تتصاعد وبشكل لافت للنظر عمليات الإعدام في العراق وسط مناشدات دولية للحكومة العراقية بضرورة وقف العمل بعقوبة الإعدام بسبب الظرف المربك وتسييس القضاء العراقي، وهذا ما أكده تقرير منظمة (هيومن رايتس ووتش)، على لسان جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، حين قال: “ما زال القضاء العراقي يصدر أحكام الإدانة في محاكمات مسيسة، حافلة بأوجه الخلل القانوني، وبرغم وعود الإصلاح إلا أن الحكومة لا تحرك ساكنًا، بينما يقوم نظام العدالة العراقي المعيب إلى أبعد الحدود بالحكم على أشخاص بالإعدام بغير أدلة تذكر”.

ويجني السنة في العراق النصيب الأكبر من هذه الإعدامات بنسبة تصل إلى 95% من الأحكام التي تصدرها المحاكم وفقًا لتهم تتعلق بالإرهاب، معظمها كيدية ويعدها الكثير من السياسيين وأعضاء مجلس النواب عن المكون ذاته بأنها أحكام باطلة بنيت على أساس التلفيق والوشايات الكاذبة لما بات يعرف بـ”المخبر السري”، فبمجرد أن يكتب تقريرًا يتهم فيه أي شخص بأنه ينتمي إلى جماعة مسلحة من دون أية أدلة تثبت صحة ادعاءاته يعتقل الشخص المعني ويودع لأشهر تصل في أغلب الأحيان إلى سنوات طويلة في السجون تحت وطأة التعذيب النفسي والجسدي، ما يرغمه على الاعتراف بجرائم لم يرتكبها بحق المدنيين أو القوات الأمنية، ومن ثم تصدق أقواله قضايا ليجد نفسه على منصة الإعدام لاحقًا.

اعتقالات وتعذيب

تتعرض مناطق أهل السنة في مختلف المدن العراقية إلى حملات اعتقال مستمرة ولا سيما في العاصمة بغداد وديالى وشمال بابل، حيث تشهد هذه المدن القريبة من المناطق المختلطة في تركيبتها المذهبية (سنة – شيعة) بشكل يومي اعتقالات تطال العشرات من أبناء المكون السني، ففي مناطق حزام بغداد وهي (أبو غريب، الطارمية، التاجي، اللطيفية، المحمودية، اليوسفية، المدائن) يعتقل الشباب وكبار السن على حد سواء، وحتى النساء والأطفال في بعض الأحيان لا يسلمون من الاعتقال التعسفي ويؤخذون ليساوم عليهم فيما بعد مقابل مبالغ مادية باهظة للإفراج عنهم.

ويبقى السجين في المعتقل من دون أوامر إلقاء قبض رسمية وأصولية ويلاقي شتى صنوف العذاب حتى ينتزع منه اعتراف بالقوة للخلاص من العذاب، أو يلقى حتفه من شدة التعذيب ويكتب في شهادة وفاته “توفي لأسباب مرضية غالبًا ما تكون (فشلًا كلويًّا)”.

وتقدر منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية أعداد المعتقلين السنة في سجون الحكومة المعلنة والسرية بنحو 35 ألف معتقل، معظمهم بسبب لقبه العشائري أو اسمه أو منطقته التي يسكن فيها وكل ذلك يدل على هويته المذهبية.

وأعلنت تقارير دولية أن المعتقلات والسجون في العراق مكتظة بالمعتقلين، وأن السلطات لا تنفذ أوامر صدرت من المحاكم بإطلاق سراح المعتقلين، وفيما يؤكد معتقلون أنه يمكن دفع رشاوى لتأمين الإفراج عنهم، أشارت التقارير إلى أن السجناء تعرضوا للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة بشكل يومي وأن سجينات تعرضن للاغتصاب.

إدانات دولية

أصدرت منظمتا (العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش) تقارير عدة تشير إلى وجود انتهاكات وإعدامات بحق سجناء عراقيين وسط تجاهل دعوات وجهتها تلك المنظمات للحكومة العراقية بالتحقيق في تعذيب السجناء واغتصاب السجينات، فيما أعربت المفوضية السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، نافي بيلاي، عن صدمتها من العدد الكبير للإعدامات في العراق، منتقدة انعدام الشفافية في الإجراءات القضائية ومنادية بالوقف الفوري لعمليات الإعدام.

إلى ذلك عد عضو أقدم في البرلمان الأوروبي الموجة الحالية من عمليات الإعدام الجماعي في العراق بأنها ”مثل ذبح الأغنام في المجزرة“. ويقول ستروان ستيفنسون، والنائب المحافظ للبرلمان الأوروبي من إسكتلندا الذي يرأس وفد البرلمان الأوروبي للعلاقات العامة مع العراق إن “تنفيذ الإعدامات في العراق يجري على نطاق صناعي”.

وأضاف أنه يتم اقتياد طوابير المعتقلين إلى حبال المشانق على دفعات (10 أو 12) سجينًا مثل الغنم الذي يذبح في المجازر، ويبدو أنه لا يوجد هناك أية عملية قضائية رسمية، وأن هؤلاء الأشخاص الذين وصفوا بالإرهابيين، لا محامٍ للدفاع عنهم ولا يحاكمون في المحاكم المختصة، وما هي التهم الموجهة إليهم؟ أين الشهود؟ وهذا هو الإعدام على نطاق صناعي.
وجاء في تصريح أدلى به، روبرت كولفيل، الناطق باسم المفوضية، “إن النظام القضائي العراقي يعاني من الشوائب ما يجب أن يمنعه من تنفيذ حتى عدد محدود من الإعدامات ناهيك عن إعدام العشرات”، لافتًا إلى أن “تنفيذ العراق للإعدامات الجماعية في مناسبات عديدة في السنتين الأخيرتين ليس شائنًا ولا إنسانيًّا فحسب، بل قد يعد أيضًا انتهاكًا للقانون الدولي”.

وأكد كولفيل قلقه من استخدام التعذيب لانتزاع الاعترافات من المتهمين ومن النواقص التي تشوب جلسات المحاكمات، واصفًا المحاكمات بالقول “بعضها غير قانوني، وربما يكون أغلبها”.

إعدامات بلا محاكمات

وبعد الإدانات الكثيرة لأحكام الإعدام، ابتكرت في العراق طريقة جديدة للتخلص من أبناء السنة المعتقلين، تنفذها ميليشيات موالية للحكومة ومنتسبون في الأجهزة الحكومية، كما حدث في مدن تلعفر والموصل وبعقوبة، فيما رسمت شهادات ناجين صورة قاتمة عن مجازر جماعية ارتكبت بحق مسجونين.

وقالت منظمة العفو الدولية إن تلك الشهادات كانت “مفزعة”، وتحدثت عن عمليات انتقامية قامت بها القوات العراقية في حق سجناء سُنّة قبل انسحابها من تلعفر والموصل شمالي العراق.

وذكرت مستشارة منظمة العفو الدولية دوناتيلا روفيرا، أن تقارير “مقلقة” أكدت أن معتقلين سُنة “قتلوا بدم بارد” على يد القوات العراقية، وأضافت أن قتل السجناء هو جريمة حرب، معلنة وهناك قوانين يجب احترامها حتى في حالة الحرب.

وكانت دوناتيلا قد طالبت في وقتها حكومة المالكي بإجراء تحقيق فوري ومستقل لتسليط الضوء على حالات القتل تلك، والعمل على تقديم الجناة إلى المحاكمة، وقالت إن جميع الأطراف التي ترتكب جرائم حرب في العراق عليها أن تعلم أنها لن تنعم بالإفلات من العقاب إلى الأبد.

وأوردت المنظمة شهادات بعض الناجين من مجزرة وقعت بمقر مكافحة الإرهاب بمنطقة القلعة في تلعفر، إذ قال أحدهم: “كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل بقليل، حين دخل جنود وبدأوا ينادون على بعض الأسماء، في ما بدا أنه إجراء روتيني، غير أنهم شرعوا في إطلاق النار بشكل عشوائي على المعتقلين”، موضحًا أنه تمكن من الاختباء تحت جثث القتلى، وأن 46 شخصًا قتلوا داخل الزنزانة التي كان بها، وأنه سمع إطلاق نار بزنزانة مجاورة.

وفي حادثة منفصلة بالموصل، لقي عدد من السجناء السُّنة مصرعهم داخل مقر وكالة مكافحة الإرهاب بحي الدندان.

وحكى أحد المعتقلين أنه وبحلول الساعة العاشرة من مساء التاسع من يونيو/ حزيران الجاري، اقتحم جنود الزنزانة وأخذوا معهم 13 سجينًا من أصل 82 كانوا موجودين فيها، ثم سمعوا صوت إطلاق الرصاص بعد ذلك.

وأضاف أن جنودًا أخذوا معتقلين آخرين، كان هو من بينهم، وأبرحوهم ضربًا “بواسطة الكابلات، وكانوا يتهموننا بأننا إرهابيون، ثم أعادونا بعد ذلك إلى الزنزانة”.

وقال إن الجنود عادوا ساعة بعد ذلك وألقوا بقنبلة داخل الزنزانة نفسها وأغلقوا الباب فانفجرت، وخلفت ستة قتلى وعددًا من الجرحى كان هو من بينهم، في حين توفي شخص سابع بعد ساعات من الحادث.

ونقلت العفو الدولية عن قائم مقام بعقوبة عبد الله الحيالي قوله إن “ابن شقيقه كان من بين خمسين شخصًا قتلوا في حادثة مماثلة بمركز شرطة الوحدة بالمفرق، صباح يوم 16 حزيران، حيث تعرض أثناء اعتقاله للتعذيب واقتلاع أظافر وصدمات كهربائية، وبحسب تقرير طبي، فقد قتل رميًا بالرصاص بالرأس والصدر، كما كان الحال بالنسبة لجل السجناء القتلى”.

وصرح محافظ ديالى المقال عامر المجمعي، بأنه تحدث إلى أحمد خلص زيدان الحريبي الناجي الوحيد من القتل الجماعي خلال زيارته له في مستشفى بعقوبة، فقال له: “كل شيء كان طبيعيًّا وعاديًا تلك الليلة، قبل أن يدخل مسلحون بحضور رئيس مركز الشرطة وبدأوا يطلقون الرصاص بشكل عشوائي علينا” وأقدمت ميليشيا مسلحة لاحقًا على اختطاف أحمد وقتله، وعثر على جثته خلف المستشفى.

وفي حادث هو الثاني من نوعه خلال شهر واحد، هاجم مسلحون ينتمون إلى ميليشيات مسلحة موالية للحكومة، قافلة تقل سجناء عراقيين وقتلوا 60 منهم، وأصابوا 8 من حراسهم، قرب سجن التاجي (20 كم شمال العاصمة) باتجاه مدينة بغداد.

كما جرى إعدام 69 سجينًا في اشتباكات بين الشرطة ومسلحين هاجموا الموكب الذي كان ينقل هؤلاء السجناء في منطقة الهاشمية على بعد 35 كلم جنوب الحلة في محافظة بابل (95 كلم جنوب بغداد).

واتهمت منظمة هيومن ووتش رايتس السلطات العراقية بإعدام ما لا يقل عن 255 سجينًا خلال الفترة من 9 و21 حزيران الماضي، وطالبت بفتح تحقيق دولي في هذه “المذابح” التي ارتكبتها قوات الأمن العراقية والمليشيات المتحالفة معها.

وأوضحت المنظمة في تقرير لها أن “عمليات القتل الجماعي خارج إجراءات القضاء، وقالت إن “عمليات الإعدام الجماعي، من بينهم 8 صبية دون سن 18 عامًا، بواسطة أفراد الأمن العراقي والمليشيات المسلحة، وغالبيتهم من الشيعة، جرت في ست مدن وقرى عراقية دون وجه حق”.

وأشارت “هيومن رايتس ووتش” إلى أنها “وثقت خمس مذابح لسجناء بين 9 و21 حزيران في الموصل وتلعفر بمحافظة نينوى، وبعقوبة وجمرخي بشرق محافظة ديالى، وراوة في غرب محافظة الأنبار”.

وأردفت أنه “في حالة واحدة قام القتلة أيضًا بإشعال النار في عشرات السجناء، وفي حالتين ألقوا بقنابل يدوية داخل الزنازين، طبقًا للمنظمة الحقوقية”.

وقال جو ستورك، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: “يعد قتل السجناء مخالفة صارخة للقانون الدولي. وبينما يشجب العالم، عن حق، ما ترتكبه داعش من فظاعات، إلا أن عليه ألا يغضي الطرف عن نوبات القتل الطائفي الذي ترتكبه القوات الحكومية والموالية لها”.

وطالبت المنظمة بفتح “تحقيق دولي لتقصي الحقائق أو آلية مشابهة لتحقق في الانتهاكات الجسيمة لقوانين الحرب والقانون الدولي لحقوق الإنسان من جانب كافة أطراف النزاع العراقي، بما فيها القوات الحكومية والمليشيات الموالية للحكومة وداعش والقوات المرتبطة بها”.

وقال رئيس منظمة السلام لحقوق الإنسان، علي القيسي إن أكثر من 400 معتقل عراقي وعربي توفوا خلال عام 2014، جراء التعذيب في سجون ومعتقلات ومراكز تحقيق عراقية تابعة لوزارات الدفاع والداخلية والعدل وأخرى تشرف عليها ميليشيات عراقية.

وأوضح أن “المنظمة قامت بجمع تقارير طبية وأمنية وشهادات ذوي الضحايا، وأكدت جميعها أن المعتقلين توفوا بسبب التعذيب في المعتقلات الحكومية الخاضعة لوزارات العدل والدفاع والداخلية، وقسم منهم في مراكز احتجاز معروفة في بغداد تشرف عليها ميليشيات متطرفة تساند قوات الجيش في حربها ضد تنظيم الدولة”.

وبين أن “المعتقلين تعرضوا للصعق بالكهرباء والضرب والحرمان من الطعام والشراب، ودق مسامير في أجسادهم، والحرق بواسطة النار، لكن التقارير الطبية التي خرجت من لجان طبية تتابع تلك المعتقلات أشارت إلى أن سبب الوفاة عجز كلوي وسكتة قلبية، حتى إن بعضها سجل انتحارًا من قبل بعض المعتقلين، فضلًا عن أسباب أخرى مضحكة ومبكية في الوقت نفسه”.

وكشف القيسي عن “تسجيل فقدان أثر 682 مواطنًا غالبيتهم من بغداد وديالى، بعد اعتقالهم من قبل قوات الجيش والشرطة أو الميليشيات، إذ لا تتوفر أي معلومات عنهم في المعتقلات أو المراكز العسكرية والأمنية المخصصة للاحتجاز، ويعتقد أنه تمت تصفيتهم ورميهم في مناطق نائية أو قتلهم وإضافتهم إلى قائمة ضحايا داعش في الحرب، كما هي العادة”، على حد قوله.

سبعة مقابل سبعة

كل تلك الجرائم والانتهاكات بحق أهل السنة في العراق، من إعدامات وفق محاكمات تشوبها الكثير من الشبهات معتمدة على تلفيقات كاذبة وادعاءات لا أساس لها من الصحة، والتي راح ضحيتها المئات من الأبرياء ويقبع الآلاف في السجون، تجد من يُنَظرُ لها للاستمرار في ارتكابها، ففي سابقة خطيرة خرجت إحدى عضوات مجلس النواب العراقي عن المكون الشيعي وتحديدًا من ائتلاف رئيس الحكومة السابقة نوري المالكي، حنان الفتلاوي لتطالب بضرورة “قتل سبعة من السنة مقابل كل سبعة يقتلون من الشيعة”، وهي تعني بذلك الشيعة الذين يقتلون في معارك ضد تنظيم “داعش” أو خلال التفجيرات، الأمر الذي يفسر حقيقة العقلية الانتقامية التي تقودها الحكومات المتعاقبة في عراق ما بعد 2003، والسعي إلى قتل وتشريد أهل السنة في العراق على وفق منظور إقصائي يهمش الآخر ولا يقبل به شريكًا، في ظل صمت دولي يغض الطرف عن تقارير تعدها منظمات دولية ومحلية، ما يؤكد حقيقة واحدة ألا وهي أن “سُنة العراق لا بد لهم أن يُعدموا”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد