التَسْوِيفْ؛ إنه معضلة كل الناس، عملك الذي من المفترض ألا يأخذ منك سوى بضع ساعات أو أيام، يُنْهكك لشهور أو ربما حتى لسنوات. في كل مرة تقول سأبدأ غدًا أو الأسبوع القادم، سأنطلق حتمًا مع بداية العطلة، لأدع الأمر حتى نهاية العطلة، وهكذا تستمر في تعذيب نفسك والكذب عليها إلى الأبد.

ما هو التسويف؟ قد يكون من باب القول إن السماء فوقنا وصفنا للتسويف بأنه تأجيل الأعمال والمهام إلى وقت لاحق؛ إذ إن هذا الوصف يبقى فضفاضًا ولا قيمة له، إلا إذا ربطناه بالقواعد التعريفية الثلاثة التي وضعها علماء النفس، فأن نصف سلوكًا ما بأنه تسويف فهذا يعني؛ أولًا: أن يكون لهذا السلوك نتائج عكسية على حياة الفرد. ثانيًا: ألا يرتبط سلوك التأجيل بعائق موضوعي كالمرض أو السفر. ثالثًا: أن يترتب على هذا التأجيل عدم إنجاز للمهام، وعدم اتخاذ القرارات الحاسمة في الوقت المحدد.

لمذا نسوّف؟ نحن نسوِّف لأن دماغنا البشري ميّال بطبعه إلى الكسل، ويتجنب تلك الأعمال التي تفرض عليه جُهدًا وتركيزًا مضاعفًا؛ ولذلك يحارب دماغنا -بطريقة لا واعية- رغباتنا في العمل من خلال إيهامنا بأننا إذا أجّلنا مهماتنا قليلًا سنحصل على ظروف أحسن لإنجازها، يغرينا مثلًا بقوله: «قبل أن تباشر عملك لا بأس أن تفتح فيس بوك قليلًا لتطالع جديد أصدقائك؛ فلربما هناك من علق على منشوراتك، أو أن هناك خبرًا مهمًا يجب أن تراه…»، وعندما نفعلها يغرقنا ساعات طوال في ذلك المستنقع الأزرق. وقد يقول لنا أيضًا: «أنت في حاجة إلى كوب قهوة أو عصير حتى ترفع من مستوى انتباهك، جرّب أن تنصرف لإعداده او لشرائه»، وما إن نقوم من مكاننا حتى يصوّر لنا بأن العودة لمهمتنا هي الجحيم بعينه.

هل المسوفون نوع واحد؟ رغم أن التسويف واحد من حيث مآلاته وآثاره السلبية، إلا أن المسوفين ليسو سواءً؛ فهم يختلفون تبعًا للميكانيزمات العقلية التي ينتهجها جهازهم النفسي، فهم ما بين نوع تعويضي يتهاون في أداء مهامه الرئيسية لصالح مهام أقل أهمية منها، إلى نوع آخر اجتراري يتصارع مع المهمة التي يقوم بها بحيث ينطلق فيها إلى حد معين، ثم يتخلى عنها بداعي التأجيل ليعيد الانطلاق من جديد دون أن يصل إلى نتيجة واضحة تمامًا، كما يفعل أولئك الراغبون في تعلم اللغات الأجنبية.

وفي هذا السياق أشار كل من جاك ماجوير وليندا سابادين «L. Sapadin, J. Maguire» في كتابهما «It’s About Time» إلى أن هناك ستة أنواع من أنماط التسويف، والتي يمكن أن تظهر منفصلة أو متداخلة عن الشخص الواحد؛ هذه الأنماط هي: الساعي إلى الكمال، القَلِق، الحالم، صانع الأزمات، المُتَحدي، والمكرر لأفعاله.

ما الحل؟ عمومًا لا يوجد حل قياسي «Standard» يصلح لجميع الناس، إنما لكلٍّ طريقته الخاصة في محاربة هذا الوباء البشري؛ فأنا عن نفسي مثلًا أميل إلى مقاومة التسويف بإرغام ذاتي على البدء تحت أي شروط، وفي ظل أسوأ الظروف وذلك لمعرفتي بأن «البداية أهم من الإتقان»؛ إذ إن هذا الأخير سيتوفر حتمًا مع مرور الوقت، في حين أن البداية ستتعسر مع مرور الوقت. كما أستخدم بعض المحفزات من قبيل الاطلاع على فيديوهات خاصة بالسير الذاتية لعلماء أو مفكرين أو مبدعين، وذلك حتى أشحن طاقتي لمواجهة الإكراهات النفسية التي يضعها دماغي لكي يمنعني من الانطلاق، أو من إكمال المهمات التي سبق وأن انطلقت فيها.

وفي كثير من الأحيان استخدم طريقة «المكافأة بالراحة»، فمثلًا عندما تشتهي نفسي الولوج إلى مواقع التواصل، فأنا لا أقابلها بالرفض المطلق؛ بل أقبل طلبها لكن بطريقة تفاوضية إذ أضع لها شرطًا حاسمًا لدخول مواقع التواصل الاجتماعي وهو الانتهاء من جزء من العمل، فأقنعها مثلًا بأنني سأدخل بعد انتهائي من كتابة ثلاث صفحات من المقال الفلاني، أو بعد قراءة 20 صفحة من الكتاب العلاني، وما إن أصل إلى كتابة أو قراءة الصفحات المحددة حتى أستجيب لمرادها وذلك لتعزيز ثقة نفسي في الوعود التي قطعتها عليها؛ حتى تسمح لي في المرة القادمة بتكرار التجربة. ومع مرور الوقت أرفع الحصص المخصصة للعمل مع التقليل من بدائل الراحة إلى أن أصل إلى تحقيق نوع من التعود.

وقد يكون من الرائع أيضًا أن يتم دعم هذه الطرائق بإعلان النية في القيام بالمهمة؛ إذ إنه من المفيد إطْلَاعُ الآخرين عما نريد فعله، وهو ما يضعنا تحت ضغط التنفيذ، فالشخص الذي يود أن يلتزم بحمية غذائية مثلًا، عندما يُعْلِم المحيطين بمشروعه هذا سيجد صعوبة في التراجع عن قراره، لأن هذا التراجع سيسبب له إحراج أمام أصدقائه أو أقاربه الذين سيبدو أمامهم بمنظر الشخص غير المنضبط.

ولأن إعلان النية وحده لا يكفي لمواجهة هذه المعضلة، فإن تقسم المهمة المراد القيام بها له أيضًا دور إيجابي في محاربة إكراهات التسويف؛ فكثيرة هي المهام المعقدة التي تتطلب منّا أن نفتتها إلى أجزاء صغيرة؛ وذلك حتى نستطيع أن نبدأ في هذه الأجزاء وأن ننهيها بسرعة قبل أن يتمكن الملل منّا؛ وهكذا حتى نكمل المهمة الرئيسية بإكمالنا للأجزاء المكونة لها.

وختامًا لا بأس من أن نستأنس بمقولة للحسن البصري -عليه رحمة الله- يقول فيها:

إياك والتسويف فإنك بيومك ولست بغدك، فإن يكن الغد لك فكن في غد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن لك غد لم تندم على ما فرطت في اليوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد