سمعت أن ابن سينا كان يكتب للمرضى وصفاته شعرًا، وسمعت أن أورفيوس كان يشفي المرضى بموسيقاه في برهة واحدة.

وأنا لست بطبيب أو مبرئ أسطوري، ومع هذا أستطيع أن أقدم نصيحة إلى الناس: أحبوا بعضكم بعضًا بقدر ما تقدرون، فالحب هو عقارنا الشافي من المحن (رسول حمزاتوف).

حياتك حافلة، مليئة، أو هكذا يُخيّل إليك، حتى يظهر فيها شخص تُدرك ما كنتَ تفقده طوال هذا الوقت. مثل مرآة تعكس كل شيء الغائب لا الحاضر والمستقبل لا الآني، تُريكَ الفراغ في روحك، الفراغ الذي كُنت تقاوم رؤيته، قد يكون ذلك الشخص حبيبًا أو صديقًا أو زميل دراسة، المهم أن تجد الروح التي تكمل روحك. والأهم أن يدوم حُبكم ومودتكم، لكن بدون العطاء حبكم لن يدوم.

الحب نشاط وليس شعورًا سلبيًا، إنه «النهوض» وليس «التدني» إنه «الحياة» وليس «الموت» إنه «الجمال» وليس «القبح»، وبأشد الطرق عمومية يمكن وصف الطابع الإيجابي للحب بقولنا إن الحب هو العطاء أساسًا وليس التلقِّي.
إن الحب أشد العواطف جوهرية، إنه القوة التي تبقي الجنس البشري متماسِكًا وكذلك الأسرَة والمجتمَع والعالم بأسره. والفشَل في تحقيق هذا الاندماج يعني الجنون أو الدمار، الدمار للذات أو الدمار للآخَرين. فبدون حب ما كان يمكن للإنسانية أن توجد يومًا واحدًا.

عن الحبّ كتب القدامى إمتاعًا وعرفانًا، غزلًا ومدحًا، وبكاءً على الأطلال، وعن حب العشّاق نُظمت رسائل وكتب ودواوين وقصائد ومعلقات، تخليدًا للمعنى السامي للحب ودفعًا للسأم عن النفس ولكن هذا كان قديمًا.
فما الذي حلَ بزماننا حتى يصبح دون حب؟ ولماذا الحب في هذا الزمان لا يدوم طويلًا؟ ولماذا تَضمر العلاقات سريعًا؟ ولماذا يكف الآخرين عن حبهم لنا؟ ولماذا نكف عن حب الآخرين؟
في الحقيقة هناك قاعدة وحيدة من وجهة نظري تفسر الإجابة على كل هذه الأسئلة وهي: «من يكن قادرًا على أن يعطي من ذاته فهو غني، وهو يعيش نفسه كإنسان يستطيع أن يعطي نفسه للآخَرين».
فإذا أردتم أن يستمر حبكم لا بد أن تتعلموا أولًا كيف تستمر عطاياكم.

ولكن ماذا يعطي الإنسان للآخَر؟ إنه يعطي من نفسه، من أثمن ما يملِك، إنه يعطي من حياته. وليس هذا يعني بالضرورة أن يضحي بحياته للآخَر، بل إنه يعني أنه يعطيه من ذلك الشيء الحي فيه، إنه يعطيه من فرحه، من شغفه، من فِهمه، من عِلمه، من مرحه، من حزنه، من ضجره، من سوداويته، من تشاؤمه، من كل التعابير والتجليات لذلك الشيء الحي الذي فيه.

إن العلاقات القوية التي يسودها الحب هي كل ما يتمناه الإنسان في الحياة، وبعض الناس يجيدون تكوين تلك العلاقات؛ فبوسعهم إيجاد شريك الحياة الذي يسعدهم، ويبدو أنهم يعرفون على نحو غريزي كيف يتعاملون مع الأوقات العصيبة ويحافظون على حيوية وزخم علاقاتهم. إنهم يستطيعون تكوين الصداقات بسهولة ولديهم علاقات صلبة تصمد أمام اختبارات الزمن، وهم حجر الزاوية في الأسر المتماسكة. علاوة على ذلك فهم يجعلون الأمر يبدو وكأنه لا يتطلب بذل أدنى قدر من الجهد، غير أن معظمنا لا يجدونه بهذه السهولة؛ فقد يكون الحب غريزة أساسية لدى الإنسان، ولكن تقاسم حياتك مع أشخاص آخرين ليس سهلًا على الدوام.

أهناك شيء يعرفه أولئك الناس ولا نعرفه نحن؟ أهناك شيء يمكننا جميعًا الاستفادة منه؟ الإجابة هي نعم بكل تأكيد. إنهم يعرفون كيف لا ينقطع عطاؤهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد