وضع المستعمر أو الغرب السلطة في السياسة والسيادة والجاه فيها، ومن ليس فيها فكأنّه فقد جزءًا كبيرًا من أسباب السعادة والرّفاهية والتأمين، هذه تعتبر إحدى المشكلات الرّئيسة للقارة الأفريقية بحيث أنّ كلّ واحد لا يتسابق إلى السلطة ديمقراطيًا بغرض رعاية المواطنين والاهتمام بقضاياهم، والحفاظ على ثروات بلادهم والعمل الدّءوب على مكافحة الأميّة، وجلب التطور والازدهار إلى الدّولة بتوفير العيش الأفضل الكريم على الشعب.

إذا أمعنا النظر إلى نمط الحكومات في البلاد الأفريقية فسنجد أنّه لا أحد منهم اخترع نهجًا نحو نجاح الشعب في الحياة دون أن يتعلق بالسياسة، كأن يهتمّ الفرد والجماعة بالحرف اليدوي، والمهن، والصناعة، بل الزراعة.

كيف تطوّرت البلاد الغربية؟ بالتأكيد أنّهم تطوّروا من خلال ظهور الثورة الصناعية، فأنشأوا مصانع ومنشآت، فأصبحت الأمم التي لا تعرف هذه الصناعة زبائن لهم يربحون منهم بالصادرات التجارية، وهم يصنعون والبلاد النّامية تشتري السلع التجارية منهم، وعلى الرّغم من أنّهم جاءوا إلى هذه الدّول بغية استعمارهم واخراجهم من الحياة البداعية إلى حياة أحسن يجدون فيها الصحة، والسعادة، والرّفاهيّة، وقد أنجزوا الكثير منها بحيث علّموا الشعوب الحريّة، وحقوقهم، بل القيام لمطابتها قانونيًا، بعكس الأنظمة التقليدية الملكيّة التي لم تترك لأيّ أحد خارج بيت الملك أو الأمراطور أيّ حقّ يستفيد به، والكلّ كان يعيش تحت القرارات الآحادية الجائرة للملوك، كما أنّهم لم يستطيعوا توفير أسباب الحضارة للمجتمع، مثل: العمارات الطويلة، والشوارع الواسعة، والكهرباء المضيع، والمستشفيات الطبية، والمدارس التعليمية العليا، والنوادي الاجتماعية، ووسائل النقل المريحة، ووسائل اتصالات الحديثة، لكن وللأسف أنّ المستعمرين لم يخلصوا كلّيًا في إخراج الناس من التخلف إلى الحضارة، بمعنى أنّهم لم يقوموا به بنيّات حسنة بث المعرفة والعلم والفضيلة، وإنّما قاموا بالاستعمار لمصلحة أنفسهم وبلادهم، والدّليل الواضح على ذلك كالتالي:

إذا نظرنا إلى مدّة الاستقلال الضمني للقارة الأفريقية التي نالت جلّ البلاد استقلالها في عام 1960 وإلى يومنا هذا 2019 بمعنى 60 سنة تقريبًا، لكنّ القارة ما زالت تواجه مشكلات متعددة، والتي تزداد يومًا بعد يوم، أهمّها الفقر، والبطالة، والأمراض، وأخطرها الحروب الأهليّة، انظروا إلى الخسارة البشرية الفظيعة في ليبيريا من قبل المتمرّد شارل تايلور، وإلى ما حدثت في غانا التي قام بها الرّئيس الأسبق راولينس، وما حدثت في كونغو التي كانت تسمّى بزائير سابقًا، بين الرئيس موبوتو سيسيكو ولوران ديزيري كابيلا في عام 1996. وفي نيجيريا الحرب الأهلية التي وقعت بين قبيلة هوسا في شمال البلاد، والقبائل المتآلفة في جنوب البلاد أهمّها قبيلة يوربا وإيبو، والتي عرفت بواقعة بيافرا بكسر الباء، في عام 1967 وتمّ على إثرها القتل والتشريد، والتصفية العرقية، وفي ساحل العاج كوتديفوار ما جرت في البلاد بين الرّئيس الأسبق باغبولوران والرّئيس الحالي الحسن واتارا في عام 2000، واستمرّت لمدّة 10 سنوات، ووقعت من خلالها القتل والتعذيب والاغتصاب، والنزوح والهجرة، بل اللجوء، كانت هذه الحرب بلاءً مبينًا، والتي لم تشهدها البلاد منذ استقلالها في عام 1960، والأسباب الرّئيسة لهذه الحروب كانت سياسية وعرقية، وغيرها من الحروب الأهلية التي انبثقت من النعرات القبلية، وأسباب سياسية أيضًا، التي تتبنّى زروت سنامها على القضايا الاقتصادية بمعنى الفقر والجوع والظلم تمامًا دون جدال، والنعرات القبلية والعرقية والدّينية؛ لأنّ الإنسان الجائع يعتبر حرًّا مسجونًا بمعنى أنّه لا يتحكّم ضميره في انفعالاته، وفي الأخير حسب المسلّمات والظروف يرى أنّ الحلّ الوحيد لمشكلاته هو التمرّد وإحداث الشغب حتى يصغى إليه، وإن كانت هذه الفكرة غير مدعومة، إلا أنّ السادة السياسيين لا يفهمون لغة القانون، على الرّغم من أنّهم الآن، وخاصة بعد الاستقلال في بلاد قانونية حرة وديمقراطية، إلا أنّ كلّ واحد منهم يتمنّى أن يموت على كرسيّ السلطة كما هو الحال في ساحل العاج، حتى أنّ الرئيس الأوّل فليكس أوفويت بوايي، مات على الكرسيّ في عام 1993 كما كانت في جمهورية بينين وفي توغو، وفي بوركينا فاسو، الرئيس بليز كمباوري الذي حكم البلاد لمدّة 27 سنة، والكامرون بول بيبيا الذي حكم البلاد 37 سنة، وحتى الآن ما زال رئيسًا لها، والمشير عمر البشير الرئيس السوداني تولّى على الحكم لمدّة 30 عامًا، والرّيس الأسبق لجمهورية تشاد عيسى نابري الذي استمرّ مدّة طويلة في الحكم مع تقهقر البلاد وحكم شعبه بعصاة حديدة، وغيرها.

كما أن بعضهم يريدون انتداب أبنائهم السلطة، أي تبديلهم بهم كما هو الواقع في توغو نفسها بين ياسومغبي إييارديما، وابنه فور ياسوغبي إييارديما، وفي غابون عمر بونغو، وابنه عليّ بونغو الرّئيس الحالي، والذي كان مخططًا في جمهورية ليبيا لما وضع الرئيس القذافي الخط الأحمر في دستور البلاد لمصلحة ابنه سيف الإسلام القذافي، وكما كان مخططًا في زمبابوي الرّئيس المؤسس روبيرت موغابي لما قضى عمره على السلطة، وفي الأخير بدأ يخطط ليستبعد أقرباءه السياسيين الذين ناضلوا معه لتحرير البلاد من الاستعمار المباشر بغية انتداب زوجته التي من مواليد جنوب أفريقيا على رأس البلاد، وأدّى ذلك إلى حلّ نظامه تكتيكيًا، فالانتخابات الديمقراطية الشفافة في البلاد.

على أيّة حال يا جماعة، ما السرّ الكامن وراء السياسة في قارتنا الأفريقية؟ الجواب أنّ المستعمر لم يفتح عيون شعوبنا كليًّا، وإنّما خبّأ بعضها مصلحة لنفسه، من حيث وضع العزّة والقوّة والأمن في جانب واحد وهو السياسة، وهل هكذا هم يعيشون في بلادهم؟ طبعًا لا، لماذا؟ لأنّهم فتحوا المجال بنطاق واسع للقطاع العام بحيث ينجح مواطن في حياته في مجالات كثيرة، الصناعة، والتجارة، والتربية والتعليم، الطب، الهندسة، التكنولوجيا، المهن اليدوية، المهاراة الحرفية، بل الزراعة والري والبيطرة وغيرها، والفنون المختلفة، زيادة على الخامات أوالثروات التي تعتمد عليها اقتصاد الدولة، تدعم الحكومات هذه القطاعات كلّها بمتخصصين خبراء في هذه المجالات على غرار تطويرها ونقلها نحو الازدهار المستمر.

وهل حكوماتنا اهتمّوا بذلك؟ الجواب، لا! ولماذا؟ لأنّ جلّ حكّام القارة وللأسف لا يهتمّون إلا بأنفسهم وأبنائهم وأقربائهم وأعضاء حزبهم فقط، على شعار من ليس معنا فهو ضدّنا، والمعارضة في أفريقيا تعتبر عداوة وبغضاء ليست للمشاركة في تطوير الدولة وتحريرها ديمقراطيًا، كم من معارض اغتيل بطريقة همجية غامضة؟ وكم منهم لجأوا خارج بلادهم؟ وكم من صحافيّ سجن أو قتل في أفريقيا؟ بشعار أغفل فهمك أو ضع قلمك، وإلا تحت الأرض مأواك، ويسوسون الآن آحاديًا حزبيًًا إلى الأبد قمعيًا، أين نذهب بهذه التصرفات.

أهذه البلاد تحكمها أنظمة ديمقراطية أم أوتوقراطية أم ملكية متطوّرة ومصطنعة؟ إذا كان فيه نزاهة في الحكم لماذا التعلّق بالسلطة دون إرادة غريب منهم الاقتراب، بل الاكتشاف على ما يكنونه وراء الكواليس في كيفية التعامل المربح مع ثروة البلاد وخيراتها؟ أو تقسيمها مع المستعمر حتى يحتفظ على كراسيهم، وإلاّ فالمتمرّد قائم في البلاد والفوضى.

على أيّة حال فالحالة التي تمرّ بها بلادنا هي التي تدعت الزعماء إلى هذه التصرّفات؛ لأنّ الرّكن الأساسي – أقول بلا تردد – هو الغرب أو المستعمر؛ لأنّه جعل أسباب السعادة في السلطة، ولم يخلق شيئًا للمرؤوسين إلاّ انتظار الانتخابات والذهاب إلى صناديق الاقتراع، وربّما ينتخب الشعب رئيسًا لدولتهم بالأغلبيّة، لكن يكون هو الرّاسب في الوسائل الإعلاميّة، فأين الديمقوراطية؟ والحكماء أيضًا لم يفكّروا في هذا الجانب، المستعمر درّب الأفارقة في الغرب على وظيفة: المحامين، والقضاة، والسياسيين، ولم يدرّب الاقتصاديين والعمّال اليدويين ناهيك عن إنشاء مصانع ومنشآت متطورة في القارة؛ لئلا تكثر فرص العمل، وإن لم تكثر فرص العمل، فما فيه تقدّم، وإذا ما فيه تقدّم فهم سيظلون دائمًا فوقنا ويستعمروننا بأشكال مختلفة إلى قيام الدّهر، ومن أجل البطالة جلّ النّاس إمّا يهجرون بلادهم إلى الغرب، أو إمّا يرجعون إلى السّياسة، إمّا الفوز والترفيه، أو التمرّد، وإحداث الشغب؛ لأنّه يرى أنّه لا خيار له للعيش الكريم إلا الحرب، وهنا النقطة الأساسيّة التي ينبغي على كلّ أفريقي النظر إليها بعين اعتبار ذلك أنّ القارة تتجه نحو المجهول، بمعنى أنّه لا أحد يستطيع أن يحدد مستقبلها بالضبط، والكلّ في الحيرة والتأمّلات والاحتسابات متفاعلًا، بينما البعض الكثير منهم في حالة اليأس، وما هو المخرج؟

الحلّ أنّ الشعب أو المواطنين، ينبغي عليهم معرفة من ينتخبون على رأس البلاد، معرفة تامة.

لأنّ الكثير من المواطنين ينسون نسيان الحمار في الانتخابات، بمعنى يمكن أن يولّي رئيسًا وبعد نجاحه رسميًا الشعب لا يقدر رؤيتهم إلاّ في التلفزيون، ويفعلون ما يريدون، ويقوم المواطنون بالمظاهرات السلمية حتى يستمعوا، ولكن عندهم كلّ الخطوات والحيل لقمع إرادة الشعب، ولأخطر منه اعتقال المتظاهرين، وتسجينهم، لا سيما الوسائل الإعلامية من الجرائد والراديو والتلفزيون، يغلقونها كلّ مرّة ويرغمون إداراتها بغرامات مالية باهظة، وهكذا الحال في أفريقيا عمومًا.

وهذه التصرفات غير علمية ولا قانونية تأتي عندما يفرّ القادة مسئوليّاتهم التي من أجلها انتخبوا على رأس البلاد، بعدم القدرة على توفير متطلبات المواطنين مثل: التعليم، والعمل، والأمن الكامل، والصحة، وغيرها، مستخدمًا القوات العسكرية أو الجيش لحماية أنفسهم، وخطتهم تصبح سياسية بامتياز، بعيدة عن نزعة اقتصادية، والتي لا يوجد أيّ تقدّم بدونها.

وإذا انتهت مدّة صلاحيّتهم وأشرقت سنّة الانتخابات، يبدأون بمراوغة الشعب بالأموال باشتراء عقولهم لينتخبوهم مرّة ثانية على رأس البلاد أو حزبهم، ويستمرّون هكذا حتى يدرك الشعب أنّ هؤلاء لم يتغيروا ولو قليلًا، وإنّما زادوا في الخطورة وعدم الاهتمام بالشعب بعد فوزهم على رأس البلاد مرّة ثانية، بل واستخدموهم جسورًا إلى السلطة، المهمّ عندهم أن يستجيبوا تمامًا متطلبات أساتذة الحضارة المستعمر على غرار ما يستفيدون منه من البلاد حتى يخلّصوا دورهم الحكومية بسلامة.

والآن السؤال المهم هنا، هل كلّ متمّرد خاطئ؟ الجواب بنعم، لأنّ استخدام السلاح لمطالبة الحقوق غير مناسب، ربّ مقتول في القرى يشعر كما هو يشعر المتمرّد ويعاني بالفقر الجوع والأمراض والظلم والسلب من حقوقه المواطنة، ويقتله المتمرّد في مكان بعيد من الرئيس، أين العدالة التي من أجلها أخذت السلاح؟

والمتمّرد يكون مشكورًا ومدعومًا روحيًا من قطاع عام للبلاد بمعنى من قبل المظلومين من الفقراء والمساكين الذين يعيشون في بلادهم كأنّهم أجانب، لكن أن يبدّل المتمرّد المسيرة بالمعارضة بأخذ وسائل علمية وقانونية لمطالبة هذه الحقوق، وليس واجبًا أن يحقّق هدفه هو بنفسه، وإنّما ينبغي عليه أن يجعل حياته منهجًا واضحًا يقوم من خلاله بطوعية المواطنين المظلومين على حقوقهم وواجباتهم، سواء كان في البلاد أم مطرودًا إلى اللجوء في خارجها، فأفكاره تفيد المواطنين، وتضعف قوّة الحاكم الجائر الظالم، ومع مرور الزمن سوف يحاكمون أو يباشرون السجون المؤبدة، على هذا النهج، المعارضة لابدّ منها في النظام الديمقراطي، لا سيما في بلادنا الأفريقية، لأنّ المعارضة حزبه هو الشخص الذي يضع نفسه على خطورة من أجل الدّفاع عن حقوق الآخرين.

أن يكون المواطن واعيًا وذكيًّا عند انتخاب أحد لقيادة البلاد على النهج التّالي:

أن لا يترك نفسه هواه يراوغونه بالأكاذيب والوعود بعيدة عن التحقيق، أو الأموال التي لا تعالج قضاياه لمدّة أسبوع واحد، وإنّما ينبغي عليه أو ينتخب الإنسان الذي له رغبة عالية لتقدّم البلاد ليس لتقدّم نفسه هو، والمثل الأعلى على ذلك الأبطال الأفريقيون في بوركينا فاسو توما سانكارا وإن كان ثوريًا، وكذلك في جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا، وهما ليسا على قيد الحياة، وحاليًا رئيس الجمهوريّة الفيدرالية، نيجيريا محمّد بخاري الملقب بمحرّر الفقراء، وحقيقة يعمل جادًا في مكافحة الرّشوة والفساد الإفلاس الاقتصادي للبلاد، بل ويجاهد لإقامة العدالة والمساواة والجديّة والتقدّم المستمر لبلاده.

وهكذا ينبغي على مواطن واع وعاقل أن يعطيه صوته في الاقتراعات، وليس من الضروري أن تكون المعارضة على رأس البلاد قبل أن يبيّن للشعب بالفعل إمكاناتها واستعداداتها التامّة لإدارة الدولة، فسيقوم بأعمال تصدّق ذلك لا بالكلام أو نقد تصرّفات غيره فقط على الورق، ويمكن المواطن أن ينتخبها على رأس البلاد بناءً على أجندتها الصادقة وخطواتها الفعلية الواضحة.

أمّا الكلام الكثير باستخدام المفردات الغريبة والمصطلحات السياسية المتفنّنة والعبارات القانونية المزيّفة لاتنفع مع الشعب يا جماعة، احتفظها لنفسك، أمّا نحن فنريد من لديه حلولًا على مشكلاتنا بعد الله جزّ وجلّ؛ لأنّ المحسنات اللفظية ليست هي لبّ الموضوع في قارتنا راهنًا وهي ليست إلاّ ريش حبر على قرطاس، كما أنّ الفصاحة في الفنون الكلاميّة لا تحل مشكلات القارة الأفريقية إلى الأبد، وإنّما حل هذه المشكلات يحتاج إلى من يعاني ما يعاني به المظلومون مع نيّات صادقة ورغبات عالية، وأخيرًا الإخلاص الشديد بعيدًا عن الأنانية.

وصلى الله على السيّد المصطفى الأمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد