سأعمل على تحقيق إرادة الشعب في إطار القانون وفي إطار احترام الدستور والاختصاصات المضبوطة لرئيس الجمهورية. المرشح قيس سعيد في المناظرة الأخيرة للانتخابات الرئاسية أكتوبر 2019 

إن السؤال المهم اليوم في تونس أكثر من غيره هو ما الذي دفع الشعب التونسي لانتخاب شخصية مجهولة سياسيّا ولا تحمل أي مشروع ولم تدعي يوما أنها تحمل مشروع انقاذ اقتصادي واجتماعي بل كانت تتحدث دوما أن الدولة مهمتها تنفيذ مشاريع التنمية المحلية التي سيعرضها الشباب كما صرح بذلك في كل المناظرات التي شارك بها في الحملة الانتخابية للانتخابات الرئاسية أكتوبر 2019 في تونس. وحتى نتمكن من الإجابة عن السؤال لنذكر بما قاله المرشح قيس سعيد أثناء تلك المناظرات وخاصة في المناظرة الأخيرة في الدور الثاني قبل يوم من الصمت الانتخابي ويومين من الانتخاب.

صرح المرشح الرئاسي قيس سعيد في تلك المناظرة الحاسمة بينه وبين منافسه رئيس حزب قلب تونس نبيل القروي قائلًا:

حين سئل عن خطته للدفاع والأمن أجاب: الخطط الأمنية لا تذكر أمام عدسات المصورين وأضاف قائلًا: المرفق العمومي (يقصد الأمن والجيش) مرفق محايد.

حين سئل عن اغتيال الشهيد شكري بلعيد والجهاز السري للنهضة أجاب قائلًا: القضاء المستقل خير من ألف دستور.. لا أتدخل في القضاء ولا يمكن أن أتدخل في القضاء وأضاف قائلًا: لا مجال لأي جهاز سري والمرافق العمومية تقوم على مبدأ الحياد. وتحدث عن تغيير تركيبة المجلس الأعلى للقضاء وأن العدالة الناجزة فوق الجميع وأشار أنه لا يمكن إحداث محاكم استثنائية لأنها مخالفة للدستور وروح الدولة الديمقراطية وطالب بتوسيع مجال الأمن القومي ليشمل التربية والتعليم والصحة داعيّا لضرورة إنشاء مجلس أعلى للتربية باعتبار أن التربية والتعليم الأدوات المثلى لمحاربة الإرهاب والتطرف مقترحا تدريس مبادئ التفكير الفلسفي منذ الطفولة.

وحين سئل عن السياسة الخارجية أجاب قائلًا: لا يمكن أن نقبل بما يمس من مصلحة الشعب التونسي وتحدث عن ثوابت السياسة الخارجية للدولة التونسية معتبرًا ذلك من علامات استمرارية الدولة موضحا أنه في الحوار مع أوروبا سيقول لهم: لا يمكن حل مشاكلكم، إلا بحل مشاكلنا وهو هنا يقصد مشكلة الهجرة غير الشرعية ومشكلة التنمية الاقتصادية لبلدان الجنوب من قبل بلدان الشمال. وطالب الجميع بكف أيديهم عن الشعب الليبي وأنه سيستقبل كل الأطراف لوضع حد لهذا الوضع المتأزم وأن تونس ستكون أرض الحوار الليبي لأن قضية ليبيا قضية تونسية وتهم تونس. ثم قال قولته الشهيرة التي اخترقت الآفاق: التطبيع خيانة عظمى، وأن المطبع يحاكم بتهمة الخيانة العظمي.

وفي باب الوعود الانتخابية أكد أن التونسيين سئموا الوعود وأنهم بحاجة لفكر جديد وآليات جديدة وأبرز أن الشباب هم الذين لديهم برامج وأن على الدولة أن تمكّن المهمشين من أن يكونوا فاعلين وأبرز أن مشروعه ليس مشروع لجان شعبية لأنه سيكون بالانتخاب وفي كنف احترام القانون والدستور.

وفي السؤال حول علاقته ببقية السلط أكد أنه سيكون رئيس جامع لكل التونسيين يسموا فوق الاعتبارات الظرفية ويسمو فوق الاعتبارات أو الانتماءات الحزبية. وأكد أنه لن يكون ضد الدولة ولا ضد النظام الجمهوري وأنه سيحترم الحريات الأساسية مشدّدًا أنه يرفض العقوبات السالبة للحرية في مجال حرية التعبير والتفكير مؤكدًا ألا تراجع في الحريات.

وأخيرًا في باب محاربة الفساد أكد أنه لن ينتدب أفراد أسرته للعمل في الرئاسة وأنه يجب محاسبة المسؤول في أي مكان بما في ذلك رئيس الجمهورية. ونختم بقوله: الدولة تستمر لا مجال للنقاش في ذلك.

تلك كانت أقوال المرشح قيس سعيد والتي دفعت الشعب التونسي لانتخابه رغم أنه من خارج المنظومة السياسية التقليدية القائمة على الأحزاب، وكان للشعب آمال عريضة، ولذلك احتفل الملايين من التونسيين بفوزه واستبشروا بذلك فهل حافظ المرشح الذي أصبح رئيسًا على تلك الأقوال وحولها إلى أفعال أم زاد في تأزيم الوضع المتأزم أصلًا؟

لقد مر قرابة سنة ونصف منذ تولي السيد قيس سعيد رئاسة الجمهورية التونسية ولم يقدم ليوم الناس هذا مبادرة تشريعية واحدة للمجلس التشريعي يُشرِعُ من خلالها كل الأقوال (لن نستعمل كلمة وعود لأنه يرفضها) حول محاربة الفساد (تحدث عن قانون المصالحة ولم يعرضه للآن كمشروع قانون) وإنشاء المجلس الأعلى للتربية والمجلس الأعلى للصحة والقانون الجديد للانتخابات طبقًا للأفراد وليس للقوائم وانطلاقًا من الأحياء وصولًا إلى الولاية ثم على المستوى الوطني. كما لم يقدم أية مبادرة تشريعية حول انقاذ الاقتصاد الوطني وإعادة الاعتبار للدولة الراعية اجتماعيًّا رغم أنه أكد على ذلك كثيرًا أثناء حملته الانتخابية. باختصار لحد اللحظة لم يقدم الرئيس قيس سعيد أية مبادرة تشريعية تحت أي عنوان رغم أنه دستوريًّا لمشاريعه القانونية أولوية النظر. لذلك يصبح تحميل المجلس التشريعي والأحزاب المشكلة له المسؤولية عن الوضع التونسي ضربًا من البلاغة اللغوية التي لا قيمة لها سياسيّا. فلو قدم الرئيس مشاريع قوانين وعطلها المجلس التشريعي والأحزاب المشكلة له وتم رفضها فإنه كما قال في المناظرة الأخيرة: إِلى (من) يرفض يتحمل المسؤولية السياسية (أمام الشعب) لأن الكتلة (التي ينتمي هو إليها) هي الشعب التونسي. وأنه حينها لن يتوجه إلا للشعب ويقول له الحقيقة كاملة. ولكن في غياب المبادرات التشريعية من الرئاسة لحد الآن لا يمكن تحميل المسؤولية لأحد.

إن المترشح الأستاذ قيس سعيد قد أكد طيلة فترة الحملة الانتخابية أن المرفق العمومي مرفق محايد خاصة الجيش الوطني وقوات الأمن الداخلي، ولكن السنة والنصف الأولى من فترة الرئيس قيس سعيد شهدت محاولات عديدة لاستمالة المؤسسة العسكرية حيث كانت أغلب الخطب الرئاسية في الثكنات ومن خلف الرئيس ضباط وعساكر (يذكرنا بخطب الطغاة العسكريين في الوطن العربي، بل إن هؤلاء يتجنبون في الغالب الخطب السياسية في الثكنات العسكرية إلا حين يكون الموضوع يخص المؤسسة العسكرية) وتواصل هذا الأمر حتى طالبت القيادات العليا بالجيش بعدم جر المؤسسة العسكرية للدخول في الخلافات السياسية بين أطراف السلطة المدنية، وأنها تلتزم بالدستور والقانون. فانتقل الرئيس من المؤسسة العسكرية للمؤسسة الأمنية حتى وصل الأمر لتعيين رئيس حملته وزيرًا للداخلية وما تبع ذلك من محاولة لتعيين رؤساء أقاليم أمنية موالين للرئيس وتغيير كافة رؤساء مصالح وزارة الداخلية بما يعنيه ذلك من محاولة السيطرة على مرفق عمومي حيوي خطير خدمة لمصلحة تتعارض تماما مع الدستور والقانون اللذان ينصان على حياد المؤسسة الأمنية التي لا يمكن أن ينسى التونسيين الدور الذي لعبته في فترة الاستبداد ولذلك يريد الجميع أن يكون الأمن أمنًا جمهوريًّا محايدًا في خدمة الشعب لا في خدمة من يخدمون الشعب. والكل يعلم ما تبع ذلك من إقالة لوزير الداخلية ومسك رئيس الحكومة بها لليوم.

اعتبر المرشح الأستاذ قيس سعيد أنه مرشح كل التونسيين وأنه سيكون رئيس كل التونسيين وسيكون رئيسًا جامعًا للتونسيين جميعًا على حد عبارته، ولكن واقع الحال وخاصة تعطيله لمبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل حول الحوار الوطني، والتي أصبحت في خبر كان بعد تهنئة رمضان من جامع الزيتونة، والتي تحولت من تهنئة إلى إعلان حرب على الإسلاميين الذين اعتبرهم ليسوا مسلمين وأنهم أباليس ويقسمون ويرفقون الأمة (مفهوم الأمة التونسية مفهوم بورقيبي استعمل ضد خطاب جمال عبد الناصر حول الأمة العربية ووظف في كلمة الرئيس وهو ما يناقض خطابه في مصر قبلها بأيام) وفرق فيها بين المسلمين والإسلاميين متناسيّا أنه بذلك قدم خدمة مجانية للإخوان المسلمين (لا توجد كلمة إسلاميين في تسمية الجماعة) في الوقت الذي يستهدف ضربهم بالتلاعب بالكلمات (هو يعتقد أن كلمة إسلاميين جديدة في حين أن الإمام أبا الحسن الأشعري له كتاب منذ القرن الثالث هجري تحت اسم مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين والأشعري أحد مراجع الزيتونة في تونس) موهمًا العامة من الناس أنهم ليسوا مسلمون وأنه لا علاقة لهم بالإسلام مما يعتبر مخالفة صريحة للفصل السادس من الدستور الذي يجرم التحريض على الكراهية والتكفير ويمنع منعًا باتًا الخطب السياسية في المساجد باعتبارها مرفقًا عموميًّا محايدًا. إن الرئيس بخطابه في جامع الزيتونة أكد مرة أخرى أنه يناقض قوله باحترام الدستور، وأن له تفسيره الخاص للدستور كما له إيمانه الخاصة بالولاية التي يعتبرها تكليف إلهي في حين أنها انتخاب مدني من الشعب لا تفويض من الله فهو ليس ظل الله في الأرض، بل رجل اختاره الناس لأنه أملوا فيه خيرًا. كما يثبت الخطاب أنه قد اختار ألا يكون رئيسًا لكل التونسيين كما وعد، بل اختار فئة منهم على حساب فئة أخرى كما اختار بعد زيارته لمصر أن يرتمي في أحضان الثورة المضادة التي تعتبر أن الحل للقضاء على الديمقراطية التونسية (حتى لا تصبح نموذجًا للاقتداء لدى شعوبها) هو في ضرب الإسلاميين جميعا لأنهم الضمان لنجاح أية تجربة ديمقراطية في العالم العربي ولذلك ذبحوا في مصر ونكل بهم زين العابدين بن علي في تونس ويريد الرئيس اليوم إعادة نفس العملية في تونس معتقدًا أنه بذلك سيحقق مشروعه السياسي الخاص، فالإسلاميون في تصوره وفيما يصوره له المحيطين به هم الحاجز بينه وبين تحقيق ذلك.

وأخيرًا لقد اعتبر المرشح الأستاذ قيس سعيد أن التطبيع خيانة وأن المطبع مرتكب جريمة الخيانة العظمي وأنه يجب محاكمته على أساس ذلك، ولكنه اختار أن تكون أول زيارة دولة له لأكبر المطبعين في العالم العربي وأكبر ديكتاتور فيه، بل طيلة الزيارة لم يذكر اسم إسرائيل قط حتى وهو يتحدث عن معركة 1973 وعبور الجيش المصري لخط برليف حيث بقي اسم العدو الذي انتصر عليه الجيش المصري، ويأمل الرئيس أن تنتصر عليه الجيوش العربية مستقبلًا مبهمًا مبنيًا للمجهول. كما لم يتخذ الرئيس المسؤول دستوريّا عن السياسة الخارجية أية موقف من الدول المطبعة مع الكيان الصهيوني وهو أضعف الإيمان ممن اعتبر التطبيع خيانة.

طيلة العام والنصف لم يحقق الرئيس ولو قولًا واحدًا من أقواله التي على أساسه انتخبناه ولم يكن الرئيس الموحد الجامع الذي حلمنا به ولا فارس محاربة الفساد، بل إن بعض مستشاريه متورطين في استغلال النفوذ وأملاك الدولة لحسابهم الخاص (أخ إحدى المستشارات استعمل سيارة رئاسية وهو لا علاقة له بالرئاسة وارتكب بها حادث وهو في حالة سكر) وأخيه وابنته رافقاه في زيارة مصر وهما لا صفة لهما في الدولة ومؤسساتها في حين أنه أكد أنه لن يوظف أسرته مطلقًا. كما أن المستشارين الذين عينوا في بداية ولايته ممن يعرف عنهم الكفاءة والنزاهة والوطنية تم إعفاؤهم جميعًا واختير مكانهم من لا كفاءة ولا نزاهة ووطنية لهم، بل منهم من عرف بمولاته لدولة أجنبية تريد التحكم في مسير ومصير تونس للأبد. لقد ذهبت كل الشعارات والكلمات أدراج الرياح ولم يبق للشعب التونسي إلا أمل واحد أن تمر هذه العهدة الرئاسية دون أن تدخل البلاد في حرب أهلية خاصة بعد زيارته لمصر وخطابه الأخير بمناسبة رمضان ويضاف إليه خطابه بمناسبة الذكرى 65 لتونسة الأمن التونسي الذي تحول لخطاب إعلان حرب وأنه مشروع شهادة أو انتصار بقوله: لا نقبل الهزيمة، لا نقبل إلا بالانتصار أو بالاستشهاد، لنستشهد رافعين رؤوسنا ولننتصر رافعين رؤوسنا. والسؤال الانتصار على من ومن أجل ماذا؟ ولعل رغبته الجامحة في هذا الخطاب في السيطرة على كل حاملي السلاح في البلاد تؤشر على ما لا تحمد عقباه في مستقبل تونس فتأويله الشاذ للدستور من أجل السيطرة على كل حاملي السلاح من جيش وقوات أمن داخلي (دستوريّا تتبع رئيس الحكومة) وقوات ديوانة (قانونيًّا تتبع وزير المالية) يهدد وحدة ومستقبل تونس.

 إن الشعب التونسي يريد حياة أفضل له وللأجيال القادمة لا حرب أهلية من أجل رغبة الرئيس الجامحة في سلطة مطلقة تقودها لجانه الشعبية تحت اسم الديمقراطية الشعبية المباشرة يكون فيها الزعيم الملهم والإمام الأكبر والمرشد الأعلى ويرفع فيها الشعب التونسي شعار: لا زعيم إلا الزعيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد