لا يخفى على من يتابع مباريات لاعبي الفنون القتالية مدى خطورة الضربات القاضية على اللاعبين رغم وجود قوانين وتعليمات تمنع توجيه الضربات في الأوقات والأماكن التي تسبب ضررًا بالغًا بالخصم، ومع وجود وسائل الحماية لتقليل الصدمات مثل قفازات اليد والارجل إلا أن بعض الضربات تكون قاسية على الخصم، فتصور أنها وجهت بدون كل هذه الضوابط والتعليمات وبدون وسائل حماية فكيف ستكون؟

التدريب والمهارة والخبرة

يعتمد لاعب الفنون القتالية على التدريب المستمر والذي يؤمن له حماية من حصول التشنجات العضلية والانزلاقات الغضروفية ويعطيه المرونة المناسبة لتأدية الضربات الفنية الفعالة، وهذا التدريب يعطي محاكاة للضربات وكيفية التعاطي معها، ولكن خلال التدريب يحتاج اللاعب إلى الدخول في نزال فعلي مباشر لاكتساب المهارة التي لا تتحقق أثناء التدريب، وبدورها ستتنامى المهارة مع كثرة التدريب والنزالات للوصول إلى تحقق الخبرة التراكمية والتي تصنع الضربات الاحترافية.

مكمن الخطر

عندما يكون اللاعب للفنون القتالية أحمق وعصبيًا فإنه يصبح أداة قتل خاصة إذا نفذ إحدى تلك الضربات على الخصم والذي قد يتعرض من خلالها إلى الوفاة مع عدم وجود مقومات السلامة من التدريب والقوانين، ولكن رغم ذلك فإن السيطرة على اللاعب ممكنة من خلال المؤسسات الرياضية والتي تتعامل معه وفقًا لمبدأ الغرامات المالية والمنع من المشاركة في البطولات أو فتح ناد أو التدريب وغيرها من المحددات التي تجعل اللاعب يعيد التفكير قبل أن يتصرف بسفاهة وقلة عقل.

الأخطر من لاعب الفنون القتالية هو الذي يقلده بالحركات من خلال إتقانها عبر مشاهدة الأفلام ومقاطع الفيديو وخاصة المنتشرة في الآونة الأخيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي يظهر فيها بعض لاعبي الفنون القتالية ممن يريد الشهرة وهو يعلم الشباب على ضربات ممنوعة تسبب ضررًا حادًا بالخصم وهذه الضربات يروج لها على أنها أساليب للدفاع عن النفس، والمشكلة ليست في استخدامها الطبيعي بل في استخدامها في الشجارات العابرة وفي المزاح الثقيل، حيث إن الفيديوهات تشرح الضربة ولكن لا تعطي شرحًا لتأثيرها على الخصم وكيفية التعامل مع أي مضاعفات قد تكون قاتلة، كبلع اللسان وانسداد المجرى التنفسي بالدم وحدوث نزيف داخلي وقطع الشرايين بسبب الكسر المضاعف للعظام وغيرها من الحالات التي قد تحدث بسبب ضربة واحدة فقط.

الشباب المتابع والمقلد للحركات القتالية لا يمكن السيطرة عليه من خلال النقابات أو المؤسسات الرياضية ولا حتى من المدرسة والآباء، وخاصة مع توافر الهواتف النقالة والمزودة بخدمة الإنترنت والتي تمكنهم من الولوج إلى المواقع الإلكترونية ومتابعة ما يريدون من برامج ومقاطع تعليمية تعلمهم على العنف وتعزز شعور الغريزة للقتل والوحشية، وهذه المقاطع التعليمية تنشط في دورها مع مشاهدة أفلام الحركة والألعاب التي تعتمد على فكرة تصفية العدو بالضرب المبرح، ومع توافر الظروف التي تنمي حالة الحقد والضغينة عند الشاب فانه سوف لن يمتنع عن ارتكاب الجريمة بحق غيره، لأنه سيعتبر ذلك جزءًا من اكتمال شخصيته ورجولته.

العلاج

من أجل ألا نفقد أبناءنا ومن أجل أن نحميهم من السقوط في دوامة المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، فإن من واجب الآباء أن يراقبوا توجهات أبنائهم وميولهم، فاذا لاحظوا رغبتهم في تعلم الفنون القتالية وتأثرهم بها بشكل مفرط فإن الحل الأمثل هو توجيههم إلى النوادي الرياضية المتخصصة والتي تعلمهم الأساسيات الصحيحة وتنمي لديهم روح الثقة بالنفس، فيصبحوا عارفين بقدراتهم وخطورة ضرباتهم الاحترافية وضرورة عدم استخدامها تحت أي ظرف إلا بالضرورة القصوى والتي يجيزها القانون والشرع.

بعض الآباء يظن أنها مضيعة للوقت في إرسال ابنه إلى النادي الرياضي، ولكنه لا يعلم بأن ابنه يقضي وقته وهو يتفرج في الهاتف النقال على مئات المقاطع الموجهة لتشويه الحقيقة لدى الشباب وتشتيت انتباههم عنها وجعلهم يعيشون في عالم متمرد على الواقع باستمرار، ناهيك عن وقتهم المهدور في متابعة الأفلام الإباحية وشرب السكائر أو النارجيلة والتسكع مع المدمنين وشاربي الممنوعات، فوقت الشاب الذي يهدره في النادي الرياضي والمجهود البدني الذي يؤديه فيه سيجعله يواظب على نظام غذائي مناسب وتقليل السهر والاهتمام بتكريس وقته المتبقي لأمور مهمة أكثر من متابعة أمور مفسدة لحياته وحياة غيره، مع تحقق رغبته في تطوير مهاراته وشعوره بالرضا عن نفسه وهو يحقق نجاحًا في هوايته مع وجود التشجيع من العائلة، وجزء من نجاح الشاب هو عدم شعوره بالنقص والحاجة، وهذا ما يجب على العائلة أن توفره لأبنائها أكثر من الأكل والشرب والخدمات.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات