الثورة التكنولوجية وسيلان الإنتاج

كانت نهاية نظام الاستعمار إعلانا عن دخول العالم إلى مرحلة جديدة من مراحل الاستغلال المستمر، الذي تتميز به الرأسمالية منذ ظهورها. فالنهاية التي شهدها النظام الاستعماري لم يكن أمرا مبشرا – كما اعتقد المتفائلون بالاستقلال – وإنما كان ذلك خروجا من استغلال لا عقلاني إلى استغلال يتستر خلف العقلانية.

استمرت الدول الصناعية في إنتاجاتها المستمرة، باحثة عن طرق أكثر نجاعة للإنتاج، تمكنها من إنتاج سلع كثيرة، ذات جودة عالية، وفي وقت وجيزة. حتى تكون سلعا متوفرة في كل مكان، يستطيع أي شخص شراءها بأثمان معقولة.

من أجل هذا، سارعت هذه الدول إلى تمويل البحث العلمي ومشروعات الاختراعات، والاهتمام بالعباقرة؛ حتى تتمكن من اختراع وسائل إنتاجية أكثر كفاءة، وأكثر تقدمًا بمعايير متقدمة. ونتيجة التنافس الذي كان بين هذه البلدان، تمكنوا من تطوير وسائل الإنتاج، التي مكنت العالم من دخول مرحلة الثورة التكنولوجية الإلكترونية، التي شملت جميع مجالات الحياة، من مواصلات وسلع استهلاكية وترفيهية واستخداماتية وإنتاجية.

فجرت هذه الثورة سيلان الإنتاج في الدول الصناعية؛ مما زاد من فائض الإنتاج، وزاد من استهلاكه، فنهجت هذه الدول استراتيجية تعميم السوق الحرة حول العالم (كانت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر هذه البلدان استفادة من هذه الثورة؛ لأنها كانت الأكثر قوة من الناحية الاقتصادية؛ لتستثمر الثورة التكنولوجية الأخيرة بنجاح)، عن طريق منظمة التجارة العالمية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية سنة 1947 تحت اسم (الجات)، والتي كان ظهورها إعلانا بكسر الحدود الجغرافية والسياسية والقضاء على النزعة القومية بين البلدان أمام تدفق السلع، وهنا بدأ يظهر أنف ما سُمي بالإمبريالية.

الإمبريالية استعمار جديد وهادئ

تدفقت السلع إلى بلدان العالم التابع بوتيرة متسارعة، فكان يأخذ طريقين: فإما أن السلع تُصنع خارج أراضيها، فيتم توريدها إلى أرضها. وإما أنها تُصنع داخل أرضها، وذلك بأن تفتح شركة ما من العالم الصناعي فرعا لها داخل هذه الأرض، بحيث تكون تابعة للشركة الأصل التي يوجد مركزها بالبلد الذي تحمل جنسيته. وهنا ظهرت الشركات متعددة الجنسيات، والشركات مجهولة الاسم (وفي هذه المرحلة أخذت الشركات تتكتل فيما بينها للحفاظ عن بقائها أمام مستجدات هذه الفترة، فظهرت لنا شركات عملاقة، ليدخل الاقتصاد العالمي إلى مرحلة الاحتكار، حيث إن بعض الشركات العملاقة أخذت تقضي على الشركات الصغرى، إما بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة، ولهذا حديث آخر).

أصبحت هذه الشركات تخترق أراضي الدول حول العالم، سواء في الدول الصناعية أو في الدول المتخلفة، وصارت الولايات المتحدة الأمريكية البلد الذي يضم مراكز العديد من هذه الشركات العملاقة (مثل: كوكاكولا، آي بي إم، جنرال موتورز، ماكدونالدز، وينداوز، آبل…).

ولد عهد جديد، أصبحت الحدود السياسية والجغرافية لا معنى لها أمام الإمبريالية، بالرغم من أن بعض الدول الاشتراكية (الاتحاد السوفياتي، الصين، كوبا، كوريا الشمالية) قد حذرت من خطورتها، وأغلقت الباب أمام هذا الوحش الهائج، إلا أنها ما فتئت أن دخلت إلى هذه الدائرة، وإن استثنينا كوبا وكوريا الشمالية اللتين أصبحتا تعانيان من تضييقات ستؤدي بها في آخر المطاف إلى الدخول في هذا النظام العالمي الجديد (وكما قال المفكر المصري سمير أمين، فإن اقتصاد الدول الاشتراكية ليس قائما بذاته. فهذه الدول لا يمكن اعتبارها إلا مرحلة انتقالية نحو رأسمالية الدولة، أو نحو الشيوعية التي بشر بها ماركس، وسمير أمين أيضا أعتبره من المثقفين الثوريين على العالم الصناعي، وهو من رواد نظرية التبعية، التي يتبناها هذا المقال ككل، ولكن بطريقة أخرى).

نظام العولمة وعلاقته بالإمبريالية

نعم الإمبريالية الآن أمر واقعي، ويمكن تعريفها تعريفا تقليديا بقولنا (إنه استعمار جديد غير ظاهر، لا يهدد الوجود السياسي للبلد المستعمَر، ولكن يهدد وجوده الاقتصادي أو يلغيه). أصبحت السلع تستحوذ على البلدان التابعة، ولأنها لا تمتلك وسائل إنتاجية حديثة، فإن منافستها لهذه السلع ستكون شبه منعدمة؛ مما يعني أن ناتجها الخام الداخلي وميزانها التجاري سيصابان بتقهقر واضح. فإن كانت هناك بلدان تعتمد على بعض الثروات الطبيعية (كالمنتجات الفلاحية والمواد الأولية المصدرة نحو الخارج)، فإن ذلك لا يعني شيئا أمام التطور المستمر للصناعة ومستجداتها.

لم تفرز التكنولوجيا هذا فقط، بل فتحت بابا تواصليا بين العالم، متجاوزة الحدود اللغوية والثقافية، فوسائل الإعلام التقليدية (التلفاز)، والإنترنت، ألغت هذه الحدود، معلنة أن العالم أصبح قرية صغيرة، وأصبح تناقل الأخبار والمعلومات أسهل من الماضي، فلم يعد هناك إمكان لغلق الأبواب أمام هذه الظاهرة العالمية، بل أصبح ظهورها أمرا حتميا يتجاوز قدرات الدول السلطوية والثقافية، وبهذا أُعلِنت مرحلة جديدة سميت بالعولمة. فما العلاقة بين العولمة والإمبريالية؟

دخل العالم مرحلة العولمة، بفعل التقدم التواصلي الذي عم العالم نتيجة الإمبريالية، فالمنتجات التواصلية التي انتشرت في العالم، انتشرت بفعلها، (أي بفعل الإمبريالية)، فلولاها لما كانت هناك عولمة، وفي المقابل، فلولا العولمة لما استمرت الإمبريالية. كيف ذلك؟

إن تحويل العالم إلى قرية صغيرة، جعل التواصل مع الناس سهلا، يعني أن الوصول إلى المستهلك، وإلى نفسيته بات أمرا سلسا، فالإعلانات التي تملأ التلفاز قديما، والإنترنت حديثا، زادت من وتيرة الاستهلاك، فالإعلان أو الإشهار يلعب دورا مهما في جذب الناس نحو استهلاك سلعة ما، (وهذه سيكولوجية تعتمدها الشركات، وتسمى بعلم النفس الإعلامي، وسأتحدث عنها في مقال آخر إن شاء الله). فبفعل هذه الإعلانات، صار الاستهلاك أمرا ثقافيا، وليس أمرا غرضيا، بمعنى أن استهلاك سلعة ما، لا تُفرزه الضرورة، وإنما تحدده الثقافة المنتشرة بين الناس، فمثلا الهاتف المحمول لم يعد استعماله ناتجا عن ضرورة، وإنما عن ثقافة تأكيد الذات، فالشخص الذي يشتري هاتف آيفون آخر موديل، لا يشتريه لضرورة ذلك، وإنما لرغبة في تأكيد نفسه اجتماعيا، فإن خرج نوع جديد، تخلى عن القديم؛ ليس لعيب في الهاتف، وإنما لأنه يريد إظهار تفوقه على الآخر، (وهذه تسمى ثقافة التفوق أو تأكيد الذات).

الإنتاج يتحكم في الاستهلاك

ونتيجة لهذا، وبعد أن أصبح الاستهلاك أمرا ثقافيا، شهد العالم انفجارا استهلاكيا في السلع، ولم تعد الشركات تخاف من إنتاج منتجات جديدة لم تكن موجودة من قبل (1)، بل صارت تتنافس فيما بينها لإنتاج مزيد من المنتجات كيفما كانت، مادام الإشهار هو الذي يتحكم في الاستهلاك، فلا بأس في صناعة المزيد، وصناعة المزيد يعني زيادة الأرباح، وزيادة الأرباح يعني زيادة استثمار هذه الأرباح في مشروعات أخرى (عن طريق البنوك، ولهذا حديث آخر)، وهكذا يظهر المزيد من الشركات، ويظهر إنتاج جديد، (فإن أرادت الشركة النجاح لابد لها من ابتكار سلعة غير موجودة في السوق)، وتظهر سلعة أخرى، وهكذا دواليك، فتزداد الدول الصناعية ثراء، في حين أن الدول في العالم التابع تبقى مجرد مستهلكة، تابعة للدول الصناعية بفعل حاجتها لمزيد من السلع التي لا تستطيع صناعته، ولا تستطيع التحكم في استهلاك أفرادها لها. وأيضا بفعل الاستثمار الخارجي الذي تحتاجه داخل بلادها؛ حتى تحارب بعض الظواهر الاجتماعية ذات الصبغة الاقتصادية، كالبطالة (وسنتحدث عن هذا في فصل قادم إن شاء الله).

وهكذا تظل الدول في العالم التابع، غير قادرة على مواكبة هذا التسارع الصناعي الذي تشاهده الدول الصناعية الأخرى، والتي تحتكر تكنولوجية وسائل الإنتاج، وكل محاولة من الدول التابعة للنهوض باقتصادها أمام هذا التحدي العالمي، تضطر لقرض أموال طائلة تضعها تحت مديونية خانقة، وتزيد من تبعيتها للخارج، فلا اقتصاد ينمو ولا استقلال.

أصبحت العولمة هي الراعي الرسمي للإمبريالية، فلا يمكن لها أن تستمر إن انتهت العولمة، يعني أن وجودها ( الإمبريالية) سيتلاشى إن تلاشت العولمة، لهذا لا أعتبر هذه الأخيرة مجرد مرحلة فقط، وإنما نظاما أيضا يشتمل على الإمبريالية كجزء منها. فتطور العلاقات الدولية أصبح يتماشى وقوانين هذا النظام، فمن يخرج عنه، فكأنه يخرج عن الكرة الأرضية؛ ليعيش في كوكب آخر، أو كأنه يريد العيش عيش الحياة البدائية.

نظام العولمة يخدم العالم الصناعي

إن الدول الصناعية ترى في هذا النظام، نظاما خرج من رحمها، ويخدم مصالحها بالذات، لهذا لا ترحم أي شخص يحاول تهديده أو تغييره (بالرغم من أن لا أحد هدده حتى اللحظة)، فإن أضفنا الأمم المتحدة (التي تدعي أنها أُسست للحفاظ على السلام العالمي) نقول إن العولمة أخذت شرعية سياسية بعد الشرعية الاقتصادية حول العالم، لتبقى الشرعية الثقافية والشرعية الأيديولوجية، اللتان لم ينلهما هذا النظام (فكرد فعل ثقافي على نظام العولمة أخذت الدول تهتم بالتراث والثقافة المحلية. أما الأيديولوجيا، فقد كانت البلدان الإسلامية والشيوعية من أهم البلدان التي ردت أيديولوجيا على هذا النظام، لهذا تعتبرها الدول الغربية بلدانا تضم تهديدا للسلام العالمي، فنعتت الشيوعية بالإرهاب الأحمر، والإسلام بالإرهاب الأخضر. فإن تراجعت عن هذا الاسم، فلم تتراجع إلا بعد أن اخترعت مصطلحات جديدة، وهي الإسلام المعتدل مقابل الإسلام المتطرف).

إذن تحاول العولمة (بقيادة العالم الصناعي) أن تنال الشرعية الثقافية والإيديولوجية حول العالم، لهذا تستغل كل الطرق (خاصة الإعلام) لنشر ثقافتها وأيديولوجيتها حتى يكتمل نظامها ويصبح العالم دولة واحدة، ومن أجل هذا تقوم بالتضييق على الثقافات والأيديولوجيات المعارضة. فحتى ولو أنها أسست فرعا من الأمم المتحدة (اليونسكو) يحافظ على التراث حول العالم، فإن ذلك هدفه، وهو جعل التراث المادي المتواجد في مناطق مختلفة من العالم إرثا عالميا (هذا العالم الذي يحكمه العالم الصناعي). وبهذا يصبح جزء من الثقافة قد تم دمجه في النظام العالمي.

_________________________

(1)- كانت الشركات قديما تخاف من إنتاج منتج جديد لا يعرفه الناس؛ لأن ذلك لن يؤدي إلى استهلاكهم له، فما لا يعرفونه، فلن يستهلكوه. لكن بعد ظهور وسائل التواصل والإعلام، أصبح ذلك متجاوزا، فالمنتج الجديد يصنع المستهلكين عن طريق الإشهار والإعلانات. التي تستخدم لتعريف المستهلك بالمنتج، فإن لم يكن يعرفه من قبل، يصبح بعد مشاهدته للإشهار عارفا به. فلم يعد الاستهلاك هو الذي يتحكم في الإنتاج، وإنما العكس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد