يشرح المقال الصراع الفلسفي مبين إشكالية الشر المنطقية و الإثباتية مع صفات الإله و نظرية العدالة الإلهية

منذ 2300 سنة تقريبًا طرح الفيلسوف الإغريقي العتيق إبيقور – إبيقور فيلسوف يوناني قديم برَع في الفلسفة و الطب و خصوصًا علم الأجنة – أول الانتقادات اللاذعة تجاه الصفات الإلهية؛ مما سميت بإشكالية الشر المنطقية؛ ولكن قبل الشروع في شرح نموذج إبيقور عن إشكالية الشر دعنا نُعرف ما هي إشكالية الشر من الأساس.

إشكالية الشر أو معضلة الشر هي مقارنة الصفات الإلهية مِن قدرة وعلم وخير؛ بالشر الموجود في العالم؛ إذًا فمعضلة الشر هي تمرد وثورة على الصفات الإلهية بناءً على الشر الموجود في عالمنا، في البداية قد يبدو الحديث عاطفيًّا نوعًا ما ولكن عِند التوغل في شرح الإشكالية ستجد أن العاطفة لا تشغل حيزًا كبيرًا من الطرح.

إشكالية الشر المنطقية

إشكالية الشر المنطقية هي أول نموذج لدينا من إشكالية الشر والذي طرحه لأول مرة إبيقور كما شرحنا سابقًا، تنص إشكالية الشر المنطقية ببساطة على أن صفات إله كلي القدرة وكلي العلم وكلي الخير؛ لا تتسق منطقيًّا مع أن الشر موجود، ولكن السؤال هو لماذا لا تتسق هذه الصفات مع وجود الشر في العالم؟ لأنه وببساطة كَون الإله كلي العلم فذلك بالضرورة سيجعله عالمًا بوجود الشر في العالم؛ وكَونه كلي الخير فذلك سيجعله راغبًا في منع هذا الشر؛ وكونه كلي القدرة فهذا سيجعله قادرًا على منع هذا الشر؛ إذًا وبعد تَوفر صفات العلم بالشر والرغبة في منعه والقدرة على منعه في الإله؛ فوجب السؤال عن لماذا هنالك شر في العالم؟

قبل الشروع في الردود على هذه الإشكالية، وقبل طرح الردود على الردود؛ دعنا نوضح نقطة هي غاية في البساطة عن هدف الإشكالية من الأساس؛ إشكالية الشر لا تهدف إلى نفي وجود إله بشكل أو بآخر، ولكنها تقول بأن وجود إله بمثل هذه الصفات – القدرة و العلم و الخير – هو أمر متناقض منطقيًّا مع ذاته ومع وجود الشر في العالم كما شرحنا منذ قليل؛ وبالتالي فهي إشكالية تقدح وتطعن في وجود إله يحمل مثل هذه الصفات؛ أو بالأحرى فهي تقدح في الصفات الإلهية لا في وجود إله بشكل عام.

نظرية العدالة الإلهية: ما بين الردود و الاِعتراضات

نظرية العدالة الإلهية أو الثيوديسيا (Theodicy) هي مبحث من ضمن الإلهيات – الإلهيات (Theology) هو مبحث فلسفي يختص بدراسة الطبيعة الإلهية – مختص بإثبات العدالة الإلهية والدفاع عن الصفات الإلهية بجانب الرد على إشكاليات الشر وانتقاداتها؛ من أول مؤسسِها جوتفريد لايبنتس؛ الفيلسوف وعالم الرياضيات الشهير، وردًّا على الإشكالية المنطقية للشر السابق ذِكرها تقول نظرية العدالة الإلهية أو الثيوديسيا بأن الشر في هذا العالم هو ضريبة حرية الإرادة لدى الإنسان؛ فالعالم مليء بالجشع والظلم والغيرة والحقد والألم بسبب أفعال الإنسان؛ أفعال الإنسان التي تنبع من الإرادة الحرة التي يتمتع بِها، فالإنسان هو المسؤول عن الشر في الكون لا الإله هو المسؤول.

ولكن يأتي الاعتراض الأول على فِكرة حرية الإرادة تبريرًا للشر في العالم في ثلاث نقاط، أول نقطة هي مَن هو الذي خلق حرية الإرادة من الأساس ؟ بالطبع الله هو الذي خلق حرية الإرادة؛ لأنه إذا قلنا إن الله لم يخلق حرية الإرادة فهذا سيؤدي إلى أن حرية الإرادة خُلقت من قِبل كيان آخر غير الله؛ أو أن هناك شيئًا موجودًا – ألا و هو حرية الإرادة – ولم يخلقه الله؛ وهذا الاِستنتاج يؤدي إلى أن الله له شريك يخلقُ معه أو أن الله ليس خالق كل شيء؛ وكلتا الجملتين تخلق مشاكل أكبر من مشكلة الشر والصفات بمراحل، إذن فالله هو الذي خلق حرية الإرادة التي أدت إلى ظهور الشر في العالم؛ أو بصيغة أخرى فالله سبب من الأسباب التي أدت إلى ظهور حرية الإرادة التي أدت إلى ظهور الشر؛ أي إنه لو أن الله لم يخلق حرية الإرادة لما كان الشر سيظهر في العالم؛ وهذا يؤدي بالضرورة إلى كون الله سببًا – حتى لو سبب ضئيل – في ظهور الشر؛ ونزع هذا السبب سينزع وجود حرية الإرادة التي ستنزع بدورها وجود الشر، إذن فهذا يضع على عاتق الإله عبء وجود الشر في العالم بشكل أو بآخر؛ وبالطبع هذا الكلام هو بناءً على اِفتراض وجود حرية الإرادة من الأساس؛ فحرية الإرادة كانت وما زالت محض خلاف ونقاش واسع بين الفلاسفة والفرق الدينية، وسأتحدث في مقالة مستقبلية بشكل واسع عن حرية الإرادة وعن الخلاف الفلسفي حولها؛ ولكن وجب التنويه هُنا بأن الرد السابق مبني على اِفتراض وجود حرية الإرادة، أما ثاني نقطة فهي أن الرد السابق للثيوديسيا عن أن حرية الإرادة هي سبب الشر لا يرد على إشكالية الشر المنطقية على الإطلاق؛ فرد الثيوديسيا في أحسن أحواله يفسر لنا وجود الشر في العالم؛ لكنه لا يخبرنا لماذا لا يزال هذا الشر موجودًا في العالم! لا تقدم الثيوديسيا ردًّا معتبرًا على سؤال: « لماذا يسمح الإله بوجود الشر في العالم – بغض النظر عن ما سبب وجود هذا الشر»، ولكن يأتي رد الثيوديسيا بأن «الله يسمح بوجود الشر لكي يسمح بحرية الإرادة»؛ ولكن هذا الرد عوضًا عن أن يحل مشكلة الصفات الثلاثة – القدرة والعلم والخير – فهو ينفي بشكل مباشر صفة القدرة عن الإله؛ وذلك عن طريق الإشكالية التي تقول: «هل الله قادر على خلق عالم بحرية إرادة وبدون شر؟ – إن كانت الإجابة نعم؛ فلماذا لم يفعل ذلك؟ – وإن كانت الإجابة لا؛ إذن هذا الإله ليس كلي القدرة»، ولكن دعنا نناقش النقطة الثالثة والأخيرة من الاِعتراضات، والتي تنص على أنه حتى لو تجاوزنا كل هذه الاِشكاليات والاعتراضات وقلنا بأن حرية الإرادة وأفعال الإنسان هي سبب الشر في هذا العالم؛ فستظل هناك مشكلة أخرى؛ ألا وهي مشكلة الشر الطبيعي الذي ينتج عن الطبيعة لا الإنسان؛ مِثل الكوارث الطبيعية والأمراض وغيرها، وعلى هذا الاعتراض يأتي رد الثيوديسيا بأن هذا الشر الناتج من الأمراض والكوارث الطبيعية نتج منه خير صريح ونفع للعالم مِثل الطب والعلوم الأخرى، وبغض النظر عن التبرير لوجود الشر بنشوء الطب والعلوم؛ في حين أن الطب والعلوم نشأوا في المقام الأول لمحاربة الأمراض والكوارث الطبيعية والشر؛ وبالتالي تبرير وجود الشر بشيء نشأ من الأساس لمحاربة الشر ولم يكن سيصبح له نفع إن لم يكن الشر موجودًا أصلا سيضعنا في استدلال دائري؛ ولكن دعنا نتجاوز هذا الاستدلال الدائري ونستعرض سويًّا إشكالية الشر الإثباتية التي نشأت لترد بشكل أدق على هذا الرد الأخير للثيوديسيا.

إشكالية الشر الإثباتية

إشكالية الشر الإثباتية هي الشق الثاني من إشكالية الشر؛ والتي تتلخص في اعتراضها على كمية الشر الموجودة لا وجود الشر في حد ذاته؛ واتساقًا مع ذلك فهي تطرح ردًّا على الرد السابق للثيوديسيا القائل بأن «الشر الطبيعي نتج منه الطب» ؛ فتقول إشكالية الشر الإثباتية: «هل كان هذا الكم من الشر ضروري لوجود الطب وتقدمه؟» أي إنه هل موت ملايين البشر بالسرطان كان ضروريًّا لنفهم الخلايا؟ أو هل كانت ملايين الحوادث من كسر العظام ضرورية لكي نفهم العظام؟ ألم تكن ألف حادثة كافية لفِهم العضام بشكل كافٍ؟ وتختم الإشكالية بالسؤال الأساسي لها؛ ألا وهو لماذا يوجد هذا الكم من الشر في العالم؟

ولكن ردًّا على هذا الحديث تقول الثيوديسيا بأن أي شر في العالم – بغض النظر عن كمه وكثرته – فهو شر درجة أولى لخير درجة ثانية؛ بمعني أن أي شر هو ضروري لوجود خير من بَعده؛ فمثلًا حين أذهب لمساعدة بعض المحتاجين وأفعل خيرًا؛ فهذا الخير لم يكن سيحدث لولا وجود محتاجين من الأساس؛ أي إنه كي أقوم بفِعل خير كمساعدة أحدهم؛ فهذا يستلزم وجود شر في المقام الأول؛ شر كوجود شخص محتاج أصلًا؛ أي إنه أي فعل خير يحدث يستلزم مسبقًا وجود شر في المقام الأول؛ أو كما يقول الثيوديسيون: خير درجة ثانية يستلزم وجود شر درجة أولى.

فرضية الإله الشرير لـ«ستيڤن لو»

في كتابه: «مقدمة قصيرة عن الإنسانوية»؛ يسرد لنا الفيلسوف ستيڤن لو نموذجه الخاص للرد على فرضية الإله الخيِّر، فيقول ستيڤن: « طهنالك إله كلي القدرة؛ وكلي العلم؛ ولكنه كلي الشر»، ومِن ثم يتساءل ستيڤن عن هل فرضية هذا الإله الشرير تعد أقل معقولية من فرضية الإله الخيِّر؟ دعنا نرى.

في البداية سيأتي الاعتراض على أنه كيف يسمح هذا الإله كلي الشر بوجود هذا الخير في العالم؟ أي إن وجود إله كلي الشر لا يتسق منطقيًّا مع وجود الخير في الواقع، وعلى هذا الادعاء يرد ستيڤن ويقول أول تفسير هو أن حرية الإرادة هي السبب في وجود هذا الخير؛ أما التفسير الثاني الذي يقدمه ستيڤن هو أن هذا الخير في العالم ما هو إلا خير درجة أولى لشر درجة ثانية؛ ويطرح ستيڤن العديد من الأمثلة على هذا التفسير؛ مِثل العجز والشيخوخة اللذين يأتيان بعد صحة؛ فلولا وجود الصحة – التي هي خير – في المقام الأول؛ لما وجدت الشيخوخة – التي هي شر – في المقام الثاني؛ وكذلك الموت بعد الحياة والفراق بعد الارتباط.. إلخ.

هذا النموذج الذي طرحه ستيڤن لم يُطرح بصدد إثبات وجود إله شرير إطلاقًا؛ فستيڤن لاديني ملحد من الأساس؛ بل طرح ستيڤن هذا النموذج لكي يقول للثيوديسيين إنه بنفس الأدوات والطرق التي تُستخدم للدفاع عن وجود إله خير؛ نستطيع أيضًا استخدامها للدفاع عن وجود إله شرير!  وأنه حين تكون الحجج نفسها والأدوات دليلًا على نقيضين – مثل إله شرير وإله خير – تكون حينها تلك الأدوات والحجج فاسدة ولا تصلح للاستدلال على أي شيء من الأساس!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد