في الحادي عشر من فبراير عام 2011 وحين تنحى مبارك عن الحكم بأمر شعبي نتيجة ثورة يناير التي بدأت بدعوات شبابية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، والتي هوجمت في بدايتها من كثير من الفئات، خاصة أولئك الذين يتمسكون بعجلة الإنتاج، والتي بالتأكيد لا ننكر أهميتها، ولكن إذا وجدت نفسك تختار بين عجلة الإنتاج وكرامتك كإنسان، فلا بأس إن وقفت العجلة قليلًا فبغير كرامة لا تحيا الأمم.
أمام كل تلك الشعارات كان دائمًا هناك رأي آخر بأنها ليست أكثر من شعارات، وجمل محفوظة، وما الشباب المنادون بها سوى صغار لم يختبروا قسوة الحياة يومًا، فالكرامة لا تأتي بالمال أو الطعام، ما بالنا نحن بكرامتكم تلك التي لا تسد شعورا بالجوع ولا تكسو طفلًا، والكثير من تلك الكلمات الواقعية، إلا أن أي شخص مازالت بداخله بعض ملامح من الإنسانية لم تطحنها عجلة الإنتاج يستطيع أن يجنبها ويختار كرامته التي تهون عليه جوعه وبرده.
بالعودة ست سنين قليلا إلى الوراء في محطة أولى وهي الأيام التي تلت الحادي عشر من فبراير وبعد تنحي مبارك، ارتفعت أصوات من العدم تنادي بأن يكفي هذا ويكفي كل ما ضاع ليذهب كل منكم إلى بيته ودعوا عجلة الإنتاج تدور، وتحت تخدير الفرحة وقلة خبرة الشباب في الميدان السياسي انصاعوا لدعوات انطلقت من بعض الناس، وكالعادة التي جُبلنا عليها بأن لا شيء يتم، إلا إذا استمررت في متابعته، فكان منطقيًا أن تتدهور الأحداث أكثر.
ثم  مع مرور الوقت، وبالرغم من تغير الحكام، إلا أن هذا صار هذا منهاجا وحُجة لإسكات كل من تسول له نفسه الاعتراض أو الكلام، صارت عجلة الإنتاج سببًا كافيًا لإيقاف عمل القوى المعارضة، وإهمال اعتراضات الشارع المصري السياسية، فما عليك إلا الاستيقاظ باكرا والذهاب إلى عملك لتدور العجلة، ثم العودة إلى بيتك لتجلس هادئا في سلام وسكون بلا اعتراضات لأنك بالطبع مازال عقلك الصغير لا يستوعب حجم المؤامرات الكونية وكيفية إدارة البلاد وأضرار الديموقراطية والشفافية لصحتك، فاصمت حتى لا تفسد مسيرة عجلة الإنتاج.
وخلال انتهاكات كثيرة خلال السبع سنين الماضية والتي مازالت مستمرة، باختلاف السلطة والحكومات والرؤساء، كانت ومازالت عجلة الإنتاج تحتل السبب الرئيسي والإجابة النموذجية لكل محاولات النقد، حتى أنها أصبحت عامل تهديد من قبل السلطات، فصاروا يهددون بطريقة غير مباشرة وغير معلنة أن كل تلك المعارضات والتساؤلات سوف تفضي بنا في النهاية إلى تأخر اقتصادي، فتكون بمثابة حجر ألقي في طريق عجلة الإنتاج فيعيقها، ولن يتحمل أحد النتيجة سوى أولئك المعارضين.
المدهش في الموضوع، والمضحك في نفس الوقت، أنه وبالرغم من الانصياع الدائم لأوامر العجلة المصرية، إلا أنها لم تتقدم شبرا واحدا حتى، فبالحديث عن العجلة الإنتاجية ودورانها وتحملنا الكثير لكي تنتج أصبحنا كمن ينتظر دجاجته لتبيض بيضة ذهبية ليبيعها ويشتري دواء لوالدته المريضة، فلا الدجاجة تلقي ذهبًا، ولا أمه تشفى، بل ساءت الحالة حتى أصبحنا مديونين نتسول الأموال من خلال المؤتمرات وصناديق (الشحاتة) من الشعب، الشعب الذي قُمع كثيرًا، وأُسكت رغمًا عنه حتى تستطيع العجلة أن تسير حتى صار عنده (متلازمة العجلة) التي قد تُدرج في الطب النفسي كمرض مصري الأصل.
والمثير في الموضوع أنه وفي الأساس لا يوجد ربط بين المعارضة وعجلة الإنتاج، فعجلة الإنتاج ماهي إلا انعكاس لحالة الاقتصاد المصري؛ مما يعني الحالة الزراعية والصناعية والسياحية في المقام الأول؛ باعتبارهم مصادر الدخل الأساسية ومحركي العجلة، وفي سؤال منطقي يتوارد إلى خاطرك عن علاقة العجلة والمعارضة بأحد تلك المصادر وتستنجد بأفكارك علك تجد رابط مباشر أو غير مباشر حتى تفشل كل محاولاتك.
بالنسبة للسياحة، فالسائحون بالأساس لا يلقون لك بالا لا أنت ولا عجلتك (فاشبع بيها)، ولم نجد أية دول قد حذرت رعاياها من السفر إلى اليونان مثلًا بالرغم من كل ما حدث بها من اعتصامات وهناك الكثير من الأمثلة لمن أراد البحث، والسبب بسيط جدا السياحة قائمة على الأمن فلا تلصقوا فشلكم بآخرين، بالإضافة إلى أنه لم يطلب أحد الاعتصام، ولا التجمهر أصلا، فقط نريد وجود حقيقي للمعارضة، وليس صوريا.
والحقيقة ليس هناك الكثير من الكلام بخصوص الصناعة المصرية ليس لأني لا أريد، ولكن لأنه لا يوجد أصلًا، فلا يخفى عليكم محاولات الدولة المستمرة بالدخول في كل أسواق السلع واحتكارها حتى تضيق على أصحاب الشركات فيضطروا لتغير سوق عملهم من الاساس، نعم الدولة أصبحت (بترازي الناس في لقمة عيشهم).
وبالنسبة للزراعة فحدث ولا حرج فبالإضافة إلى تزايد استيرادنا إلا أن هذا بدا غير كاف بالنسبة للحكومة فقررت زيادة سعر الأسمدة الزراعية مرات متتالية حيث أنه وفي أكتوبر 2017 وصل سعر الطن من السماد إلى 3200 جنيها، الزيادة التي بدورها زادت تكاليف النقل والانتاج والمنتج النهائي، ثم نعود لنسأل عن سبب الزيادة الجنونية للأسعار.
لا أعلم أي من النقاط السابقة قد تسببت به أي قوة من قوى المعارضة، فمثلًا: هل دور المعارضة هو توفير الأمن والأمان وحماية الحدود؟ أم أن المعارضة هي من تبنت احتكار السلع وتضيق الحصار على أصحاب الشركات؟ أو قد تكون المعارضة هي المسؤولة عن زيادة الأسعار وترك الفلاحين أراضيهم حينما وجدوا أنفسهم غير قادرين على مواجهة تكاليف الزراعة؟
لا نعلم إلى متى سيظل شبح عجلة الإنتاج يطاردنا، إلى متى سيظل كالسحر الذي استغله جنود فرعون ليسحروا به أعين الناس ويضلوهم، ولكن ما نعرفه حقا أننا لن نتقدم خطوة إلا حين نشفى من متلازمة عجلة الإنتاج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد