لا تدع شيئًا أن يحدد مسار كل شيء. سألته: لو أن معك آلة تعود بالزمن إلى الوراء، ما الشيء الذي كنت ستفعله؟ فأجاب بسرعة دون تفكير: ما كنت استسلمت لمشاعري العاطفية؛ ففي أول فترة التعليم الثانوي أحببت فتاة، وكنت في أول فترة مراهقتي، ولم أكن ذا خبرة في مثل تلك الأمور؛ وهذه العلاقة جعلت مني شخصًا لا يكترث إلا بإرضاء محبوبته، وقد نصحني أبي وأمي بالعدول عن تلك العلاقة، ولكنني ضربت بكل نصائحهم عرض الحائط، وبعد أن تركتني تلك الفتاة؛ قررت أن أكتفي من الدراسة، واتجهت للعمل.

أَعلمُ اليوم أن ذلك كان أغبى قراراتي على الإطلاق، وددت لو أن أحدًا أقنعني بالعدول عنه، بالرغم من أنهم قد حاولوا .
استوقفتني جملة لأبي كان يقولها لأختي التوأم: «لا تسمحي لشيء واحد أن يحدد مسار كل شيء»؛ تكون ردود أفعال البشر أحيانًا فادحة، ومبالغًا فيها إلى درجة كبيرة، يغيرون دفة مسار كل شيء؛ لأن شيئًا واحدًا فقط قد خذلهم، يضحون بكل شيء جميل؛ لأنه يتضمن شيئًا واحدًا قبيحًا في داخله.

لا تنفض يدك من الأمر برمته يا صديقي، لمجرد أن أحد تفاصيله لا يعجبك، فهذا من نقص الحكمة، ومن سوء تقدير المواقف، ومن قله الخبرة، إن وجدت في نفسك شيئًا من ذلك فراقبها، وامنعها من أن تمارس هذا الظلم عليك، وفي هذا السياق ثمة قاعدة تقول: «ما لا يُدرَك كُلّه لا يُترَك جُلّه»؛ وهي في الأصل قاعدةٌ أصولية، تُستَخدَمُ عِندَ الفُقَهاءِ والمُجتَهدين، ولكِنَّها تَنطَبِقُ على كافة أوجه الحياة الأخرى، فلا يَجدُرُ بِنا التَّخَلي عَن أمرٍ ما لِمُجرَّدِ أَنَّنا لَمْ نُدرِكه كُلَّه، فلو أدركنا أكثَرَهُ كان خيرًا أيضًا، ولا يَترُكُ أحد أمرَ خيرٍ بَدأهُ إلا كان ذلك مظهرًا مِن مَظاهِرِ الضَّعفِ، ونَقصًا ومذمةً تبقى في نفسهِ أمدًا، تَضُرُّهُ ولا تُفيدُه.

حقًا لا تسمح لشيء أن يحدد مسار كل شيء، من تركك في منتصف الطريق؛ هذا لا يعني بالمرة أنه لا يوجد أناس مخلصين، بالعكس قد يكون أولئك المخلصون أمام عينيك وأنت لا تراهم؛ فالصديق الذي خذلك لم يلغ الصداقة التي ما زال الكثيرون يستمتعون بدفئها ويعيشون على ثراها، صديقتك التي قالت في حقك أشياء كاذبة هذه ليست نهاية المطاف، وهناك أصدقاء آخرون صادقون، زميلك الذي آذاك لا يبرر أن تترك وظيفتك الحالية بكل مميزاتها لمجرد أنه فيها، الوطن الذي ظُلِمت وسُجنت وأُذيت وهُمشت فيه، لا يعني أن تنفض يديك منه وتهاجر؛ لاهثًا خلف هوية لن تجدها في أي مكان آخر.
الأمر ذاته ينطبق على العلاقات الإنسانية، فمن كره من زوجته خُلقًا رضي منها آخر، ومن كرهت عادة سيئة في أبنائها رضيت بأخرى.

لكن الكثيرين سمحوا لعيب واحد في الشخص أن ينسف كل مميزاته، لا أنكر أن بعض العيوب لا تطاق، لكن ثمة مميزات تجعلنا نتنازل عن تمسكنا بصفات أخرى، وفي هذا السياق يقول الإمام الشافعي: «وإنْ كثرتْ عيوبكَ في البرايا وسَركَ أَنْ يَكُونَ لَها غِطَاءُ- تَسَتَّرْ بِالسَّخَاء فَكُلُّ عَيْب يغطيه كما قيلَ السَّخاءُ».
العيش في خبايا الماضي والأخطاء السابقة ليس السبيل الأمثل لنمضي في هذه الحياة، علمني الوجع والحزن أن لا كمال ولا سعادة إلا في الجنة {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}.

اعلموا أنه من الملزم أن نتأقلم مع نقص الدنيا، هذه دعوة لمداواة الجروح قدر الإمكان؛ كي لا تزحف آثارها إلى أبعاد حياتنا الأخرى، فالحياة أعظم من أن نجعلها مخبوءة في حدث واحد، مثل البحر الذي مهما طفا على سطحه بعض الوريقات، يظل عميقًا في أحشائه الدُّر كامنٌ.

إنك حين تعطي الموقف أكبر من حجمه تصبح خائر القوى، قصير النفس، سريع الاستسلام، وتتضاءل قيمتك كإنسان في مواجهة الحياة؛ وهذا من الضعف، ولا مكان في البسيطة للضعفاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد