثي» و«الرباعي»؛ أما الثلاثي، ويشمل الفترة منذ 6.5 مليون عام ضمن سلسلة الرقي الحيواني فاتسمت (بالانتشار الواسع للثدييات، والأسماك العظيمة، ووجود أجناس الثدييات، وظهور القرود الأولى)، ثم بالقفز السريع للرباعي، ويضم الفترة منذ 2.6 مليون عام، ظهر الإنسان الحديث. ويفسر لنا مشكلة الانقطاع للكائنات الوسيطة – خلال هاتين الفترتين التي آلت بظهور الإنسان فجأة – هذا التصميم الذكي كما سيأتي.

شجرة الحياة لدارون وأساس بنائها

تقوم فكرة نظرية التطور على أساس أن كل الكائنات الحية لها أصل مشترك، ومن هنا جاءت فكرة رسم هذه الشجرة للعالم تشارلز داروين قبل وضعه لكتابه أصل الأنواع بحوالي 22 عامًا، وتحديدًا في 1837.

يمثل الجزع الأصل العالمي المشترك (LUCA)، وتتفرع الشجرة لما لا نهاية على مستوى الأنواع، ثم الأجناس، ثم العائلات، ثم الرتب. كانت هذه فكرة أساسية تبناها داروين باعتبار أن كل الكائنات الموجودة حاليًا لو عدنا للوراء مع الزمن عبر آلية الانتخاب الطبيعي، أو الطفرات الحادثة فلابد وأن تلتقي في الأصل المشترك، لكن هل يقبل العلم التجريبي هذا الزعم على اعتبار أن العملية لا تعدو أن تكون ظنية؟ فلا هي مما يمكن تجربتها في المعمل، ولا هو مما يمكن إعادة تجربته، هي فقط تصور لأحداث حدثت في الماضي وانتهت.

بنى دارون شجرته على أربعة أسس؛ أجملها في الآتي:

1. التشابه الجيني؛ أي لو وجدنا جينًا معينًا موجود في نوعين مختلفين من الكائنات الحية، فهل هذا الجينين المتماثلين وراثيًا ووظيفيًا يقتضي منه إثبات السلف المشترك لكلا النوعين؟

(2): التشابه البروتيني في الأنواع المختلفة.

(3): بالتشابه في الشكل الخارجي (المورفولوجي) للكائنات الحية، والذي كان المعتمد أيام دارون (1959)، حين لم يكن قد سُبر وقتها أغوار علم الجينات بناء على هذه الأساس، فإذا وجدنا تشابهًا شكليًا بين الإنسان وبين أي نوع من الكائنات الحية، فحينها نفترض أنهما قد يكونا أحفادًا لجد مشترك هو الأصل الذي تفرعوا منه.

(4): بالنظر في السجل الأحفوري، وهو ما أوردناه في موضوعنا.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد